الديكتاتور الديمقراطي

الديكتاتور الديمقراطي

الانتخابات لا تكفي لتأسيس الديمقراطيات. فإن كانت وسيلة ضرورية للتداول السلمي للسلطة إلا أنها، في أحيان كثيرة، تشكّل وسيلة للخداع ولـ"تطويب" الرئيس المنتخب ديكتاتوراً. سوريا، مصر، تركيا، وبرغم الفروق الكثيرة بين التجارب الثلاث، هي نماذج تستحق الدراسة.

في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها هذه البلدان الثلاث في السنة الجارية، حصل تطور نوعي في نظام الانتخابات. جرت في سوريا أول انتخابات تعددية منذ 50 سنة. في مصر، تمّت أول عملية تسلّم وتسليم بين رئيسين. أما في تركيا، فقد انتخب الأتراك رئيسهم لأول مرّة بالاقتراع المباشر. في الشكل، يمكن أن نقرأ هذه التغيّرات على أنها قفزات نوعية باتجاه المزيد من الديمقراطية ولكن، في المضمون، لم تكن سوى وسيلة حديثة تساعد على بناء منظومات ديكتاتورية.

اعلان


سوريا: أول انتخابات تعددية منذ 50 سنة

في الانتخابات الرئاسية السورية، حصد المرشح بشار الأسد 88.7% من أصوات المقترعين وتوزّعت النسبة الباقية على منافسَيْه حسّان النوري ومحمد حجّار وعلى الأوراق الملغاة. تم الإعلان رسمياً أن "عدد الأصوات التي حصل عليها بشار حافظ الأسد، 10 ملايين و319 ألفاً و723 صوتاً"، وأن عدد المقترعين بلغ "11 مليوناً و634 ألفاً و412 شخصاً من أصل 15 مليوناً و840 الفاً و575 ناخباً داخل سوريا وخارجها"، أي أن نسبة المشاركة بلغت73.42%.

بحسب الأرقام الرسمية، نرى أن الديمقراطية السورية تفوّقت على أعظم الديمقراطيات الحديثة من حيث نسبة المشاركة. وإذا ما أضفنا إلى الأرقام فكرة أن هذه الانتخابات هي أول انتخابات رئاسية تعددية تجري في سوريا منذ العام 1963، فسنجد أنفسنا أمام ما يمكن تسميته بـ"الإعجاز السوري".

ولكنّ الكلام الرسمي شيء والحقائق شيء آخر مختلف تماماً. ففي البداية، جرت الانتخابات وفق قانون يستبعد الأكثرية الساحقة من المعارضين السوريين كما أنها جرت في وقت كانت المعارضة تطالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على الخروج بسوريا من أزمتها. أتت الانتخابات لتعاكس فكرة الانتخابات من أساسها. فإن كان الهدف الأساسي للانتخابات في الديمقراطيات هو التداول السلمي للسلطة، فإن الانتخابات السورية كان الهدف منها إقفال الباب أمام مثل هذا التداول.

أما الأرقام التي أعلنتها الجهات الرسمية فهي كارثة حقيقية. أكثر من نصف الأراضي السورية كان خارجاً عن سيطرة النظام وأكثر من أربعة ملايين لاجئ كانوا موزعين على دول الجوار السوري وأماكن أخرى في العالم ومعظمهم لم يشارك في الانتخابات. ولكن بحسب الأرقام الرسمية فإن عدد الذين لم يشاركوا في الانتخابات هو أربعة ملايين و206 آلاف و163 ناخباً. من ناحية ثانية، لم تجرِ الانتخابات في الأراضي الواقعة تحت سيطرة النظام في ظروف تمنح المواطنين حريّة التعبير عن آرائهم، فعنوان المشاركة كان الخوف من انتقام النظام.

هكذا نرى كيف أن الانتخابات السورية أدّت إلى إكمال حقبة الديكتاتورية السورية وألبست الرئيس السوري رداء الرئيس المنتخب من أغلبية الشعب. وقد استغلّ إعلام النظام هذا الالتباس للترويج لفكرة الرئيس المحبوب من الشعب والذي تعمل حفنة من الأغراب على إسقاطه.

مصر: أول تبادل للسلطة بين الرؤساء

على عكس الانتخابات السورية التي تم التلاعب بنتائجها، فإن الأرقام التي تعبّر عن مسار الانتخابات المصرية كانت ذات مصداقية إلى حد بعيد. بلغت نسبة المشاركة 47.45% وحصد المرشح عبد الفتاح السيسي 96.1% من أصوات المقترعين.

في أول خطاب رئاسي ألقاه بعد فوزه، تفاخر السيسي بأنه "على مدار تاريخه الممتد إلى آلاف السنين، لم يشهد وطننا تسليماً ديموقراطياً سلمياً للسلطة، فللمرة الأولى يصافح الرئيس المنتخب الرئيس المنتهية ولايته، ويوقّعان معاً وثيقة تسليم السلطة في البلاد، في مناسبة غير مسبوقة وتقليد غير معهود يوثق بداية حقبة تاريخية جديدة من مصير أمتنا".

ولكن الانتخابات الرسمية شابتها شوائب كثيرة. في البداية، أثار قرار هيئة الإشراف على الانتخابات بتمديد الانتخابات يوماً إضافياً الكثير من الانتقادات وكان الهدف الواضح منه زيادة عدد المقترعين لرفع نسبة المشاركة كي لا يشعر المصريون بأن الفوز "العظيم" الذي حققه السيسي ما هو إلا فوز هزيل.

