هل انتصرت غزّة؟

هل انتصرت غزّة؟

أمام مناصريه المحتشدين في ساحة مقرّ المجلس التشريعي للاحتفال بالنصر، قال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية: "سنمضي وإياكم إلى النصر والصلاة في القدس". وفي مؤتمر صحافي، قال المتحدّث باسم "كتائب القسام" أبو عبيدة: "موعدنا مع خطاب النصر قريب في باحات المسجد الأقصى المبارك". ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو اعتبر أن "حماس تلقت الضربة الأقسى لها طوال حياتها". والسؤال: هل انتصرت غزّة؟

غزة لم تنتصر

لم تتوقف الحرب الإسرائيلية على غزة إلا في اليوم الـ51. فور شيوع نبأ توصل إسرائيل والفلسطينيين إلى اتفاق تهدئة ينهي فصول المأساة، خرج الفلسطينيون، بشيبهم وشبابهم، إلى الشوارع فرحين. قيل: الغزاويون يحتفلون بالنصر. لا يمكن حصر دوافع احتفال الفلسطينيين في غزّة ببعد أحادي هو الاحتفال بالنصر. هناك مزيج كبير من المشاعر دفعت بالغزاويين إلى الشوارع. هم فرحوا بانتهاء الحرب وبأنهم بقيوا على قيد الحياة وفرحوا لأنهم، أخيراً، صاروا قادرين على معاينة ممتلكاتهم وأيضاً فرحوا لأن الحرب انتهت دون الخضوع للإملاءات الإسرائيلية. أمام مناصريه، قال اسماعيل هنية إن "هذا الصمود العظيم كان السبب في ثبات المقاومة ونصر المقاومة" وتحدث عن انتصار حققته "مقاومة باسلة أبهرت العالم وشهدت تلاحماً بين الشعب والمقاومة فصنعت هذا النصر".

القول إن غزّة انتصرت فيه الكثير من الثقافة التي تزدري حياة المواطنين المدنيين ومن الثقافة الأنتي عمرانية والأنتي حضارية. أكثر من 2100 فلسطيني قضوا نتيجة الحرب ونحو عشرة آلاف جرحوا. وفي إحصاء يعود إلى أول الشهر الجاري، أفاد وزير الأشغال العامة والإسكان مفيد محمد الحساينة بأن العدوان طال قرابة 40 ألف وحدة سكنية، منها 5238 وحدة سكنية مهدمة كلياً، و30 ألف وحدة سكنية مهدمة جزئياً، منها 4374 وحدة سكنية لم تعد صالحة للسكن.

ماذا يعني أن نقول بانتصار غزّة أمام هول هذه الأرقام؟ الآن يعاني القطاع الصغير من أزمة سكن حادة. مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي الجديد لا يعرف آلاف المتشردين ماذا سيفعلون. فمعظمهم لجأ خلال الحرب إلى مباني المدارس. غزّة لا تستطيع، بمقدراتها الذاتية، أن تعيد إعمار نفسها ولإعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل المانحين وإلى موافقة إسرائيل على دخول مواد البناء إليها.

لا يمكن إنكار صمود غزة وشعب غزّة أمام آلة الحرب الإسرائيلية المتطوّرة. ولكن يجب تحديد معايير النصر. هل ينتصر من يجد حاله في الحضيض؟ هل الناجي من الإبادة الجماعية يعتبر منتصراً؟ ما هو النصر؟ أهو البقاء على قيد الحياة فقط؟ حركات المقاومة درجت في المدة الأخيرة على اعتبار عدم زوالها انتصاراً مهيباً. الشعب يفضّل اللحاق بتوصيفاتها للأمور. فلا أحد يحب أن يشعر بأنه هزم. هذا يفتح الباب على تساؤلات كثيرة أهمها كيفية نظرتنا إلى حياتنا. عندما يتم تدمير الاقتصاد الغزاوي والبنية التحتية للقطاع بشكل سيخلق معاناة لسنوات عدّة مقبلة ويعتبر هذا انتصاراً, نكون قد تخلينا عن الأخذ في الاعتبار نوعية الحياة التي نعيشها.

في السياسة ماذا حققت حركة حماس؟ أذعنت لرفض إسرائيل أي مسار تفاوضي إلا المسار الذي تقوده مصر. لم تنجح في إشراك حليفتيها تركيا وقطر في المفاوضات. عادت حماس إلى أرض الواقع مضطرة إلى الاعتراف بأنها لا تستطيع الابتعاد عن مصر. إذا ما تذكّرنا بعض التصريحات والتسريبات التي هاجمت مصر والدور المصري في الأيام الأولى للحرب وقارناها بخروج اتفاق التهدئة من تحت عباءة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، "عدوّ" الإخوان المسلمين وحركة حماس، سنعيد التفكير قليلاً في تسويق حماس للاتفاق كإنجاز غير مسبوق. يكفي الانتباه إلى أن أي سلاح لن يمرّ عبر معبر رفح ولا عبر الأنفاق التي تصل مصر بغزة مجدداً.

