هل هذا النفي الأخير للطائفة الأيزيدية من العراق؟

هل هذا النفي الأخير للطائفة الأيزيدية من العراق؟

ليس أمراً معتاداً أن يسجّل التاريخ اللحظات التي تُمحى فيها طائفة كاملة عن الوجود. إنها تشبه اللحظات التي يموت فيها آخر شخص يتحدث لغة نادرة. كاد هذا الأسبوع أن يشهد لحظات مماثلة، عاشتها الطائفة الأيزيدية، إحدى الأقليات في منطقة الشرق الأوسط، والتي أطلق عليها تنظيم دولة الخلافة الإسلامية داعش تسمية “عبدة الشيطان”. في شمال العراق، حيث يمدّ التنظيم سيطرته، تواجه هذه الطائفة خطر الإبادة.

تعرض الأيزيدون لاضطهادات ومجازر عدّة عبر التاريخ، بسبب فتاوى التكفير والخروج عن الدين، منذ جعفر الداسني، أثناء حكم الخليفة العباسي المعتصم 224 هجرية، إلى حملات القرنين السادس والسابع عشر، ومن ثَم حملات ولاة بغداد العثمانيين. التاريخ الحديث لم يرحمهم، ففي عام 2007 مثلاً، تعرّضت قرية أيزيدية لسلسلة من التفجيرات المنظمة راح ضحيتها 800 شخص.

اعلان


أتباع "الطاووس الملاك" يعتقدون أنهم يواجهون الإبادة الجماعية للمرة الثالثة والسبعين. العديد منهم تشتت الآن في بقاع مختلفة، وغالبيتهم يفرون للنجاة بحياتهم من عدوهم الجديد، دولة الخلافة الإسلامية. كان للطائفة الأيزيدية مخاوفها من تمدد الدولة التي تختلف عن مخاوف باقي سكان العراق، فهم كانوا يعتقدون أنهم في مأمن شمالي العراق، لكون مناطقهم تحميها القوات الكردية، عندما بدأت داعش تتمدد باتجاههم من ناحية الجنوب. في 2 أغسطس، هاجم تنظيم الدولة الاسلامية منطقة سنجار التي تعتبر مدينتهم الكبرى، ما جعل نحو 100 ألف منهم ينزحون إلى مخيمات في الشمال داخل منطقة الحكم الذاتي للأكراد، وإلى منطقة الحكم الذاتي للأكراد في سوريا. حوصر ما لا يقل عن 40 ألف شخص على القمم الصخرية لجبال سنجار، حيث يموتون من العطش والجوع.

بعض الأيزيدين بدأوا يستعدون للقتال في قراهم المحاصرة، والبعض الآخر يختبئون في الكهوف في الجبال، وآخرون بدأوا بدفن أطفالهم الذين استسلموا للجفاف في الصحراء والظروف السيئة. إنه فشل آخر لحماية الأقليات والمجموعات العرقية الضعيفة في المنطقة. المنفيون خارج سنجار قد يكونون أوفر حظاً من أولئك الذي بقوا محاصرين، إذ تنشر الدولة الإسلامية الكثير من الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمليات القتل التي تعرض لها من بقي، وكذلك عمليات الإعدام الجماعية بحق الأيزيدين.

ولكن من هي هذه الطائفة التي تكثر حولها الأقاويل، والتي تقترن في المفهوم الشعبوي في العالم العربي بعبادة الشيطان، عن جهل في معتقداتها؟ يتمركزالأيزيديون بشكل أساسي في الشمال الغربي من العراق، وبالتحديد في المنطقة المحيطة بجبل سنجار غربي الموصل، ويمتلكون مقعدًا في مجلس النواب العراقي ومقعدًا في مجلس محافظة نينوي ومجلس قضاء الموصل. بالإضافة إلى العراق، يتوزع بعض أفراد هذه الطائفة، التي تعدّ ما يقارب 700 ألف نسمة، في سوريا وتركيا وإيران وروسيا ولهم جاليات قليلة العدد في لبنان.