القرار المذكور ليس سوى رأس جبل جليد الانتخابات المصرية. ما يعيب هذه الانتخابات كان في الأساس الظروف السياسية التي أحاطت بها. مُنع المنتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين من الترشح إلى الانتخابات. بعد فترة انتقالية أعقبت عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، كان من الممكن أن تجري انتخابات رئاسية تشارك فيها كل القوى السياسية ليقرّر الشعب المصري بحرية مصير ثورته. ولكن مرّة جديدة استخدمت آلية الانتخابات بعكس الهدف المرجو منها. عوضاً عن أن تكون مناسبة لتداول السلطة سلميّاً ولاختيار الشعب حكامه، كان الهدف منها تكريس مسار إقصاء الإخوان المسلمين عن السلطة، وعوضاً عن الاستقرار، أنتجت الانتخابات انقساماً عمودياً في المجتمع.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك حملات الإعلام الرسمي التي عملت بدأب على شيطنة الإخوان المسلمين والحلول الأمنية لتظاهرات المعارضين (كما فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة) وقرار منع المصريين من التظاهر قبل الحصول على ترخيص مسبق واعتقال المئات من المتظاهرين المنتمين إلى كل التيارات السياسية، إذا ما أضفنا كل ذلك إلى شكل الانتخابات نفسها نتأكد أن الانتخابات المصرية ساهمت في ولادة ديكتاتور جديد يرتدي لباس البطل المنتخب شعبياً.

تركيا: أول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر

ما حصل في تركيا يختلف عمّا حصل في سوريا وفي مصر. في الانتخابات الرئاسية، شاركت كل القوى السياسية الأساسية وحصل المرشح رجب طيّب أردوغان على نسبة 51.7% من أصوات المقترعين. وكان للانتخابات طابعٌ مميزٌ كونها المرّة الأولى التي ينتخب فيها الشعب رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر بعد أن كان يتم انتخابه في البرلمان وكون أردوغان يطرح مشروعاً لتغيير الدستور يهدف إلى تحويل البلاد إلى نظام رئاسي.

في الحقيقة تستوفي الانتخابات التركية معظم معايير الانتخابات الديمقراطية. لا يعيب هذه الانتخابات سوى تحوّلها، بفعل طبيعة الصراع السياسي في تركيا، إلى صراع بين مجموعات قومية ودينية يؤدي إلى تغلّب أكثرية ذات طبيعة قومية ـ دينية على مجموعات تختلف معها في القومية أو في الدين. في حالات كهذه، تتحوّل الانتخابات إلى وسيلة تغلّب وفق مفهوم مختلف تماماً عن التغلّب ذي الطابع السياسي الذي نراه في الديمقراطيات الحديثة. تقنياً، لا حلول انتخابية لهذه المعضلة والحلول هي اجتماعية. لذلك فإن الانتخابات التركية هي انتخابات ديمقراطية ولكنها ذات سمة تغلّبية لاديمقراطية، وتالياً فمشكلتها مرتبطة بحدود الدمقرطة التي توفّرها الآليات المعروفة للديمقراطية.

المرشح الفائز رجب طيّب أردوغان، زعيم حزب "العدالة والتنمية"، يكوّن شعبيته، بشكل أساسي، في البيئات التركية السنّية وخاصة الريفية منها، وذلك في مواجهة البيئات التركية العلوية والبيئات الكردية والأرمنية. طبيعة طروحات حزبه تؤدي إلى بناء قاعدة شعبية على أسس قومية ودينية بناءً يحوّل الانتخابات إلى نوع من إحصاء لحجم المجموعات الاجتماعية. تشهد على ذلك جغرافياً المناطق المؤيدة لحزب العدالة والتنمية.

يتعمّد أردوغان، في مناسبات كثيرة، ذكر الانتماء الديني لمنافسه الرئيسي، زعيم "حزب الشعب الجمهوري" كيليتشدار اوغلو، وهو علوي، لإبعاد السنّة عن تأييده. قبل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، قال أردوغان في مهرجان شعبي: "أنت يا كيليتشدار أوغلو يمكن أن تكون علوياً. وأنا احترم ذلك. ويمكن أن تقول ذلك علناً وبصراحة. وأنا بدوري سني. وأقول ذلك علناً وبصراحة. فلا تتردد في قول ذلك، ولا تخف ولا تخدع الأمّة".

وفي خطبه التي تتناول منافسه في الانتخابات، رئيس "حزب اتحاد الشعوب الديمقراطية" الكردي صلاح الدين ديميرطاش، حاول أردوغان إحداث انقسام بين الأكراد أنفسهم حين قال إن ديميرطاش "ينتمي إلى فئة الزازا من الأكراد، لكنه يخدع الأكراد". في تركيا، تعمل السلطة على فصل الأكراد الزازا، وهم قوم لديهم لهجة خاصة ويبلغ عددهم حوالي أربعة ملايين، عن باقي الأكراد وتفرض عليهم قيوداً إضافية كمنعهم من التعليم باللغة الكردية في مناطقهم. عام 2011، اعتذر أردوغان عن مجزرة "ديرزيم" التي راح الآلاف من العلويين والزازيين ضحيتها، عامي 1937 و1938. ولكن ما نفع الاعتذار عن أحداث ماضية إن كان التمييز ضدهم لا يزال مستمراً؟

هكذا نرى نماذج مختلفة من استخدامات آلية الانتخابات لا تعزّز الديمقراطية بل تعزّز إما الديكتاتورية أو الانقسامات الاجتماعية الحادة. هي مناسبة للتأكيد أن الديمقراطية هي أيضاً قيودٌ على النظام الأمني ونظامٌ قضائي لا يميّز بين المواطنين واحترام للتنوّع الثقافي. هي ثقافة بكل ما للكلمة من معنى، وهي منظومة متكاملة ومترابطة يعزّز بعضها بعضاً ولا يمكن أن تختصر بصندوق الاقتراع.

التعليقات

المقال التالي