حزب الدعوة، انشقاقات الحكم

حزب الدعوة، انشقاقات الحكم

للمرة الثالثة، يتولى قيادي من حزب الدعوة مهمات رئاسة الحكومة العراقية. ولكن حزب الدعوة الذي وصل إلى سدة الحكم عام 2005 ليس هو حزب الدعوة نفسه الذي يمثله حيدر العبادي المكلف تشكيل الحكومة العراقية. تكليف انتزعه من رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، الذي حكم العراق ثماني سنوات شهدت اضطرابات ليس فقط على الصعيد الوطني بل داخل حزب الدعوة أيضاً.

خلال العقد الماضي، يبدو أنه كلما تغير رئيس وزراء العراق، أثار التغيير خلافاً داخل حزب الدعوة. عندما تولى إبراهيم الجعفري رئاسة وزراء العراق عام 2005، كان رئيس حزب الدعوة. ولكن بحلول عام 2006، انقلب حلفاء الجعفري في العملية السياسية عليه، ليتم اختيار قيادي آخر في الحزب، المالكي، خليفة له. حينذاك، مثل اليوم، كان الحزب وسيطرته على الحكم، أهم من الشخص الذي يتولى قيادته. لكن الجعفري لم يتحمل التغيير، وخلال فترة قصيرة، خرج من الحزب وشكّل "تيار الإصلاح"، فتبعته مجموعة من كوادر الحزب.

اعلان


شهد الشهر الماضي خلافات علنية قسّمت قادة حزب الدعوة وكوادره من جديد. وربما كانت التصريحات المنفعلة للنائبة عن حزب الدعوة حنان الفتلاوي ضد العبادي، خير دليل على شخصنة الخلافات على الحكم، وبُعدها عن الأيديولوجية. فالفتلاوي، النائبة المدافعة عن المالكي، اعتبرت الانقلاب على المالكي انقلاباً على الحزب.

الخلافات اليوم هي على السلطة والنفوذ والمال وليست على توجه الحزب أو عقيدته مثلما حدث في العقود السابقة وأدى الى تبلور حزبين: حزب الدعوة الاسلامية الذي يقوده المالكي، وحزب الدعوة تنظيم العراق الذي يقوده حالياً نائب الرئيس العراقي السابق خضير الخزاعي. ولكن مع تخلي المالكي عن طموحه لولاية ثالثة رئيساً للوزراء، يسعى الحزب إلى لملمة جراحه.

تأسّس حزب الدعوة عام 1957 ولكن لم يبرز نشاطه السياسي على الصعيد الوطني إلا بداية السبعينات من القرن الماضي، وكان من مؤيدي الثورة الإيرانية عام 1979 بعد أن أصبحت ثورة "إسلامية" بزعامة روح الله الخميني. كان محمد باقر الصدر الأب الروحي للحزب، وقد أعدمه الرئيس العراقي صدام حسين عام 1980. نشط حزب الدعوة بعد اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية ونفّذ بضع عمليات اغتيال لإرباك الدولة العراقية حينذاك، منها محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية طارق عزيز، التي شنّ النظام العراقي على أثرها حملة واسعة ضد الحزب وضد من اتهمه النظام بالانتماء له، معتقلاً آلافاً من العراقيين.

هربت معظم قيادات حزب الدعوة إلى إيران وسوريا، وانتقل بعضها لاحقاً إلى دول أوروبية بعد الحصول على اللجوء السياسي. كان حزب الدعوة من الأطراف النشطة في المعارضة العراقية، غير أنه لم ينضم إلى الأحزاب والحركات السياسية التي كانت تتواصل بشكل مباشر مع الولايات المتحدة ولم يشارك في الزيارات المتعددة إلى واشنطن للحصول على دعم أمريكي. ولكن مع ظهور النية الأمريكية بإطاحة نظام صدام حسين، انخرط حزب الدعوة في العمل المباشر مع الحركات المرتبطة بالولايات المتحدة وشارك في مؤتمر لندن الشهير نهاية عام 2002. ومن هنا كان له حضور منذ أول أيام سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وأصبح من أعمدة النظام السياسي الذي وضع في العراق بإشراف "سلطة الائتلاف الانتقالي" الذي بزعامة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر Paul Bremer.

وبسبب قسوة النظام السياسي في العراق خلال العقود السابقة، وقبل غزو عام 2003، اضطر حزب الدعوة إلى النشاط غير المباشر مما جعله حزباً تعوّد العمل السري. يرى منتقدوه أنه ما زال هكذا، لذلك، حتى بعد نحو عقد من الزمن في الحكم، ما برح الحزب يعاني من الاختلافات الداخلية ويساوره الشك في الحلفاء. وهذا مؤشر إلى أن مسؤوليات العبادي لا تشمل لملمة جراح العراق فحسب، بل أيضاً جراح حزبه.

التعليقات

المقال التالي