الفائز الأكبر من الثورة المصرية هو الشرطة

الفائز الأكبر من الثورة المصرية هو الشرطة

مرّ أكثر من ثلاث سنوات على ثورة يناير حين خرج آلاف الشباب مطالبين باسقاط نظام حسني مبارك البوليسي وإقامة نظام مدني وتحسين أحوالهم المعيشية رافعين شعار "عيش، حرية عدالة اجتماعية". توالت الأحداث حتى عاد الجيش مجدداً إلى السلطة لكن بامتيازات أكبر وشعبية غير مسبوقة.

على الرغم من أن الثورة انطلقت من أجل تحسين أوضاع الشعب الاقتصادية ووقف استبداد وفساد النظام السابق، يكتشف المتابع للتغيرات الداخلية في مصر أن الجيش والشرطة هما أكثر الفئات التي استفادت من التغيرات السياسية. لم يكتفوا بالعودة بقوة إلى ترؤس البلاد ولكن تحسنت أوضاع أفرادهما الاقتصادية والاجتماعية على عكس باقي شرائح المجتمع المصري. فخلال الأعوام الثلاثة الماضية لبّت الأنظمة المتعاقبة كل مطالبهما.

اعلان


ترك مبارك السلطة لنظام عسكري أدرك منذ الوهلة الأولى أنه غير قادر على وقف الطموحات الثورية دون الاعتماد على الشرطة التي استغلّت بدورها هذه الضرورة الملحة لتطالب النظام الجديد بتحسين أوضاعها وزيادة رواتب أفرادها كشرط كي تقف إلى جانب النظام الجديد.

أصبح النظام الجديد مع مرور الأيام وانتشار الفوضى في البلاد تحت رحمة الشرطة التي أدركت قيمة دورها وعملت على استغلال هذه القيمة لتفرض مزيداً من الضغوط عن طريق الاضرابات والاحتجاجات بين الحين والأخر. لكن على عكس متظاهري التحرير، فقد كان يتم الاستجابة لمطالبهم سريعاً.

في حقبة المجلس العسكري

لم يكد يمر يومان على تنحي مبارك حتى خرج المئات من ضباط وأفراد الشرطة للتظاهر أمام مقر وزارة الداخلية ومقر الأحوال المدنية بميدان التحرير للمطالبة بزيادة مرتباتهم، الأمر الذي أجبر وزير الداخلية آنذاك محمود وجدي على اتخاذ سلسلة من القرارات أهمها صرف حوافز مالية لجميع أعضاء الوزارة ورفع قيمة الحوافز إلى 100% وعودة جميع أفراد هيئة الشرطة الذين سبق إنهاء خدمتهم لارتكابهم مخالفات انضباطية وإدارية علاوة على عدم إحالة أحد من أعضاء الوزارة إلى المحاكم العسكرية.

وفي 20 يونيو 2012، وافق المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير طنطاوي على قانون آخر يحمل الرقم 25 لسنة 2012 والذي ينص على تعديل بعض أحكام قانون هيئة الشرطة وعلى رأسها إلغاء المحاكمات العسكرية لأمناء وضباط الشرطة وكذلك زيادة رواتب جميع أفرادها. فوفقاً لهذا القانون، تراوح رواتب ضباط الشرطة بدءاً من رتبة  مساعد أول وزير الداخلية حتى رتبة الملازم بين 12 ألفاً و2219 جنيه (أي بين 1700 و300 دولار)، كما تراوحت رواتب أمناء الشرطة من أمين ممتاز أول حتى أمين ثالث بين 7872 و1728 جنيه (أي بين 1100 و240 دولار)، كما تمت زيادة راتب الجندي العادي ليراوح بين 4464 و1296 حسب رتبته (أي بين 620 و180 دولاراً).

هذه الرواتب تعتبر مرتفعة جداً بالمقارنة مع رواتب باقي فئات المجتمع التي كانت تحلم حينذاك بقانون يضع حداً أدنى للأجور لا يقل عن 1000 جنيه (140 دولاراً)، إذ هناك معلمون في المدارس التابعة للدولة، على سبيل المثال، يحصلون على راتب 300 جنيه (40 دولاراً) شهرياً على الرغم من أن مستواهم التعليمي أعلى من ضباط الشرطة وفقاً للنظام التعليمي المصري.

في ظل حكم الإخوان المسلمين

عمل الإخوان المسلمون منذ أن وصلوا إلى البرلمان على التقرب من الشرطة والجيش من أجل اتقاء شرهم وإصلاح العلاقات وطي صفحة الصراع القديم الطويل الذي استمر نحو ستين عاماً. ففي 13 مايو 2012 وافق مجلس الشعب الذي كان يهيمن عليه الإخوان المسلمون على مشروع قانون قدمته لجنة الدفاع ويقضي بزيادة العلاوة الدورية لأعضاء هيئة الشرطة وكذلك زيادة رواتبهم، وهو القانون الذي أقرّه طنطاوي بعدها.

