على ماذا يتحاور الإيرانيون والسعوديون؟

على ماذا يتحاور الإيرانيون والسعوديون؟

على إيقاع تمدّد "الدولة الإسلامية"، تتنامى الاتصالات بين المسؤولين السعوديين والإيرانيين. ما يخرج إلى العلن يكفي للتأكيد على أن الطرفين فهِما أنه آن الأوان للاتفاق على حلّ بعض الملفات الخلافية. ولكن، رغم ذلك، لا يبدو أنهما سيستطيعان التوصّل إلى وضعية "ربح ربح" تضمن تحقق مصالحهما في وقت واحد.

التحركات الديبلوماسية واللقاءات بين مسؤولي الدولتين صاحبتي التأثير العظيم في الشرق الأوسط تؤكد على إرادة مشتركة في إزالة بعض الألغام المزروعة على الطريق بين طهران والرياض. بمقارنة بسيطة مع ما كان عليه الحال في الأعوام السابقة حين اتهمت السعودية إيران بالتخطيط لاغتيال سفيرها في واشنطن وحين اتهمت إيران الرياض بمساعدة خاطفي أحد دبلوماسييها في اليمن، نتأكّد من أن بعض العقبات قد زالت. لا شك في أن ظهور خطر مشترك يتمثل بـ"الدولة الإسلامية" هو ما ولّد لدى الطرفين إرادة الانفتاح والحوار.

اعلان


في انتظار الزيارة الكبرى

بعد وقت قصير من فوزه بمنصب رئاسة الجمهورية الإيرانية، عيّن الرئيس الإيراني حسن روحاني الديبلوماسي علي شمخاني أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. قرأ المحللون في هذه الخطوة نيّة إيرانية في الانفتاح على المملكة. فقد سبق أن منح ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز، لشمخاني "وسام عبد العزيز"، أعلى الأوسمة الحكومية حين كان لا يزال ولياً للعهد وذلك لجهوده في تطوير العلاقات بين الدولتين. حين كان ابن الأهواز وزيراً للدفاع، في عهد الرئيس محمد خاتمي، نجح في التوصّل إلى اتفاقية أمنية بين بلاده والسعودية.

ولكن هذه الخطوة لم تؤتَ ثمارها مثلها مثل خطوة تعيين حسين صادقي سفيراً جديداً لإيران في المملكة بعد وقت ليس بطويل من لقائه برئيس تشخيص مصلحة النظام في إيران، هاشمي رفسنجاني وقول الأخير إن "التعاون بين بلاده والسعودية ضروري ومهم لمواجهة التطرف الذي تشهده المنطقة".

الحراك الديبلوماسي الجاد بين الدولتين بدأ مع دعوة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل نظيره الإيراني محمد جواد ظريف إلى زيارة الرياض وتأكيده أن "هناك رغبة في إعادة التواصل" وأن "إيران جارة، ولدينا علاقات معها، ونتحدث معهم، ونأمل في إنهاء أي خلافات بين البلدين". رغم أن وزير الخارجية الإيراني لم يلبِّ الدعوة فالتقارب عملياً تحقّق مع زيارة وكيل وزارة الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان العاصمة السعودية، ولقائه بوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، وتأكيده أن المحادثات بينهما كانت "إيجابية وبناءة".

في نهاية موسم التفاوض الغربي مع إيران حول برنامجها النووي، حين كانت تواجه ضغوطاً غربية شديدة، لم تتخذ الدولة الفارسية خطوات جدية باتجاه المملكة حرصاً منها على عدم التباحث في الملفات الخلافية وهي تحت الضغط. الآن، ومع تمديد مهلة المفاوضات مؤخراً، يُنتظر أن تكون الخطوة المقبلة هي لقاء ديبلوماسي أرفع مستوى بين ظريف والفيصل. الوزير الإيراني أعرب، بعد أيام من زيارة عبد اللهيان، عن استعداده لزيارة السعودية واستقبال نظيره السعودي في طهران.

