المدن العربية والهزيمة المستمرة

المدن العربية والهزيمة المستمرة

في استطاعة المرء أن يقرأ واقع مجتمعات بعض البلدان العربية من خلال الهزائم التي لحقت بها، والتي خلّفت الكثير من الفوضى، تاركة أثراً كبيراً على حياة المدينة وناسها. والحال أن العالم العربي يعيش تداعيات هزائمه، أو كوارثه الكبرى، مثل تقسيم فلسطين عام 1948، وهزيمة 1967، والإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، دون أن ننسى سقوط بغداد عام 2003.

خلق قرار تقسيم فلسطين أزمات سياسية واجتماعية، ربما لن تنتهي فصولها في العقود المقبلة. عدا عن أن التقسيم ساهم، إلى جانب الحرب، في تهجير الشعب الفلسطيني، فهو أيضاً كان حجة لولادة مجموعة من الأنظمة الإستبدادية في العالم العربي التي حملت ثقافتها "الشعبوية" إلى المدن، وأناطت العداء للثقافة المدينية. على أن نقطة الإنهيار الأبرز في المدينة العربية كانت بعد هزيمة 1967. لقد ساهمت الناصرية في ترييف بعض المدن المصرية نسبياً، وكانت الهزيمة الحزيرانية صفعة قوية أخذت المدن نحو مزيد من "الأسلمة" والإنغلاق. فسّر بعض المتديّنين الهزيمة على أنها "عقاب إلهي" بسبب عدم التزام المجتمع بالتعاليم الإسلامية، وكان من بين هؤلاءالشيخ الشعراوي الذي سجد شاكراً الله على الهزيمة لأنها، كما قال، قد بيّنت زيف الحكم المصري وادعاءاته وقتها؛ في حين تملّق بعض الإخوانيين المصريين قائلين إن الهزيمة كانت اقتصاصاً إلهياً انتقاماً لسيد قطب الذي أعدمه النظام الناصري! ما حصل في مصر من ظواهر غيبيّة وخرافية بعد الهزيمة الحزيرانية، هو إشارة إلى أن تأثير الثورة الناصرية كان "فقاعياً" في المجتمع. فـ"الإيجابي"، إجتماعياً، في الزمن الناصري هو أن بعض المناطق العربية خلت من رجال الدين وسيطر فيها السفور الذي لم ينحصر في نساء الطبقة البرجوازية التي تبنّت الطرق الغربية في الحياة، بل وصل إلى بيوت بعض المشايخ الكبار وأضحى حالة طبيعية، ولم يعد خروجاً على التقاليد. لكن هذا التوجه في الحقيقة لم يكن جذرياً على ما يبدو. حسب ما ذكر الروائي عبده جبير، فإن المرأة المصرية كانت حين تخرج إلى العمل من دون حجاب، التزاماً منها بالقانون الذي يفرض عليها السفور، كانت حين تعود إلى البيت، تعود إلى حجابها وتبقيه على رأسها حين تخرج من البيت إلى السوق أو في زيارات.

اعلان


كان جلياً أن هزيمة 1967 شكلت المفتاح لبدء الحرب في لبنان بعد اتفاق القاهرة عام 1969 الذي يسمح بعمليات عسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان. ومع رحيل عبد الناصر وتولي السادات الحكم عام 1970، شهدت مصر عهداً جديداً كان من بين رؤاه دعم الجماعات الإسلامية لمواجهة اليسار المصري والترحيب بانتشار الزي الإسلامي. وقد زادت وتيرة الزي الديني في فترة “الثورة الخمينية”، ومع بدء فترة الثمانينات، باتت للأزياء الدينية قاعدة قوية في مصر وبلدان عربية كثيرة، مثل سوريا. نسفت هزيمة حزيران الطموح العربي و"العروبي". راحت مصر تعيش نوعاً من الإرباك والقلق المستمرين. وتحولت من دولة نافذة ومحورية، إلى دولة تتلقى الإعاشات الدولية، عدا عن تبعيتها للمواقف الدولية. لا يختلف الوضع في لبنان الذي كان بلداً محورياً في ثقافته وموقعه. لكن، منذ بروز النفوذ البعثي الأسدي، تحوَّل هذا البلد الى مجرد "صندوق بريد" للرسائل السياسية. هزمت الحرب المجتمع اللبناني منذ بداية السبعينيات، وجاء الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 ليزيد الأمور سوءاً. فبعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان، بدأت الصورة تتغير في بعض المناطق الإسلامية، وبرز العامل الديني بديلاً للإخفاقات السياسية للقيادة الفلسطينية و"الحركة الوطنية". كثر المصلون في الجوامع، وراحت "الإيشاربات" تغطي رؤوس البنات، وعادت العلاقات الاجتماعية إلى التزمت. وجدت الحركات الدينية التي طغت على الساحة السياسية في بعض المدن اللبنانية دعماً لها، سواء من إيران أو السعودية، يساعدها على التغلغل أكثر في المجتمع. هكذا، راجت الكتب الوهابية بدل كتب أركان الشيوعية، وبرزت الألبسة الأفغانية والإيرانية بدل ثياب الموضة الغربية. مع انهيار المنظومة الشيوعية، وبدل أن تواكب البلدان العربية تطوّر "العالم الغربي"، كانت المفارقة في ظهور تيارات دينية بدل الأحزاب القومية واليسارية، ما حال دون استفادة العرب من رياح التغيير التي هبّت في ذلك الوقت على أوروبا الشرقية. حتى بعد سقوط بغداد عام 2003، ورغم إيجابية سقوط رأس نظام دكتاتوري مثل صدام حسين، فإن ما خلّفته "الفوضى الأميركية" كان كافياً ليدمر العراق وينتج "ثقافة الفرهود" التحاصصية، ويزيد وتيرة التيارات التي تساهم في ترييف المدن.

عدا الهزائم التي فتكت بنواة النسيج المديني لصالح الديني، تبيّن من خلال "الربيع العربي" أن العلمانية على الطريقة "العربية" لم تكن سوى وسيلة للقمع، وأن ثمة تيارات إسلامية كانت خلايا نائمة أو لها أرضية خصبة في العالم العربي، وخلال مدة قصيرة خرج ماردها من القمقم، ليحاول بعض تياراتها فرض أفكاره على واقع المدن العربية. وتبين من خلال كل ما تقدم أن العرب لم يستفيدوا من دروس الهزائم المتكررة على نحو ما فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يستفيدوا، كذلك، من الثورات، سواء تلك التي كانت تسمى "وطنية" في زمن الاستعمار أو زمن الأنظمة الملكية، أو التي انطلقت قبل ثلاثة أعوام تحت مسمى "الربيع العربي". وحتى الآن لا تبدو صورة نتائج "الربيع العربي" واضحة. الآن، حين نشاهد صوراً للمدن العربية في عقود خلت، منشورة على مواقع يغالبها الحنين، نلاحظ اختلاف الصورة وناسها بين الأمس واليوم. كأن العالم العربي، في هذه المرحلة، "يتقدم" إلى الوراء!

نشر على الموقع في تاريخ 23.08.2013

التعليقات

المقال التالي