وفي 5 يونيو 2012، عنونت صحيفة "المصري اليوم" خبراً لها "مشروع قانون إخواني لزيادة رواتب ضباط الجيش 400%"،  جاء فيه أن النائب الإخواني فريد إسماعيل تقدم بمشروع قانون يقضي بإعادة هيكلة رواتب أفراد وضباط القوة المسلحة وزيادتها إلى أربعة أضعاف.

بمجيء الرئيس محمد مرسي، سعى إلى توطيد العلاقة مع قوات الشرطة خاصة بعد انطلاق تظاهرات الإعلان الدستوري في ديسمبر 2012. هذه التظاهرات الحاشدة دفعته للاعتماد أكثر فأكثر على ألوية الداخلية وقادة الجيش الجديدة وفي طليعتهم اللواء عبد الفتاح السيسي، والتخلي عن الفئة الثورية التي وقفت إلى جانبه في الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي جعل الشعب يعتقد أن تنظيم الإخوان سيطر على الجهازين الأمنيين في البلاد.

أمام الإضرابات المتتالية لأفراد وضباط الشرطة، أصدر وزير الداخلية آنذاك اللواء أحمد جمال الدين قراراً وزارياً، بعد موافقة رئيس الوزراء هشام قنديل، ينص على صرف بدل مخاطر لأفراد الشرطة بنسبة 30% من الراتب الأساسي وبنسبة 20% للعاملين المدنيين في وزارة الداخلية إضافة إلى رفع بند المكافآت إلى 2 مليار جنيه (280 مليون دولار) بدءاً من مايو 2013 لتزيد نسبة المكافآت إلى 300%، وقد لاقى هذا القرار استياء كبيراً لدى المدنيين خاصة أن الحكومة كانت ترفض مطالبهم بحجة عدم توفر الموارد. تزامن هذا القرار مع قرار آخر للرئيس قضى بزيادة رواتب أفراد وضباط الجيش بنسبة 15% بدلاً من  10%.

الشرطة جزء أساسي من النظام الجديد

لم يتغير الوضع بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين، فقد عملت السلطات الجديدة تحت قيادة السيسي على إصدار العديد من القرارات الخاصة بزيادة رواتب أفراد الشرطة ليضمنوا ولاءهم، خاصة مع تزايد أعمال القمع ضد  أنصار الرئيس الإسلامي السابق. ففي أغسطس الماضي، أصدر الرئيس السابق عدلي منصور قانوناً قضى بتعديل جدول فئات ورواتب درجات المجندين وضباط الصف في القوات المسلحة ثم اتخذ قراراً آخر بزيادة 200 جنيه على رواتب أفراد الجيش. القرار الأخير تضمّن ثالث زيادة على رواتبهم منذ ثورة يناير.

وفي منتصف فبراير الماضي أصدر منصور قراراً أخر بزيادة بدل المخاطر من 30% إلى 60% من الراتب الأساسي لأعضاء هيئة الشرطة من الأفراد والضباط، في الوقت الذي تشتعل فيه الاضرابات العمالية بسبب عدم زيادة أجورهم.

"تخوين" المطالب العمالية

في اتصال خاص أجرته رصيف 22 مع العقيد المتقاعد محمد عبد الرحمن، اعترف بأنه كان هناك زيادة فعلية في رواتب الشرطة والحوافز على مر الأنظمة التي تلت الثورة، لكنه يؤيد هذه الزيادات التي استهدفت تحسين أوضاع رجل الشرطة معتبراً أنه أمر مهم للدولة الراغبة في إصلاح منظومة القانون لديها.

في المقابل نظرت السلطات الجديدة إلى الاحتجاجات والإضرابات العمالية التي تزايدت عقب تظاهرات 30 يوليو بعين "التخوين". ففي تصريحات لبعض القنوات الفضائية في 19 فبراير 2014، ادعى رئيس الحكومة السابق حازم الببلاوي أن هناك أيدياً خفية تدفع العمال للاحتجاج والإضراب لإجهاض خارطة الطريق الموضوعة عقب 30 يونيو.

ينظر قطاع كبير من المصريين إلى الرفاهية التي يعيشها رجال الشرطة ومستواهم الاجتماعي والقانوني المتميز بعين من الغبطة، في ظل نظام اقتصادي الذي لا يسمح لأمثالهم بالوصول إلى المستوى المعيشي نفسه.

مع كل ثورة يفوز طرف ويخسر أخر بحكم التغير الطبيعي الناتج عن تغير الأنظمة، لكن في مصر استطاعت الشرطة أن تحول خسارتها سريعاً إلى مكاسب كبيرة، حتى يمكن القول إن المطالب التي اندلعت بسببها ثورة يناير فد تحققت لمصلحة الشرطة.

الفائز الأكبر من الثورة المصرية هو الشرطة

التعليقات

المقال التالي