الخوف من "الدولة الإسلامية"

"الدولة الإسلامية" هي القوة النووية التي تخشاها المملكة حالياً. هذا الخوف هو ما يدفعها إلى محاولة حلّ بعض الخلافات مع الخصم الإيراني. فكرة الإسلام السنّي المتشدّد الخارج عن سيطرة الآلة الدينية السعودية وحدها كفيلة بقضّ مضاجع الرياض كونه قادراً على الوصول إلى البيت السعودي الداخلي. فكيف إذا ما كان مجسّداً بتنظيم يثبت، يوماً بعد يوم، أنه عصيّ على الاحتواء ويمتلك قدرات عسكرية ومالية ضخمة؟

القلق السعودي من "الدولة الإسلامية" تؤكّد عليه خطوات كثيرة تتخذها المملكة. من حملات الاعتقالات التي تنفّذها أجهزتها الأمنية مروراً باعتبار مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، أن تنظيمي "الدولة الإسلامية" و"القاعدة" هما "العدو الأول للإسلام" وإجازته قتالهما كونهما "امتداداً للخوارج"، ووصولاً إلى طلب الملك عبد الله بن عبد العزيز من عدد من السفراء المعتمدين لدى بلاده نقل رسالة إلى زعمائهم مفادها أنه "لا بد من محاربة هذا الشرير (الإرهاب) بالقوة وبالعقل وبالسرعة" خوفاً من تمدّده إذا ما أُهمل، يبدو أن السعودية باتت تعتبر أن مكافحة هذين التنظيمين تأتي على رأس التحديات التي تواجه أمنها القومي.

من ناحيتها، تنظر إيران إلى "الدولة الإسلامية" كخطر يهدّد بتقويض أبرز إنجازاتها الإقليمية في السنوات الأخيرة بدءاً من وصول حلفائها العراقيين إلى السلطة وانتهاءً إلى عملها على إطالة عمر حليفها النظام السوري. ومن غير المستبعد أن إيران تخشى جدياً من تمدّد التنظيم المتشدّد إلى ولاية خوزستان (عربستان) نفسها كون الظروف التي ساعدت التنظيم على الانتشار تماثل الظروف التي يعيشها العرب الإيرانيون هناك. لهذه الأسباب يأتي هذا الخطر على رأس لائحة الملفات التي يحاول الإيرانيون والسعوديون الاتفاق عليها خاصة في ظل المناخ الدولي الباحث عن تحالف عالمي للقضاء على "الدولة الإسلامية". فلا شك في أن الطرفين يخشيان من تأثير أيّ إستراتيجية دولية يمكن تبنّيها على مصالحهما الحيوية.

من اليمن إلى لبنان

خطر "الدولة الإسلامية" على الطرفين يدفعهما إلى تركيز حوارهما على ساحتين أساسيتين هما العراق وسوريا حيث ينتشر التنظيم. العراق، حيث يمتلك كلّ منهما تأثيراً كبيراً على بعض المجموعات المحلية، يمثل المكان الأنسب لإنجاز بعض التفاهمات. يمكن لإيران ضبط بعض الميول الشيعية التائقة إلى الهيمنة على كل العراق كما يمكن للسعودية دفع العشائر العربية السنّية إلى قتال داعش من خلال إحياء تجربة الصحوات. من الممكن التوصّل إلى تفاهم يقضي بنوع من الفدرالية المثلثة الأضلاع (شيعية ـ سنية ـ كردية) التي تستجيب لمخاوف جميع الفئات العراقية.

أولى ثمار هذا التقارب تمثلت بـ"الانقلاب" الشيعي الديمقراطي على رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي وتكليف حيدر العبادي تشكيل حكومة عراقية جديدة. فور تسميته رئيساً للحكومة، وحين كان المالكي لا يزال يرفع صوت اعتراضه عالياً، نُقل عن ممثل السيّد علي خامنئي في مجلس الأمن القومي الأعلى، علي شمخاني، تأكيده أن "جمهورية إيران الاسلامية تدعم العملية القانونية التي مضت في طريقها في ما يتعلق باختيار رئيس الوزراء العراقي الجديد". وبالتزامن مع هذا الموقف، وجّه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز برقية تهنئة إلى العبادي داعياً إيّاه إلى "إعادة اللحمة بين أبناء الشعب العراقي". العبادي ليس بعيداً عن إيران البتّة فهو، كالمالكي، ينتمي إلى حزب الدعوة. لكنه، ولأنه اسم لم يُجرّب بعد في العراق، يمتلك القدرة على إدارة حوار بين المختلفين وتشكيل حكومة تستجيب لتطلعات كل الفئات العراقية.

