لماذا ضربت أمريكا "داعش" في العراق وتركتها في سوريا؟

لماذا ضربت أمريكا "داعش" في العراق وتركتها في سوريا؟

بعد تمدّد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) واجتزائه مساحات واسعة من العراق معلناً تأسيس "الدولة الإسلامية" ثم محاولته الاستمرار في التوسع وتهديده إقليم كردستان، قررت الولايات المتحدة الأمريكية توجيه ضربات جويّة له، فافتتحت حقبة التصاريح الدولية التي تتحدث عن خطره وضرورة مواجهته. قبل ذلك، عمل التنظيم في سوريا لأكثر من سنة ونصف السّنة ولكن لم يقرّر أحد مواجهته رغم أنه كان "يأكل" مجموعات المعارضة التي أنفقت الدول الغربية أموالاً طائلة على تدريبها وتسليحها. لماذا؟

على الأجندة الدولية

اعلان


مع تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية، في الثامن من الشهر الجاري، ضربات جوّية استهدفت مواقع عسكرية تابعة لـ"الدولة الإسلامية"، افتتحت مرحلة جديدة من التعاطي الدولي مع هذا التنظيم. إلى الضربات الأمريكية التي توالت، خرج رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون David Cameron، ليتحدث عن ضرورة التصدي له مطالباً بتنسيق إقليمي لتحقيق هذه الغاية. كلام كاميرون الذي نشرته صحيفة "تلغراف" The Telegraph البريطانية أتى بعد أقل من يومين على تبني مجلس الأمن القرار رقم 2170 الداعي إلى قطع مصادر التمويل عن مقاتلي "داعش"، ومنعهم من تجنيد المقاتلين الأجانب.

من ناحيته، تحدث الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن عمل بلاده على "إتباع إستراتيجية بعيدة الأمد لتحويل مجرى الأحداث ضد داعش" معتبراً أن خطرهم يطال "المنطقة بأسرها". وبعد إعدام الأسير الأمريكي، الصحافي جيمس فولي James Foley، وصفأوباما "داعش" بأنها "سرطان" وقال: "لا مكان لداعش في القرن الحادي والعشرين.يعترف الرئيس الأميركي بأنه "ليس لدينا استراتيجية حتى الآن" ولكنه طلب من وزير الدفاع تشاك هايغل إعداد مجموعة من الخيارات ستتضمّن "جانباً عسكرياً" للإستراتيجية في مواجهة التنظيم.

أما الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند فقد أكّد، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "لوموند" الفرنسية، على ضرورة وضع "إستراتيجية شاملة ضد هذه المجموعة التي باتت تشكل كياناً منظماً ولديها الكثير من التمويل وأسلحة متطورة جداً وتهدد دولاً مثل العراق وسوريا ولبنان". وهو يسعى حالياً إلى تنظيم مؤتمر دولي في باريس من أجل "تنسيق التحرك الدولي ضد الدولة الإسلامية على المستويات الإنسانية، الأمنية والعسكرية".

باختصار، تم وضع خطر تنظيم "الدولة الإسلامية" على الأجندة الدولية بين المسائل الهامة التي تستوجب معالجتها سريعاً.

بين العراق وسوريا

الخطوة الأمريكية أثارت تساؤلات كثيرة عن السبب الذي دفعها، هي والمجتمع الدولي، إلى مهاجمة مراكز "الدولة الإسلامية" على الأراضي العراقية بينما كانت قد تركت تنظيم "داعش" يعمل بحرية، في سوريا، لوقت طويل ما مكّنه من بناء جيش قوي أعاد خلط الأوراق في المنطقة المضطربة. للإجابة على هذا السؤال يستعيد البعض نظريات المؤامرة فيما يميل البعض الآخر إلى إجراء مقارنات غير مجدية بين الدم السوري والدم العراقي.

لفهم ما يعتبره البعض إزدواجية، يجب العودة إلى ما قبل السادس من يونيو الفائت، تاريخ هجوم "داعش" على سامراء وهو الهجوم الذي افتتح مرحلة تمدّدها في العراق. في سوريا، كان التنظيم الجهادي يسيطر على بعض المناطق وكان يشتبك مع فصائل المعارضة السورية المسلّحة فيتقدّم أحياناً ويتراجع أحياناً أخرى رغم إظهاره أنه تنظيم صلب. وكان يشتبك دورياً مع الأكراد السوريين للسيطرة على منطقة تل أبيض دون أن ينجح في ذلك. أما في العراق فقد كان عناصره ينتشرون في بعض الجبال والصحارى في محافظة الأنبار دون أن يهددوا أي مركز حضري ذي أهمية.

على هذه الصورة بنت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الوازنة إستراتيجياتها. كانت ترى في "داعش" تنظيماً قادراً على ابتزاز النظام السوري المتعنّت والرافض للبحث الجدي في التوصل إلى آلية لانتقال السلطة. وكانت ترى أنه، على الأراضي السورية، تنتشر تنظيمات وتجمعات أخرى قادرة على موازنة "داعش" في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام كجبهة النصرة والجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا ما يسمح لها باللعب على هذا التنوّع لتحقيق بعض الأهداف السياسية.

ولكن تمدّد "داعش" كخطوة سبقت إعلانه "الدولة الإسلامية" غيّرت المشهد الجيوسياسي. تمكّن التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية طارحاً نفسه كتنظيم متين لا ترقى قوة مجموعات المعارضة السورية المسلّحة الأخرى إلى قوّته. لا ننسى أن "داعش" في سوريا لم يكن يسيطر على المساحة التي يسيطر عليها حالياً. فهو كان قبل التمدّد في العراق تنظيماً محلّياً في محافظة الرقّة السورية ولم تكن جغرافيا سيطرته تسمح له بلعب دور هام في الحرب السورية كونه كان بعيداً عن مناطق التماس مع قوات النظام السوري. طبيعة انتشار التنظيم آنذاك كانت توحي بأن عملية احتواءه مسألة سهلة.