وفي تفاصيل الاتفاق، ماذا حققت حماس؟ اشترطت فتح المعابر التي تربط القطاع بمصر وبإسرائيل فتمت تلبية شروطها. هل ننسى أن المعابر أقفلت لأن حماس لم تستجب لشروط فتحها؟ الآن عدنا إلى الشروط نفسها. سياسات حماس السابقة ورهاناتها هي التي أقفلت المعابر والآن تسوّق حماس لفكرة أن إعادة فتحها هي انتصار. جزء من الأزمة الخانقة التي يعاني منها قطاع غزّة كان سببها العملية العسكرية التي نفذتها حماس ضد حركة فتح حين طردتها من القطاع. الآن، وبموجب اتفاق التهدئة تعود السلطة الفلسطينية، بقيادة حركة فتح، للعب دور أمني أساسي في القطاع. إذاً ما هو النصر الذي تحقق؟ هو العودة إلى الماضي؟ كان يمكن استمرار الحال القديم من دون وقوع ضحايا ومن دون كل هذا الدمار. ولكن الأهم هو زوال شعار رفض التفاوض مع إسرائيل واعتبار السلاح لغة وحيدة لتحقيق المطالب.

إسرائيل لم تنتصر

للصورة وجه آخر. فالقول إن إسرائيل انتصرت فيه الكثير من الثقافة المفتتنة بدعاية "الجيش الذي لا يقهر" ومن الثقافة التي تُفتتن بقدرات القاتل (الثقافة نفسها التي تدفع كثيرين إلى تأييد تنظيم "الدولة الإسلامية"). الحرب على غزة انتهت بعملية تفاوضية صعبة جداً لم تستطع إسرائيل خلالها فرض شروط تسمح لها بادعاء تحقيق انتصار على حركة حماس وعلى باقي الفصائل الفلسطينية.

لم تنل إسرائيل، في اتفاق التهدئة، مطلب الإفراج عن جثمانَي جندييها اللذين سحبتهما حماس من أرض المعركة واحتفظت بهما. فشلت إسرائيل في المعركة البرية المحدودة التي خاضتها وتكبّد جيشها خسائر كبيرة ما اضطرها إلى الانسحاب من طرف واحد. لم تتجرأ حكومتها المصغرة على اتخاذ قرار بإعادة احتلال القطاع الصغير رغم أن هذا الخيار يحظى بشعبية غير مسبوقة. وأيضاً، صارت إسرائيل تعرف أن التأييد الدولي لها لا يستطيع تجاوز فكرة الضربة السريعة، ولا يمكن أن تنال تأييداً دولياً على خوض حرب طويلة. إذاً عملياً، تستطيع إسرائيل في المستقبل العمل على بناء قوتها الردعية لا أكثر. ولكنها لم تعد قوة هجومية يخشى منها. رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو فهم الدرس. لذلك قال إن "حماس تلقّت الضربة الأقسى لها طوال حياتها" وأنه "من السابق لأوانه القول إننا حققنا ردعاً طويل المدى".

صور إخلاء المستوطنين لمستعمراتهم الواقعة في غلاف غزّة كانت صوراً غير مسبوقة. قرار ترك الأرض يتعارض مع صلب العقيدة الصهيونية. لم يسبق أن حصل شيء مماثل في تاريخ إسرائيل. وعلى المستوى السياسي تدمّرت شعبية نتنياهو كما تدمّرت عام 2006 شعبية سلفه إيهود أولمرت بعد حرب تموز. في استطلاعات رأي أجرتها "القناة الثانية"، ظهر أن تأييد قرارات رئيس الحكومة انحدر إلى 32% بعد أن كان، عند بدء الهجوم، 82%. واقع الحرب دمّر صورته كزعيم صلب لا يلين، خاصة أن 54% من الإسرائيليين يعارضون وقف النار و90% منهم غير راضين عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه. سجالات الحرب فككت تحالفه السياسي مع القوى الحكومية الأخرى. في الحرب الأخيرة، بدا جلياً أن سياسيي الصف الثاني ينتظرون أخطاء سياسيي الصف الأول ليراكموا شعبية على حسابهم. هذا ما دفع الكاتب سيما كدمون إلى الكتابة في صحيفة "يديعوت أحرونوت" حول محاولة اغتيال القائد العسكري لكتائب القسام محمد الضيف: "ليس رأس محمد ضيف هو ما أراد نتنياهو أن يعرض وإنما رؤوس وزرائه". الحرب تقضي على حياة السياسي. هذه الحقيقة ستبقى عالقة في أذهان السياسيين الإسرائيليين.

غزّة لم تنتصر. لقد تمّ تدميرها. إسرائيل لم تنتصر. لقد تمّ كسر عنجهيتها. هل النتيجة هي تعادل؟ ربما لا. ربما خسر الطرفان. ليس بالضرورة أن تسفر الحرب عن منتصر. في كل الحالات لا يمكن أن نستخلص نتيجة من اتفاق تهدئة. النتيجة ستظهر في الأعوام المقبلة.

التعليقات

المقال التالي