الشيعية السياسية، من ماضي المآسي إلى حاضر القوة

الشيعية السياسية، من ماضي المآسي إلى حاضر القوة

بعض الكلام الشعبي، وكثير منه يصدر عن قادة رأي لهم تأثير واسع، يربط بين الشيعة وإيران، على كل المستويات، عند كل حديث عن هذه الطائفة الإسلامية. هو تعميم خاطئ، الهدف منه القفز فوق نقص فهم خارطة الشيعة الدينية السياسية الاجتماعية المعقدة.

في ذروة الثورة الإيرانية، أواخر 1978، أرسل آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي، أستاذ المرجع النجفي الكبير السيد محمد علي السيستاني، إلى الشاه، خاتماً من العقيق مرفقاً بدعاء خاص. أراد بهذه الحركة التعبير عن استهجانه لفكرة ولاية الفقيه كما طرحها الإمام روح الله الخميني. كان الخميني أول فقيه شيعي يستخدم مصطلح "الحكومة الإسلامية". أتت أفكاره مناقضة للفقه الشيعي الذي لطالما حصر دور رجال الدين بتسيير بعض شؤون أبناء المذهب الشيعي ولم يكن يسمح لنفوذهم بتعدّي القضاء وحجية الفتوى. في الفقه الشيعي التقليدي، لا يمكن إقامة الدولة العادلة إلا بعد ظهور الإمام المهدي. ذهب الخميني بعيداً وقال بـ"ولاية الفقيه المطلقة" وهي تعني امتداد ولاية الفقهاء إلى كل الجوانب السياسية التي تسري عليها ولاية النبي والإمام المعصوم، واعتبر أن اتّباع الناس للولي الفقيه هو واجب عليهم.

اعلان


حين صعود الخميني، كان الإمام الخوئي هو مَن ينطق بالموقف التاريخي للشيعة فيما خص العمل السياسي. اعتبر أنه "لا تثبت الولاية للفقهاء في عصر الغيبة بأي دليل، وإن الولاية تختص بالنبي والأئمة". إلى الآن، ينعكس هذا الخلاف الفقهي على خارطة القوى السياسية الشيعية. لا يعني هذا أن الفقه هو العامل الوحيد الذي يحدد ممارسة الشيعة السياسية. واقع الأمر أن هناك دائماً تداخل بين ثلاثة عوامل: الوطني، الإجتماعي والفقهي.

إيران وزعامة العالم الإسلامي

مع انتصار الثورة الايرانية، عام 1979، نجح آيات الله الإيرانيون في إنشاء أول حكومة شيعيّة في التاريخ. قامت أول دولة مبنية على العقائد الدينية الشيعية، وبالتحديد على أحد الاجتهادات حول علاقة الدين بالسياسة. مع مفهوم ولاية الفقيه المطلقة، اقترب الشيعة من الفقه السنّي ومفهوم الخليفة الذي يجب أن يقيم العدل في ديار الإسلام. إعلامياً، لم تطرح الثورة الإيرانية نفسها كثورة شيعيّة بل كثورة إسلاميّة طموحة. من واقعة كونهم نجحوا في تأسيس أول دولة إسلامية حديثة يعتلي سدّة الحكم فيها رجال دين يرفعون لواء الشريعة، اندفع الإيرانيون وراء هدف تزعّم العالم الإسلامي. بدأ بذلك النزاع الإيراني السعودي. كان الخميني يسخر من السعودية التي تتخذ لنفسها إسم أسرة، وطالب بإشراف مشترك على مكّة والمدينة المنوّرة. طموحات الخميني لم تعجب سنّة العالم الإسلامي. لم ينتبه إلى أنهم لا يمكن أن يرضوا بقيادة شيعية. من ناحيته، ردّ الملك فهد بن عبد العزيز بتسمية نفسه "خادم الحرمين الشريفين". ويوماً بعد يوم، ثبت للطرفين أن تزعّم العالم الإسلامي يستلزم ردّ المسلمين إلى مذاهبهم بهدف بناء قواعد ولاء صلبة لا يخترقها الخصم. أيقظ هذا التنافس مطالب كانت نائمة. بدأ حراك شيعة السعودية المتمحور حول رفضهم المعاملة الدونية التي يلاقونها في المملكة. ووجد شيعة باكستان وأفغانستان سنداً لهم.

