"ديمقراطية داعش" استمرار لحلول الغرب السحرية

"ديمقراطية داعش" استمرار لحلول الغرب السحرية

التفاوض مع تنظيم داعش والتعاطي معه بواقعية على أنه تنظيم يطمح إلى بناء "الدولة الإثنية" كبديل عن الدول المصطنعة الحدود التي شكّلها الغرب في المنطقة، هو الحل السحري الذي يريده لنا آليسّاندرو دي باتيستا Alessandro Di Battista، النائب الإيطالي الشاب في "حركة خمسة نجوم". كلامه هذا جاء في مقالة مطوّلة نشرت على مدوّنة "بيبي غريللو" Beppe Grillo (زعيم الحركة) تحت عنوان "الدولة الاسلامية في العراق والشام، ما العمل؟".

يُسجّل للنائب الشاب، الذي يحمل شهادة ماجستير في "الحماية الدولية لحقوق الإنسان" محاولته البحث عن أسباب نشوء الإرهاب الذي نشهده حالياً، وردّها بدايةً، إلى أوائل القرن حين تقاسمت فرنسا وبريطانيا النفوذ في المنطقة ورسمتا حدوداً مصطنعة للدول دون مراعاة النسيجين الإثني والديني اللذين يميزانها، وتالياً، إلى الانقلابات العسكرية التي شهدتها الخمسينيّات والستينيّات برعاية ومشاركة "وكالة الاستخبارات الأمريكية" (سي أي أي) في معظمها. إلى ذلك، يرى أن ثمة أسباب أخرى هيأت بيئة خصبة لنمو الإرهاب أبرزها بحسب دي باتيستا: عدم التوازن في توزيع الثروة والفقر وانتفاء العدالة الاجتماعية في المنطقة.

اعلان


هذا ولم يخلُ مقال النائب الشاب من التلميح إلى "مؤامرة الحادي عشر من أيلول" التي أعطت الولايات المتحدة الأمريكية على أثرها، الضوء الأخضر لاحتلال أفغانستان وغزو العراق الذي دخل في "حرب أهلية فاق عدد ضحاياها عدد ضحايا "داعش". وردّ عضو "حركة خمسة نجوم" أسباب الفوران الدموي والوحشي الحالي لدى تنظيم داعش إلى الحروب التي فجّرتها الدول الغربية في المنطقة، كما وضع علامات استفاهم كثيرة حول المشروع الأمريكي في المنطقة، وخلُص إلى ضرورة التشكيك في قيادة أمريكا للعالم، لأنّ سياسة الأخيرة لم تجلب سوى "الموت والفقر وعدم الاستقرار" في المنطقة، حتى أنّ "الحرب على الإرهاب" التي خاضتها أدّت الى مضاعفته لا القضاء عليه.

تُسجّل لدى باتيستا محاولته البحث في الأسباب التي أوصلت المنطقة إلى واقعها المزري الراهن. وقد أصاب في انتقاده الدول الغربية التي كانت تبحث فقط عن مصالحها في الحصول على ثروات المنطقة، لكن كلامه لم يخلُ من روح المؤامرة، إذ تجاهل العوامل الداخلية للأنظمة دكتاتوريات القمعية التي قهرت شعوبها زهاء أربعين عاماً. وذهب أبعد من ذلك، محاولاُ تلميع صورة صدّام حسين مبرّئاً ساحته من الكوارث التي ألمّت بالعراق، منصّباً إياه رمزاً للعلمانية، حاول تحديث العراق على الطريقة الغربية.

وضع دي باتيستا إصبعه على الجرح في ما خصّ الإرهاب واستفحاله، لا سيّما أنه من دعاة الشعار الذي رفع في التظاهرات الرافضة لتدخل إيطاليا في الحرب على العراق العام 2003 "اذا قتلتم إرهابياً ينبت مئة غيره". غير أنّ النائب الشاب وصل في نهاية تحليله إلى خلاصات كارثية: وجوب التعاطي مع تنظيم داعش بواقعية لأنه يُعيد صياغة الدولة على أساس إثْني كردّ على الغرب في ما خص تقسيمه السابق لدول المنطقة. وعليه، يفترض بالغرب أخذ العلم والجلوس مع القوى الفاعلة على الأرض من أجل وضع "حلولٍ جريئة". اذاً، بحسب دي باتيستا، تحتاج المنطقة إلى حل جريء تنشأ بموجبه دولة خاصة بتنظيم داعش لأنّ محاربة الإرهاب ستؤدي إلى تكاثره. من هذا المنطلق دعا النائب في مقالته إلى "التوقّف عن النظر إلى الإرهابي كفاعل غير إنساني لا يسعنا الجلوس إلى طاولة حوار معه... أصبح الإرهاب للأسف السلاح العنفي الوحيد المتبقي في يد الثائرين". وذهب النائب الشاب إلى حد المبالغة بتبرير الإرهاب قائلاً إنه في ما لو قصفت الطائرات من دون طيار فلن يتردد لحظة بوضع الحزام الناسف وتفجير نفسه في حافلات القطار.

أثارت مقالة النائب آليسّاندرو دي باتيستا الكثير من الانتقادات وردود الفعل في إيطاليا، أبرزها لنائب رئيس الحزب الديمقراطي (يسار وسط) ديبورا سيرّاكياني Debora Serracchiani (حاكمة إقليم الفريولي المستقل) التي اعتبرت كلامه "خطيراً ومقلقاً". وقد تلقّت مقالته نقداً لاذعاً من اليمين الوسط أيضاً إذ عبّرت زعيمة كتلة "اليمين الوسط الجديد"، نونسيا دا جيرولامو Nunzia De Girolamo عن امتعاضها بالقول: "الجهل مؤلم حقاً". ولم يخلُ الأمر من بعض الأصوات التي دعته إلى تقديم استقالته من البرلمان.

أسقط دي باتيستا في مقالته ما يقوم به تنظيم داعش من مذابح بحق الأقليات الدينية في العراق وتناسى ارتكابات هذا التنظيم بحق الإيزيديّين ووضع المسيحيين ما بين مطرقة الجزية وسندان الدخول في الإسلام. كما تجاهل قيام داعش بالإلغاء الجسدي والمعنوي (تحطيم القبور والتماثيل) لكل من يخالف مبادئه. لكن، بمعزل عن المناكفات السياسية الإيطالية وآراء دي باتيستا الذي يريد من خلالها إيجاد دور متمايز لحركته السياسية، يهمّ القارئ العربي معرفة نظرة الآخر إلى المنطقة على أنها حقل تجارب واختبارات دائمة. فإذا سبق أن أراد جورج بوش "تصدير الديمقراطية" كحل سحري بديل من الديكتاتوريات، ها هو دي باتيستا يقترح التفاوض مع تنظيم داعش ومنحه "دولة إثنية" تُصلح ما أفسده الغرب سابقاً. حلول سحرية تجعلنا نعتقد أننا في حضرة ساحر يُخرج من تحت إبطه حمامة عوضاً عن أرنب، وستنفرج أسارير الجمهور بكل الأحوال. لا تحتاج دُولنا إلى السحر ولا إلى مزيد من السحرة.

التعليقات

المقال التالي