غزة، لا جدوى للحرب

غزة، لا جدوى للحرب

في الحرب على غزّة، أطلقت إسرائيل أربعة ملايين و800 ألف رصاصة و43 ألف قذيفة مدفعية و39 ألف قذيفة دبابة. بالمجمل، ألقي على القطاع الصغير 5 آلاف طن من المتفجرات. هذا ما كشف عنه ضابط رفيع المستوى في شعبة الإمداد والتكنولوجيا في الجيش الإسرائيلي. ولكن، رغم الدمار الهائل وآلاف القتلى والجرحى، اضطرّ الجميع للعودة إلى مفاوضات كان يمكن اللجوء إليها بلا حرب.

يترافق كل اعتداء على غزّة مع حديث لسياسيين واستراتيجيين إسرائيليين عن "كيّ الوعي". في رأيهم، توجيه ضربات شديدة إلى القطاع وتكبيد فصائله المسلّحة ومدنييه خسائر فادحة في الممتلكات والأرواح سيدفع الغزاويين إلى التفكير كثيراً قبل أن يقوموا بشن هجمات مستقبلية على إسرائيل. ما يحول دون تطبيق هذه النظرية هو الصعوبات الجمّة التي يعاني منها هؤلاء. نظرية "كيّ الوعي" لا يمكن أن تنجح إن لم تتوفر مقوّمات الحدّ الأدنى لحياة كريمة. ففي ظلّ حصار يمنع السكان من التواصل مع العالم الخارجي، وفي ظلّ ظروف اقتصادية فائقة الصعوبة وبطالة تصل نسبتها إلى 80%، لا يعود هناك حدّ فاصل واضح بين الحياة والموت وتصير الحروب، وما ينتج عنها من موت، احتمالاً جذّاباً لتحسين شروط الحياة.

اعلان


عودة إلى ما قبل الحرب

في الحرب الأخيرة، تميّز الخطاب الرسمي الإسرائيلي بعدم الحديث عن نيّة لتحقيق إنجازات ضخمة وواضحة. كان عملياً وواقعياً بشكل غير مسبوق. اكتفى المسؤولون بالقول إن الجيش الإسرائيلي سيدمر معظم الأنفاق وسيقضي على جزء كبير من قدرات حماس الصاروخية. بعد تجارب حرب تموز 2006 وتجارب الحروب السابقة على غزّة صار القادة الإسرائيليون يخشون من تحديد أهداف واضحة لكي لا يُحاسبوا على عدم إنجازها. شيئاً فشيئاً، وحرباً بعد حرب، يتخلّى الإسرائيليون عن تعجرفهم وعن وهم قوّتهم التي لا تقهر. في السابق، وبعد كل حرب خاضوها وفشلوا في تحقيق الأهداف المرسومة لها، كانت تخرج أصوات عالية تتحدث عن خطأ في الخطّة العسكرية. كان الهدفُ التستر على حقيقة أن الحرب لا يمكن أن تحقق كل شيء. الآن يبدو أن الإسرائيليين اقتربوا أكثر من الواقع وصاروا يدركون أن الحلول الجدية لا تأتي إلا عبر التفاوض.

في حرب غزّة، لم يتمكّن الجيش الإسرائيلي من لعب دور الشرطي القادر على تأديب المعارضين. تأكد له أن سلوك طريق الحرب سيكبّده خسائر كبيرة وسيضرّ في الدعاية التي صنعها عن نفسه والتي تقول إنه قادر على تنفيذ أي شيء. نجحت حركة حماس في إيصال صواريخها إلى جميع أرجاء إسرائيل وأكّدت، مرّة جديدة، أن الجيش الإسرائيلي لم يعد قادراً على التحرّك برّاً كما كان الحال في الماضي. اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى سحب جيشها من أطراف غزّة بقرار أحادي وبدون أي اتفاق. جديد حرب غزّة الأخيرة كان خرق الفصائل المسلحة لقرارات الهدنة كتأكيد على قدرتها على الاستمرار في القتال وقتاً أطول.