إذاً تزامن تمدّد داعش في العراق مع تمدّده في سوريا (سيطر على البوكمال في الأول من يوليو الماضي). أما أمريكا فلم تتدخّل بشكل مباشر حتى الثامن من الشهر الجاري حين سددت ضربات جوية ضد مواقع للتنظيم على الأراضي العراقية. أمريكا لم تتأخر لا سنة ولا سنة ونصف السنة. أمريكا تأخرت أقل من شهرين. فالحسابات تبدأ منذ افتتاح التنظيم مرحلة التمدّد الأخيرة.

أتى التدخل الأمريكي على خلفية قرار "الدولة الإسلامية" التمدّد في إقليم كردستان العراق وبشكل خاص بعد هجوم على قضاء سنجار وتهديده الأقلية الإيزيدية الكردية. قبل ذلك كان التنظيم يسيطر على مناطق عربية سنية بشكل أساسي وكانت حركته تساعد القوى الكبرى في الضغط على رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي لكي يتنحّى تمهيداً لتشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية. حين هاجمت قوات "الدولة الإسلامية" إقليم كردستان وهدّدت أربيل، أخطأت في قراءة الحدود الحمراء أمام تمدّدها فكان التغيّر الكبير في مواقف القوى الدولية الذي شهدناه في الأسبوعين الأخيرين. ينبع هذا التغيّر من الحرص الدولي على استقرار الإقليم كمنطقة فاصلة بين تركيا، وإيران، وسوريا، والعراق نفسه.

إضافة إلى هذه العوامل الجيوسياسية هناك عوامل أخرى تدفع أمريكا والدول الأوروبية الكبرى إلى سلوك مسالك في العراق تختلف عن مسالكها في سوريا. فالعراق هو دولة معترف بها كديمقراطية وإن كانت التوازنات السياسية الاجتماعية القائمة داخلها تدفعها إلى أن تكون ديكتاتورية الأكثرية الشيعية، بينما يُعتبر النظام السوري نظاماً ديكتاتورياً مارقاً وتحظى الثورة ضده بدعم دولي. إلى ذلك تضاف مسائل أخرى كتهديد "الدولة الإسلامية" للأقليات (قبل الإيزيديين كانت مأساة مسيحيي الموصل) وهذا الأمر يُثير المجتمع الدولي وهو ما يلعب عليه النظام السوري بطريقة ذكية حين يطرح نفسه كحامٍ للأقليات.

ماذا عن سوريا؟

بعد بروز إجماع دولي على محاربة "الدولة الإسلامية" في العراق، ظهرت بقوة فكرة محاربتها حيث تنتشر في سوريا. رئيس أركان الجيش الأمريكي، مارتن ديمبسي Martin Dempsey، اعتبر أن القضاء على التنظيم يقتضي مهاجمته في سوريا. المتحدث باسم الأخير، النقيب إد طوماس Ed Thomas، أكّد أن ديمبسي "يجهز مع القيادة المركزية خيارات التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا عبر مجموعة من الأدوات العسكرية، بما في ذلك الضربات الجوية". الكلام الأمريكي لحق به المسؤولون الفرنسيون والبريطانيون وحلفاء آخرون. حتى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف Sergey Lavrov أكد على "ضرورة مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ليس فقط في العراق، بل في سوريا أيضاً".

من جانبه، يحاول النظام السوري استخدام هذه التطوّرات لمصلحته كما ظهر منحديث وزير الخارجية السوري وليد المعلم الداعي إلى التنسيق والتعاون والتواصل مع النظام. ولكن هذه المحاولات لفكّ العزلة لن تنجح. البيت الأبيض رفض فكرة التنسيق في بضع مناسبات. موقف المجتمع الدولي لخصه وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند Philip Hammond حين قال: "ربما نرى جيداً أننا في بعض المناسبات نحارب الأشخاص أنفسهم كما يفعل (النظام السوري)، لكن هذا لا يجعلنا حلفاءه. مجرد التفكير لن يكون عملياً أو منطقياً أو مفيداً للسير في هذا الطريق". "بشار الأسد لا يمكن أن يكون شريكاً في مكافحة الإرهاب، فهو الحليف الموضوعي للجهاديين"، أكّد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند.

حتى الآن الحديث عن محاربة "الدولة الإسلامية" في سوريا هو فرضية. على الأرجح ستتحقق هذه الفرضية لأن هجوم التنظيم على مجموعات المعارضة السورية المسلحة الأخرى والتكاثر السريع في أعداد الملتحقين به سيحوّله بعد فترة قصيرة، إن لم يتم تدارك الوضع، إلى اللاعب الوحيد في مواجهة النظام السوري. ما السبيل إلى تحجيمه؟ الأرجح أن تتم مواجهته من خلال إستراتيجية مثلثة الأضلاع: توجيه ضربات جوية لمواقعه، العمل علناً على تدريب وتسليح "جيش سوري معارض" وإرسال خبراء عسكريين لإدارة المعارك ضدّه وهنا يمكن الاستعانة بشركات أمنية كان يتم التعامل معها في العراق بما أن الدول الكبرى ترفض إرسال جيوشها إلى المنطقة.

التعليقات

المقال التالي