العقيدة الأيزيدية هي خليط من ديانات مختلفة. يؤمن الأيزيدون بالله وبالملائكة السبعة الذين خلقهم الله من نوره وأوكل لكل منهم مهمة خاصة. الله، وفق معتقداتهم، أمر الملك الطاووس، أحد الملائكة السبعة، بمحاولة اقناع وإخراج آدم من الجنة لكي يتكاثر البشر، وأوكل إليه أن يكون ملكاً على الأرض. من هذا المنطلق، يعود الربط بين الأيزيديين وعبادة الشيطان، وهو ما يرفضونه.

يتحدث الأيزديون اللغة الكردية، التي تقوم عليها صلواتهم وأدعيتهم وكتبهم الدينية. قبلتهم هي لالش حيث الضريح المقدس للشيخ عدي بن مسافر في شمال العراق، الذي يعتبر مجدد الديانة الأيزيدية. يروي الدكتور كاظم حبيب في كتابه "الأيزيدية ديانة قديمة تقاوم نوائب الزمن" إن كتب التاريخ العربية والكتب الأخرى التي تتحدث عن الأيزيدية تشير إلى أن وجودهم في سنجار يعود إلى فترة الأمويين والعباسيين، ولديهم كتابان مقدسان هما "الجلوة" ومصحف "رش" اللذان لم يعثر عليهما حتى الآن. كنتيجة لتكتم الأيزيدين عن عاداتهم وتقاليدهم، ألصقت بهم تهمٌ وتأويلات عديدة مثل كونهم أتباع يزيد بن معاوية أو أتباع يزيد بن أنيسة.

للأيزيديين معتقدات وتقاليد خاصة تؤمن بالتناسخ يسمّونها "الروح تغيّر ملابسها". لا يرتدون اللون الأزرق على الإطلاق كما لا يأكلون الخسّ، ومعظمهم يلفّون شعرهم بعمامات بيضاء ولا يحلقون شواربهم. يحفظ الرجال الأيزيدون كتابهم المفقود عن ظهر قلب، ويحفِّظونه لأبنائهم. يعتقدون بأن ذكر كلمة شيطان إهانة بحقهم، ومعظم العراقيين في منطقة الموصل كانوا يحذرون السياح الذاهبين إلى سنجار من لفظ هذه الكلمة أمامهم.

الاضطهاد الذي تعرض لهم الإيزيدون عبر التاريخ ليس فقط لأنهم من الأقلية الكردية، بل أيضاً بسبب دينهم الذي يعتبر أقلية داخل أقلية، ففي بعض المناطق التركية مثلاً، كان الأيزيدون يُجبرون على حمل بطاقات هوية كتب عليها اسم الدين على شكل (XXX) وكان هذا الدين لا يمكن التلفظ به أو حتى كتابته، أما في سوريا فقد فرّوا بسبب الاضطهاد الديني، إذ كانوا مجبرين على تعلم القرآن في المدارس، كما لم يكونوا يمتلكون قانوناً للاحوال الشخصية وكانوا يسجّلون على أنهم مسلمون، ولم يتح لهم بناء أماكن مقدسة خاصة بهم أو تدريس ديانتهم.

يذكر أحد الأيزيدين العراقيين أنهم عانوا الكثير من أنظمة الحكم المتعاقبة. كما أنهم عانوا الكثير من جيرانهم، إذ كانوا ينظرون اليهم نظرة دونية، حتى أن البعض كان يرفض أن يشتري من منتجاتهم أو بضائعهم في الأسواق، وهذا ما اضطرّهم في بعض الأحيان إلى وضع عبارات إسلامية على المواد التي يبيعونها لكي تباع.

لم ينجُ الأيزيدون عبر التاريخ إلا في العراق، على الرغم من أن وضعهم كان غير مستقر، لا سيما منذ بدء ظهور الجماعات الدينية المتطرفة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لكن يبدو أن هذه المرحلة قد انتهت. النائبة في البرلمان العراقي عن الطائفة الأيزيدية فيان الدخيل كانت قد أطلقت حملة عالمية للتدخّل من أجل حماية ما تبقّى من الأيزيدين العالقين في سنجار أو الذين فرّوا إلى الخارج وطالبت بتأمين اللجوء لهم في دول أوروبية باعتبار أن الحكومة العراقية قد خذلتهم، وأن أرضهم وتاريخهم قد تم محوهما من المنطقة.

التعليقات

المقال التالي