هل تمثل المغرب نموذجاً في الإصلاح الديني للمنطقة؟

هل تمثل المغرب نموذجاً في الإصلاح الديني للمنطقة؟

البعض يصفها بالثورة الصامتة التي طبعت تعامل العاهل المغربي محمد السادس مع اشكاليات الحقل الديني في المغرب، في ظل فوضى الفتاوي التي عمّت البلاد، والتي تبدو بعيدة جداً عن "الخصوصية الدينية المغربية" المعروفة بالوسطية والاعتدال.

فجّرت في السنوات الماضية فتاوى رجال دين مغاربة محسوبين على التيار السلفي الوهابي جدلاً كبيراً في المغرب، كفتوى الشيخ عبدالرحمان المغراوي عام 2008 بجواز تزويج فتاة تبلغ التاسعة من العمر، التي ندد بها المجلس العلمي الأعلى حينذاك. خضع المغراوي لتحقيق في النيابة العامة، وأغلقت السلطات داراً له لتعليم وتحفيظ القرآن في مراكش وسط جنوب المغرب، بدعوى عدم خضوعها إلى قواعد تحفيظ القرآن في المدارس العتيقة التابعة للحكومة المغربية.

ولكن برغم استمرار فوضى إطلاق الفتاوى في المجتمع المغربي إلى حد تكفير عدد من الرموز الفكرية والثقافية والسياسية في البلاد، فقد تمسكت السلطات بزمام الأمور، وأصدرت بلاغات تنديدية و"تصحيحية" بحق المكفّرين، ولم تتوانٓ في إخضاعهم لاستجوابات وملاحقات قضائية.

بدأت الدولة المغربية حملتها لفرض سلطتها على المجال الديني بعد التفجيرات الانتحارية التي هزت الدار البيضاء في مايو 2003 وأشارت فيها السلطات بأصابع الإتهام إلى جماعات سلفية متشددة. وضع المغرب في العام 2004 خطة للإصلاح الديني شملت بعض المؤسسات الدينية كالمجلس العلمي الأعلى، وإحداث الهيئة العليا المكلفة بالإفتاء وتمت إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن طريق إحداث مديرية المساجد ومديرية التعليم العتيق. كما تأسست إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم. وبعد عام تم إطلاق قناة محمد السادس للقرآن الكريم. بسطت الدولة أيضاً هيمنتها على المساجد واهتمت بإغلاق تلك التي لا تلتزم بالسير على نهج مخططاتها والحصول على ترخيص مسبق وذلك "لتحصين الهوية المغربية من نوازع التطرف". ولتحقيق كل ذلك اعتمد المغرب على استراتيجية متعددة الأبعاد تستند إلى ثلاثة أركان "الركن المؤسساتي والتأطيري وركن التربية الإسلامية الأصيلة".

في العام 2008 أعلن العاهل المغربي عن خطة لتأهيل 45 ألف إمام تمثلت في تكوين يصل إلى حصتين شهريتين لمدة ثلاث ساعات ونصف الساعة. وتحتوي كل حصة على أربعة دروس تكوينية. وانتقل أيضاً عدد المجالس العلمية الجهوية من 18 إلى 69 مجلساً خلال أربع سنوات (من العام 2004 إلى العام 2008) والمقصود بذلك تقريب السياسة الدينية الرسمية من كل جهات المملكة وسد الباب أمام مبادرات العلماء الفردية.

ولعل تجربة المغرب في تكوين واعظات أو مرشدات دينيات تظل فريدة من نوعها، ويتمثل دورهن في أن يستمعن لأسئلة النساء في المجال الديني في كل المناطق والأوساط المغربية سواء الغنية منها أو الفقيرة، بهدف تقريبهم من "الدين الرسمي" وحمايتهن من التيارات الدينية المتطرفة التي تجد فيهن مرتعها الخصب للاستقطاب والتبعية.

لا تزال الدولة المغربية تجتهد في مجال حماية الحقل الديني من التطرف، فقد أصدرت في يونيو الماضي مرسوماً ملكياً يقضي بمنع الأئمة من ممارسة السياسة. وقال أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في ندوة صحافية "من غير المنطقي أن يكون الأئمة في خلاف سياسي مع المأمومين". وأضاف "لا نخاف على الدين من السياسسة لأنه مستمر، ولكن نخاف على السياسة من الدين لأنها بذلك تفسد ولا نريد لسياستنا أن تفسد".

نجاح الدولة المغربية في إخضاع الحقل الديني داخل المغرب لمراقبتها وابقائه ضمن إطار ما يسمى بالإسلام المعتدل، فتح شهية دول أخرى في المنطقة لنقل التجربة المغربية إليها لمحاربة نزعات التطرف التي تتجاذب المنطقة خاصة في دول الساحل والصحراء. وهكذا وافق المغرب في هذا العام على تكوين أئمة كل من مالي وتونس وليبيا وغينيا كوناكري للاستفادة من "التجربة المغربية في مجال تدبير الشأن الديني". غير أن منتصر حمادة المحلل السياسي والباحث المغربي في شؤون الجماعات الإسلامية يرى أنه من "الصعب الحديث عن نجاح أو فشل تجربة إصلاح أو إعادة هيكلة الحقل الديني بإطلاق". ويضيف لرصيف22 "ولكن إذا عقدنا مقارنة بين الجوانب الإيجابية والسلبية في المشروع فسوف نعاين غلبة للجوانب الإيجابية. ومن هنا هذا الإقبال الواضح لدول عربية وإفريقية على الاستفادة من التجربة المغربية في تدبير الشأن الديني".

لا يختلف معه  منار السليمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط في أن "اصلاح الحقل الديني في المغرب من الإصلاحات الإستراتيجية في مرحلة حكم الملك محمد السادس". ويقول: "بعد العام 2009 بدأت تظهر إكراهات جديدة في المنطقة وصراعات جيو-دينية أثرت على المنطقة المغاربية كلها. شكّلت التقارير الدولية بأن المغرب ينتج مقاتلين يتوجهون إلى كل من سوريا والعراق للقتال مع داعش مفاجأة". وتقول تقارير رسمية إنه يوجد أكثر من ألف مقاتل مغربي في سوريا والعراق يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

وإذا كان المغرب من 2004 إلى 2009 قد نجح في إخضاع الحقل الديني لمراقبته بتخصيص الموارد البشرية اللازمة من كفاءات وبناء مساجد ومدارس للتعليم العتيق وغيرها، فإن التحدي اليوم بالنسبة للسليمي هو "عدم وجود علماء بامكانهم مواكبة التحولات في السياسة الخارجية وبالتالي لعب أدوار اقليمية". ويرى السليمي أن المرحلة القادمة تتطلب "تكوين علماء ليلعبوا دوراً دينياً اقليمياً مع تزايد خطر التطرف في المنطقة".

تراهن الدولة على ارتباطات روحية دينية مغربية بعدد من دول الساحل وغرب أفريقيا سواء من خلال الطرق الصوفية المغربية التي لها أتباع في هذه الدول كالطريقة التيجانية والقادرية. ولا يزال عدد من الأفارقة يقصدون فاس العاصمة العلمية للمغرب لدراسة علوم الدين كما يعتمدون المراجع الدينية المغربية.

التعليقات

المقال التالي