آيات الله الإيرانيون لم يكونوا بعيدين فكرياً عن تنظيم الإخوان المسلمين. في المصنع الفكري حيث كوّنوا طروحاتهم، كانت كتابات السيد قطب حاضرة. من هذه التقاطعات نفهم التقارب النسبي بين إيران وإخوان مصر. ولكن مع اندلاع الصراع بين الإخوان المسلمين ونظام الأسد الأب، اختار الإيرانيون القرابة المذهبية على الفضاء الإسلامي الواسع. اتخذوا قرارهم على إيقاع حرب مع العراق لم يدعمهم خلالها إلا السوريين. ولكن ما حصل ضرب الرصيد الإسلامي العام للثورة وأحدث قطيعة بينها وبين إخوان سوريا، قطيعة ظهرت واضحة مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.

تصدير الثورة

فور إرساء الثورة دعائمها، بدأت سياسة تصدير الثورة إلى الخارج. كان لبنان الذي يشهد حرباً أهلية الساحة المثالية للإستيراد. تقاطعت ثلاثة عوامل (الدعم الإيراني، الإجحاف بحق شيعة لبنان، الصراع مع إسرائيل) وساهمت، عام 1982، في بناء قوة سياسيّة ـ عسكريّة شيعيّة منظّمة هي حزب الله. دخلت إيران ساحة الصراع العربي الإسرائيلي من باب عريض، وهذا ما ساعدها على مدّ نفوذها في العالم العربي نظراً لما يعنيه هذا الصراع في الوجدان العربي. يرتبط حزب الله عضوياً بإيران لا كدولة، بل بمؤسسة الولي الفقيه بصورة مباشرة. حزب الله هو قصة إيران الناجحة في عملها الخارجي. ولكن حتى هذه القصة الناجحة لم تمكّنها من استتباع كل الشيعة اللبنانيين. على المستوى الديني ظهرت مرجعية السيد محمد حسين فضل الله، وعلى المستوى السياسي يتوزع ولاء شيعة لبنان بين حزب الله وحركة أمل البعيدة عن فكر ولاية الفقيه المطلقة.

العراق قبلة الشيعة العرب

يرتبط الشيعة، وخاصة العرب منهم، وجدانياً بالعراق. ففيه أعرق الحوزات الدينية، حوزة النجف الأشرف، وفيه أضرحة لبعض أئمة الشيعة، وعلى أرض كربلاء وقعت الحادثة التاريخية التي ساهمت في بناء الوعي الجماعي الشيعي. بعد دخول الأميركيين إلى العراق عام 2003، وقف آية الله علي السيستاني في وجه المجموعات الشيعية التي أرادت محاربة الأميركيّين. خاف من تكرار سيناريو 1920 حين ثار الشيعة على الإستعمار البريطاني فكانت النتيجة إقصاءهم عن السلطة.

حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ليس جديداً. نشأ في بداية ستينيات القرن الماضي وكان أول حزب سياسي شيعي في العالم العربي. في بداية الثمانينيات، لجأ معظم قيادات هذا الحزب إلى إيران. لم يكن الدعوة الفصيل العراقي المفضّل لدى آية الله علي الخامنئي رغم أن رؤيته لعلاقة الدين بالسياسة تقترب كثيراً من رؤية ولاية الفقيه المطلقة. ولكن مع وصوله إلى السلطة، وفي ظل امتعاض إقليمي من "تحوّل العراق إلى دولة شيعية" كانت خيارات التحالفات السياسية المتاحة أمامه ضيّقة.

في إيران، حاضنة السياسيّين الشيعة العراقيّين الفارين من حكم صدام حسين، نشأ "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في إيران". مع الوقت تحول المجلس إلى أداة سياسية لآل الحكيم. فور العودة إلى العراق عام 2003، غيّر المجلس إسمه إلى "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" وبدأ بانتهاج سياسة مستقلّة عن الإيرانيّين ومبنيّة على معارضة عربيّة للعامل الفارسي. يرفع المجلس مطلب الفدرالية في العراق مطالباً بفدرالية شيعية في جنوب العراق.

العامل العربي يظهر أحياناً في سياسة الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر الذي أسس حركة سياسية مستنداً إلى المكانة الشعبيّة لعمّه محمد باقر الصدر وأبيه محمد صادق الصدر، المرجعيّتين الدينيتين الكبيرتين اللتين أعدمهما صدام حسين عامي 1980 و1999 على التوالي. في العراق، يجد جزءٌ أساسي من الصراعات السياسيّة أساسه في تنافسات العائلات الدينية العريقة. الصدر المصنّف حالياً كمقرّب من إيران يناصب عمّار الحكيم "العداء".

