أنت معارض إذن أنت متآمر!

أنت معارض إذن أنت متآمر!

أنت معارض إذن أنت متآمر"! هذا هو "كوجيتو" الأنظمة العربية. لا تتقبّل هذه الأنظمة فكرة خروج معارضة سياسية تطمح إلى الوصول إلى سدّة الحكم أو إلى تغيير السياسات التي يتبنّاها النظام. بسبب طبيعتها، هي عاجزة عن فهم منطق الاعتراض، لأنها ترى أن حياة البشر ووجود الحجر مرتبطان بها! لا تستطيع تخيّل فكرة أن هناك شيئاً ما يقع خارجها. بنظرها، هي علّة الوجود.

يعود هذا الواقع العربي المأساوي إلى خلل في الثقافة السياسية. لطالما كانت الأحزاب التي استطاعت الوصول إلى الحكم، بعد تشكّل الدول العربية، أحزاباً ذات نزعة شمولية. بسبب حداثة هذه الدول وعدم مراكمتها لتجارب تاريخية، ارتبطت فكرة الدولة بفكرة نظام الحكم بالمنظومة الأيديولوجية للأحزاب الحاكمة. في عرف الحكام وجمهورهم، كانت كل هذه المسائل تعني شيئاً واحداً. هذا الخلط استمر وصار جزءاً من الثقافة السياسية العامة. حتى المعارضون نسمعهم يتحدثون عن النظام العميل الذي يقصي القوى الوطنية عن الحكم.

من البحرين إلى سوريا

عام 2012، وبسبب الاحتجاجات السلمية التي طالبت بالتغيير في البحرين، أصدرتوزارة الداخلية البحرينية قراراً قضى بسحب الجنسية من 31 مواطناً بينهم نائبان سابقان. اعتبرت الداخلية أن المشمولين بقرارها المجحف تسبّبوا بـ"الإضرار بأمن الدولة". قانونياً، استندت الوزارة إلى نص قانون الجنسية الصادر عام 1963 والذي يقول: "يجوز بأمر عظمة الحاكم إسقاط الجـنسية البحرينية من كل من يتمتع بها في الحالات الآتية: (...) إذا تسبب في الإضرار بأمن الدولة". لا شك في أن اعتبار فعل المعارضة السياسية السلمية عملاً يلحق الضرر بأمن الدولة هو مبالغة تكشف عن عقم نظرة النظام السياسي البحريني إلى السياسة. حينها، انتقدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" Human Rights Watch القرار ورفضت "المساواة بين المعارضة السياسية والإضرار بأمن الدولة".

في العام الماضي، وعلى إيقاع ولادة حركة تمرّد البحرين، وبناء على طلب من العاهل البحريني، أصدر مجلس الأمة قانوناً ضد "المشاغبين" نصّ على سحب الجنسية البحرينية من الذين تثبت إدانتهم بـ"أعمال إرهابية". جدّد المجلس نص قانون الجنسية الفضفاض باللغة الدارجة في هذه المرحلة، أي بالحديث عن التصدّي للإرهاب. القيادي في جمعية الوفاق الوطني المعارضة عبد علي محمد أوضح أن "القانون يتحدث عن سحب الجنسية من الإرهابيين وهم يلصقون هذه التهمة بكل من يرفع صوته مطالباً بالحرية واحترام حقوق الإنسان". في المقابل، اعتبر النائب الشيخ جاسم السعيدي أنه "ليس هناك معارضة شيعية في البحرين، هذه فئة تنتمي للخارج". لا يتقبّل أنصار الأنظمة فكرة وجود مواطنين معارضين للسلطة. في عرفهم، كل مَن يقوم بمثل هذا الفعل "البغيض" هو متآمر.

في سوريا، منذ بداية الثورة، اعتبر أنصار النظام السوري أن هناك مؤامرة تحاك ضدّ مواقفهم "الصلبة والثابتة" ضد "العدو الصهيوني" وتناسوا كل ما له علاقة بالطبيعة القمعية للنظام وكل ما له علاقة بالتجاوزات الكثيرة التي كانت تشكّل الثابت الوحيد في سياسات المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية. لا يزال هذا الخطاب مستمراً بعد مرور ثلاث سنوات على بداية الثورة. مؤخراً، تحدث الرئيس السوري بشار الأسد عن "حالة اللاوطنية التي بدت أكبر من التوقعات". في فكر الأنظمة القمعية، المخالف هو دائماً خارجٌ يتربّص بمناعة نظام الحكم. من هنا يمكن أن نفهم اعتبار الأسد أن خروج البعثيين المعارضين لأسلوب مواجهته للأزمة من الحزب هو "حالة صحية" وهي "عملية تنظيف ذاتي في بنية الحزب".