في سوريا، المسألة أعقد من ذلك بكثير. فالسعودية تتوق إلى تزامن محاربة "الدولة الإسلامية" مع تقوية حليفتها "الجبهة الإسلامية" للحلول مكانها أو مع بناء قوّة بديلة مقرّبة منها وقادرة على الاستمرار في محاربة النظام السوري. أما إيران فهي تتوق إلى أن يؤدي قتال "الدولة الإسلامية" في سوريا إلى إضعاف المعارضة السورية وإعادة تعويم حليفها الرئيس السوري بشّار الأسد. يصعب تصوّر حلّ مرضٍ للطرفين. لذلك فإن ميول الدول الكبرى هي التي ستقرّر طبيعة "الإستراتيجية الدولية" التي يتم العمل على بنائها ودور كل من الطرفين فيها.

لا تقتصر المسائل الخلافية بين الدولتين على هذين الملفين. على الحدود السعودية، ينمو باطّراد تنظيم "أنصار الله" (الحوثيون) ويهدّد حلفاء المملكة هناك. قبل سنوات شنّت الرياض حملة عسكرية ضدّه ولكنها باءت بالفشل لا بل كانت كارثية على الجيش السعودي. الآن، ومع تنامي نفوذ عدّو المملكة الآخر، تنظيم القاعدة، في اليمن، وشنّه عمليات ضدّها إنطلاقاً من الأراضي اليمنية، ربما ستجد المملكة نفسها مضطرّة إلى التعاون مع إيران، من خلال الحوثيين، لمحاربة القاعدة.

صراع أبرز قوتين إسلاميتين في الشرق الأوسط في لبنان والبحرين يمكن تأجيله لأنه مرتبط بتسوية الخلافات الرئيسية. في لبنان، سيحاولان الحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار إلى حين انتهاء الأزمة السورية. في هذا الوقت ستعمل المملكة على إعادة بناء قوّة حليفها المدني "تيّار المستقبل" بعد أن بدأت التنظيمات الإسلامية تسحب البساط من تحت قدميه. أما في البحرين فإن مجرى الصراع لا يتطلب حلولاً مستعجلة. سيحافظ كل منهما على أوراقه وسيؤجلان البحث عن الحلّ إلى وقت لاحق.

المؤشر المصري

على عكس المملكة المتحالفة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، لا تمتلك إيران أذرعاً مصرية تستطيع التأثير بواسطتها في الخيارات السياسية لبلاد النيل. ولكن التقارب الإيراني مع "العهد الجديد" يدلّ على أنها صارت تتفهّم أكثر خوف السعوديين من قوّة الإخوان العابرة للحدود.

بعد إشارة مشاركة عبد اللهيان في حفل تنصيب السيسي رئيساً للجمهورية، برزت مواقف إيرانية عدّة تسلّم بقبولها بانتهاء الصراع على السلطة في مصر. لم يأت هذا التقارب من فراغ بل ارتبط بمواقف أطلقها الرئيس المصري الجديد يؤكد فيها على وقوفه على مسافة واحدة من النظام والمعارضة في سوريا، في تحوّل يختلف تماماً عمّا كان عليه الحال مع الرئيس الأسبق محمد مرسي المعادي للنظام السوري.

حالياً تنفتح إيران على مصر التي كان قد أشار رئيسها إلى أن "إيران تدرك أن العلاقة مع مصر تمرّ عبر الخليج العربي". لعلّ الموقف الأبرز كان دعمها للموقف المصري المثير للجدل أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزّة على لسان عبد اللهيان الذي قال إن "الدور الأخير للحكومة المصرية في حرب الـ51 يوماً فى غزة يحظى باهتمام الجمهورية الإسلامية"، وإن مصر قامت بدور جيّد. كذلك أكّد علي أكبر ولايتي، المستشار السياسي للمرشد الأعلى، أن بلاده تحترم اختيارات الشعب المصري في 30 يونيو.

لا شكّ في أن التقارب السعودي الإيراني في هذه المرحلة قد يساعد على حلّ بعض الأزمات ولكن هل تتحوّل العلاقة بين الدولتين من التنافس الحاد إلى التوافق الكامل؟ هذا مستحيل. لا يمكن أن تتفق قوّتان إقليميتان تسعيان إلى تمدّد نفوذهما في دول أخرى وتسعيان إلى تزعّم العالم الإسلامي. ولكنهما قادرتان على إدارة بعض الأزمات بشكل يخفف من التوتّرات القائمة حالياً.

التعليقات

المقال التالي