لا يعني هذا أنه ليس للإيرانيين قواعد صلبة في العراق. فقد أسس هادي العامري منظمة بدر، منشقاً عن المجلس الأعلى، بسبب ولائه وأتّباعه للولي الفقيه. وفي بداية العام 2012، سُمِح لتنظيم عصائب الحق بممارسة العمل السياسي والتنظيمي في العراق. والعصائب يقودها قيس الخزعلي، المقرب من إيران. في النجف، يجلس بعيداً عن الإعلام أربعة من كبار آيات الله المعارضين لولاية الفقيه المطلقة هم علي السيستاني وبشير النجفي ومحمد إسحاق الفياض ومحمد سعيد الحكيم. هؤلاء إن أمروا، يصعب على شيعة العراق عدم إطاعتهم بسبب مكانتهم الدينية. يتحدث البعض عن خلافات غير معلنة بين السيستاني وحزب الدعوة. ربما ينتج ذلك من فهمهم المختلف لعلاقة الدين بالسياسة.

الشيعة والربيع العربي

مع سقوط صدام حسين، إتّصلت إيران عبر العراق بحليفتها سوريا وعبرها بلبنان حيث نفوذ حزب الله القوي. نشأ ما أسماه الملك الأردني عبد الله "الهلال الشيعي". شعر الشيعة بفائض من القوة وخاف زعماء الدول السنيّة من هذه المتغيّرات. عندما وصلت موجة الربيع العربي إلى البحرين، ظهر هذا الإنقسام المذهبي بشكل حاد. في البحرين أكثرية شيعية تحكمها عائلة آل خليفة السنّية. انتفض الشيعة البحرينيون، بقيادة حركة الوفاق التي يرأسها علي سلمان، رافعين برنامجاً سياسياً معتدلاً يطالب بإيقاف عمليات التجنيس الهادفة إلى تغيير ديموغرافيا المملكة وبإشراكهم في السلطة وبتحويل الجزيرة الصغيرة إلى مملكة دستورية. دخلت قوات درع الجزيرة وقمعت تحركاتهم السلمية. تاريخياً، يقلّد معظم شيعة البحرين المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله الذي لم تكن تربطه علاقة ود بالإيرانيين منذ إعلانه نفسه مرجعاً للتقليد. لم يجد البحرينيون من نصير سياسي سوى إيران وحلفائها. مع ذلك لم يتخلّوا، إلى الآن، عن خطابهم المعتدل وبقوا حريصين على عدم الارتباط عضوياً بإيران. يصرّون على ممارسة السياسة بأبعاد وطنية صرف.

ما إن اندلعت الثورة السورية، حتى انقلبت الحسابات في العراق. قبل الثورة كان المطلوب من سوريا عدم التلاعب باستقرار العراق. بعدها صار كثير من شيعة العراق يخشون من سقوط النظام السوري وتشكّل كتلة سنية تمتد من القاهرة إلى اسطنبول. المالكي يحذر في تصريحاته من عدم الاستقرار في سوريا. مقتدى الصدر راح يتحدث عن "دولة الممانعة" سوريا.

لا شك في أن إيران هي الزعيم السياسي للشيعة في الشرق الأوسط ولكنها لم تنجح، ولن تستطيع النجاح، في تحويل الشيعة كتلة أيديولوجية واحدة. الداخل الإيراني يشهد على هذه الإستحالة.

المطالبات الشيعية

قبل نشوء الدول الوطنية، عانى الشيعة في العالم العربي من التهميش. السلطات الإسلامية لم تعترف بهم كجزء أصيل من الدين الإسلامي. لذلك كانوا يبتعدون عن مراكز السلطة ويقيمون في الأطراف. خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، مال معظم الشيعة العرب إلى فكرة القومية العربية لأنها تحقق لهم المساواة بغيرهم من أبناء المذاهب الأخرى. ومع خفوت نجم هذه الفكرة اختار معظم الشيعة تأييد الأفكار الوطنية. عدد كبير منهم وجد ضالته في الأحزاب الشيوعية الداعية إلى المساواة التامة بين البشر. في كل الدول العربية حيث يتواجدون. يتوحّد الشيعة على مجموعة مطالب سياسية ترتبط برفع الظلم الواقع عليهم بسبب انتمائهم المذهبي. في لبنان، أسس الإمام موسى الصدر حركة المحرومين (أمل لاحقاً). وحراك شيعة العراق السياسي الديني بدأ منذ بداية الستينات، فور سقوط نظام عبد الكريم قاسم وبدء سياسات التمييز بحقهم.

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 25.10.2013 

التعليقات

المقال التالي