قبله، قال مفتي سوريا أحمد حسون إن جلّ المعارضة السورية "غُرر بها، وضُللت باتجاه حمل السلاح ضد جيش بلادها". برأي المفتي، أصاب هذه الفئة "الضلال" وذلك تحت تأثير "الضغط الإعلامي والسياسي الذي يشوه الحقيقة". طبيعي أن يرى حسّون الأمور على هذا الوجه طالما هو يعتبر أن دور المعارضة المقبولة ينحصر في إعطائها "دوراً فاعلاً لها في السلطة إلى جانب حزب البعث، لأن المعارضة هي المصححة لأخطاء السلطة".

الأنظمة الحديثة كأسلافها!

في العقد الأخير، شهدت المنطقة العربية تغيّرات كثيرة في أنظمة الحكم بدأت في العراق ثم تسارعت بعد بدء "الربيع العربي". لم تختلف نظرة أنظمة الحكم التي وُلدت كثيراً عن سابقاتها. على الأقل، هذا هو الحال مع "الموجة الثانية" من الحكام بعد التغيير.

في مصر، بعد إقصاء الإخوان المسلمين عن السلطة، وُلدت حملة منظمة تهدف إلى شيطنة الجماعة التي انقلب عليها الجيش. بدأت القوى السياسية الملتفّة حول المؤسسة العسكرية تنفي صفة المصري عن أعضاء الإخوان. جماعة الإخوان "ما هي إلا جماعة شريرة"، قالت الدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية في جبهة الإنقاذ. وهُم "قوى الظلام والإرهاب" كما قال رئيس مجلس الوزراء، حازم الببلاوي، تعليقاً على ردّة فعل الإخوان التي تلت فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.

كما في مصر، كذلك في جارتها العراق التي تغيّر نظام الحكم فيها بعد التدخل الأميركي عام 2003. رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لا يستطيع تخيّل سبب آخر للاعتراضات السنّية على سياسات حزبه غير كون معارضيه "طائفيين يرتبطون بأجندات خارجية بتحريض سعودي قطري".

جيران العرب الأقربون ليسوا أفضل منهم. النظام الإيراني خوّن معارضيه عام 2009. ومؤخراً، حين انكشفت فضيحة الفساد التي تورّط فيها مسؤولون رفيعو المستوى ينتمون إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم فيي تركيا، اعتبر رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان أنّ الكلام عن فساد ليس سوى "عملية منظمة من اللاعبين العالميين بأيدٍ محلية". "الطيّب" تحدّث عن "مؤامرة كبرى على تركيا الكبيرة".

حالة عامة

لا يستطيع المراقب تجاهل هذه التقاطعات في نظرة الأنظمة العربية إلى معارضيها. طبعاً، لكل دولة ظروفها الخاصة وتفاصيل دقيقة للحياة السياسية فيها. من هذه الخصوصيات يستقي أنصار النظام ما يعتبرونه "أدلّة" على ارتباط المعارضة بالخارج أو على كونها فئة متآمرة على الوطن. ولكن... هل هي صدفة أن يكون ذات الخطاب خطاباً عربياً عابراً للحدود وجامعاً للأنظمة؟ ليس الأمر كذلك بطبيعة الحال.

في عالم اليوم، تعيش الدول على أساس من الاعتماد المتبادل بين بعضها البعض. كل دولة لا تستطيع الحياة من دون شبكة من العلاقات التي تربطها بدول أخرى اقتصادياً وعسكرياً... ينتج عن هذا الواقع أن كل نظام حكم عليه أن يبني شبكات من "الصداقات" لكي يستطيع الحكم. العلاقة بين الداخل والخارج هي علاقة عضوية لا مفرّ منها. من هذا الواقع، وبسبب غياب الآليات الديمقراطية التي تؤمن تداولاً سلمياً للسلطة في الدول العربية، وبسبب عدم تواني الأنظمة العربية عن ممارسة القمع ضد المطالبين بالتغيير، ستجد كلّ معارضة جادة نفسها عاجزة عن الوصول إلى السلطة دون بناء شبكة صداقات موازية تكسر أسر النظام لحياة المواطنين. هل هذا خطأ؟ ربما. ولكن تتساوى الأنظمة مع معارضيها في سلوكها. هذا هو ديالكتيك السلطة والمعارضة في العالم العربي.

ما يميّز مجتمعات الدول العربية عن نظيرتها الغربية هو أنها تنظمت في دول دون ولادة فكرة قومية تربط بين المواطنين. في الدول العربية هناك السلطة ومؤسساتها وهناك المواطنون. تغيب فكرة القومية التي تجعل من المواطنين جماعة واحدة بغض النظر عن مواقفهم السياسية. فقدان هذه الفكرة التي توفّر اللحمة بين أفراد الشعب يسهّل عملية اعتبار المعارضين متآمرين خاصة وأن نشأة الدول العربية ترافقت مع سجال حاد قسّم المواطنين إلى وطنيين في مواجهة "خونة" و"عملاء للاستعمار".

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 21.03.2014

التعليقات

المقال التالي