في النهاية اضطرّت إسرائيل للعودة إلى نقاشات ما قبل الحرب، أي إلى نقاش الحصار الذي كانت قد فرضته على قطاع غزّة، وهو ما يؤكد أن حربها لم تحقق أيّ نتيجة وساهمت فقط في إعادة إطلاق مسار مفاوضات كانت إسرائيل نفسها قد أوقفته. ما يتم تداوله حالياً في مصر يؤكد أن إسرائيل وافقت على إعادة فتح معبر كرم سالم المخصص لحركة نقل البضائع ومعبر إيريز المخصص لحركة الناس على أن تنتشر عناصر من قوة "دايتون" التابعة للسلطة الفلسطينية على طول محور فيلادلفي. عادت إسرائيل إذاً إلى قبول التنسيق الثلاثي بينها وبين حركتي فتح وحماس رغم أنها أقفلت باب المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بحجة ولادة حكومة وحدة وطنية تضم حركة إرهابية. كذلك وافقت إسرائيل على فتح باب التبادل التجاري بين غزّة والضفة الغربية بعد فحص البضائع أمنياً بواسطة جهاز كشف هولندي عن السلع ووافقت على توسيع المدى البحري المسموح صيد السمك في نطاقه وعلى إدخال مواد بناء ومواد طبية ومدّ غزّة بالكهرباء والماء. وفي مرحلة ثانية، أبدت إسرائيل موافقتها على نقاش قضايا أهم كبناء ميناء ومطار في غزة ما يعيد ربط القطاع المحاصر بالعالم. أكثر من ذلك، جرى الحديث عن موافقة إسرائيل على نقل أموال لموظفي حكومة حماس عبر طرف ثالث وهو ما دفع وزير الاقتصاد الإسرائيلي، زعيم "البيت اليهودي" نفتالي بينت Naftali Bennett، إلى اعتبار ذلك "شراء للهدوء مقابل المال للإرهاب".

حرب غزّة أعادت تذكير إسرائيل بأن الأمن الحقيقي لا يأتي إلا من خلال مسار التفاوض مع الأعداء. أبعد من غزّة، تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان Avigdor Lieberman عن أن "مبادرة السلام العربية" لعام 2002، "قابلة للتطبيق اليوم أكثر من أي وقت مضى". ليبرمان بنى حديثه على أساس تقارب استجدّ بين دولته وبين دول عربية. ولكنه في الوقت نفسه يدلّ على تفكير إسرائيلي مستجدّ ينطلق من قناعة أن الحرب غير قادرة على الاستجابة لجميع التحديات. مؤخّراً اعتبر زعيم حزب "العمل" اسحق هرتسوغ Isaac Herzog أن "خريطة المعركة ليست مدافع وصواريخ فقط. إنها أكثر تعقيداً من ذلك بكثير". هذا درس كان قد علّمه الواقع لحزب العمل ولكن اليمينيين أرادوا خوض تجارب خاصة ها هي تنتهي، بعد حروب، إلى النتيجة نفسها.

إسرائيل ليست استثناء

لطالما تصرّفت إسرائيل انطلاقاً من قاعدة أنها طفل مدلّل وأن ما يطبّق على الآخرين لا يطبّق عليها بالضرورة. تغلّف إسرائيل رفضها لحقوق الآخرين المشروعة بحجة الدفاع عن وجودها وبحجة ضرورات حماية أمن مواطنيها. ولكن تعنّتها بات يولّد امتعاضاً دولياً منها. قبل أيام قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما: "ينبغي الإقرار بواقع أن غزة لا يمكنها البقاء معزولة عن العالم بشكل دائم، فهذا وضع لا يسمح بمنح الناس الذين يعيشون هناك فرصاً، وعملاً وازدهاراً اقتصادياً" وحذّر من أن انعدام فرص السلام قد "يدفع السكان في الضفة الغربية إلى فقدان الثقة والأمل بإمكانية التقدم، ولذلك ينبغي لنا إعادة بناء الثقة لديهم أيضاً". ببساطة، تحدّث أوباما عن ظروف تولّد الحرب واعتبر أن أي دفاع عن النفس يجب أن لا يستولد ظروفاً كالظروف التي تعيشها غزّة لأن هذا يدخل الجميع في دوّامة لا خروج منها. المنطق نفسه تضمّنه كلام جيمس رولي، أكبر مسؤول إنساني لدى الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، حين حذّر من أنه بدون رفع الحصار يرجّح أن تحصل جولة ثانية من القتال معتبراً أنه "يجب رفع الحصار ليس فقط من أجل ادخال مواد إلى غزة أو من أجل إعادة الإعمار وإنما لافساح المجال أمام غزة لكي تقوم بما كانت تقوم به قبل عشر سنوات: التجارة مع العالم الخارجي".

الخطوة الأهم هي تشكيل مجلس حقوق الإنسان للجنة تحقيق دولية، برئاسة القانوني الكندي ويليام شاباس William Schabas، للتحقيق في انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة. رداً على تهجم إسرائيل على اللجنة وحديثها عن تحيّز رئيسها ضد إسرائيل قال شاباس: "أنا أعتقد أن المنتقدين لن يكونوا سعداء عن أي شخص تختاره الأمم المتحدة. هم، حقيقةً، غير راضين عن اللجنة، يرغبون في أن تختفي، هم في الحقيقة لا يحبون مجلس حقوق الانسان بشكل عام". كلام القانوني الكندي يُعيد التذكير بابتعاد إسرائيل التدريجي عن المعايير الدولية، وخاصة عن معايير حقوق الإنسان ويضع الدولة العبرية في موقف حرج.

عودة حماس إلى مسار منظمة التحرير

ليست إسرائيل وحدها مَن بدأ يفهم أن الحرب ليست الوسيلة المثالية لحلّ المشاكل. هناك وجه آخر للصورة تمثله حركة حماس. حين اشتبكت مع حركة فتح، عام 2007، وطردت قياداتها من غزّة، كانت تهاجم مسار التفاوض الذي تسلكه منظمة التحرير الفلسطينية. بعد حروب عدّة بدأت حماس تميل إلى المنطق الذي سبقتها إليه حركة فتح.

ففي العام 2005، أقرّ مجلس الوزراء الإسرائيلي "خطة الإنفصال" التي وضعها رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أرييل شارون والتي أفضت إلى انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وإزالة جميع المستوطنات الإسرائيلية المشيّدة داخله. تبنّي حماس خيار المقاومة ورفضها الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات المعقودة معها عرّضا قطاغ غزّة لهجمات إسرائيلية عدّة ودفعا إسرائيل إلى فرض حصار ظالم عليه وعلى سكّانه. صارت ظروف الحياة في غزّة كارثية.

عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تدير ملف المفاوضات، نجحت، في اتفاقية القاهرة لعام 1994 الملحقة باتفاق أوسلو للسلام، في أن تنتزع من إسرائيل موافقتها على إقامة مطار دولي في غزة. أنشئ المطار وافتتح في نوفمبر 1998، بعد توقيع مذكرة "واي ريفر" Wye River ولكن إسرائيل أوقفت نشاطاته في أكتوبر 2000 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ثم دمرته في سبتمبر 2001.

كذلك، نص اتفاق شرم الشيخ على موافقة إسرائيل على بناء ميناء في غزة، في أكتوبر 1999، على أن يخضع تشغيله لترتيبات أمنية تستجيب لمخاوفها الأمنية. ولكن الانتفاضة الثانية أوقفت الخطة. وفي العام 2005، اُتفق مجدداً على بناء الميناء ولكن التطورات اللاحقة أوقفت الحديث عن المشروع.

ثلاث حروب كبيرة عاشتها غزّة منذ العام 2005 لتعود حركة حماس وتسوّق للمسار الذي كانت قد انتهجته غريمتها حركة فتح كإنجاز. كان على الغزاويين أن يعانوا لكي تتعرّف حماس على شروط اللعبة. في العلاقة مع إسرائيل، ها هي حركة حماس تتحوّل إلى نسخة جديدة من حركة فتح ومن منظمة التحرير الفلسطينية. ذهب خطاب رفض التفاوض مع إسرائيل المغتصبة أدراج الرياح.

لنعد إلى الصورة المركّبة. لا شك في أن القوة العسكرية التي بنتها حركة حماس ساعدت في كسر التعنّت الإسرائيلي وأعادت إسرائيل إلى أرض الواقع. وفي المقابل، لا شك في أن حركة حماس لانت بفعل الحروب التي شنّتها إسرائيل على غزّة. فهل تقتنع كل الأطراف بأن الحرب لا تنجح إلّا في تأجيل استحقاق السلام الدائم والعادل فتنخرط في مسار تفاوضي يحقق مصالح الجميع؟

التعليقات

المقال التالي