ما الذي يجري في عرسال اللبنانية؟

ما الذي يجري في عرسال اللبنانية؟

لا يزال الوضع ضبابياً في قرية عرسال اللبنانية الواقعة على الحدود اللبنانيةـ السورية. هنالك أخبار تتحدث عن انسحاب المسلحين، وأخبار تقول إن مجموعات انسحبت وأخرى تنتشر داخل أحياء البلدة.

منذ الأحد الماضي، تدور معارك بين الجيش اللبناني ومجموعات إسلامية عبرت الحدود من الناحية السورية وسيطرت على بعض التلال المشرفة على البلدة بعد اشتباكها مع مراكز الجيش قبل أن تدخلها. الجيش اللبناني استقدم تعزيزات إلى المكان وخاض معارك شرسة مع المسلّحين لاستعادة النقاط التي فقدها. ولكن أمام واقع انتشار المسلحين بين المدنيين واتخاذهم إيّاهم دروعاً بشرية عجز الجيش عن تحقيق تقدّم داخل البلدة.

بدأت الأزمة على أثر توقيف الجيش اللبناني السوري عماد أحمد جمعة (أبو أحمد جمعة)، السبت الماضي، أثناء محاولة اجتيازه الحدود اللبنانية لغاية غير محدّدة. البعض يقول إنه معتاد اجتياز الحدود لتفقد أحوال عائلته المقيمة في لبنان. استنفرت بعض المجموعات المسلّحة المنتشرة في مناطق واقعة في الجانب السوري وهاجمت مستقلةً دراجات نارية وسيارات رباعية الدفع وشاحنات صغيرة محملة بالرشاشات، حواجز الجيش اللبناني المنتشرة على أطراف عرسال ووصلت إلى داخلها. اقتحم المسلحون مركز قوى الأمن الداخلي واحتجزوا 12 عنصراً كانوا في المكان كما أسروا 12 عنصراً من الجيش اللبناني بعضهم من أبناء القرية، كانوا يمضون فترة إجازتهم.

المعتقل جمعة هو قائد لواء "فجر الإسلام" الذي يتألف من نحوى 400 عنصر وقد بايع منذ فترة أمير "الدولة الإسلامية" في القلمون أبا حسن الفلسطيني (ترددت معلومات عن مقتله قبل يومين في اشتباكات مع الجيش السوري). ولكنّ المسلحين الذين دخلوا إلى عرسال بالآلاف لا ينتمون إلى مجموعته بل هناك عناصر تابعة لجبهة النصرة وأخرى تابعة للواء البراء ولكتيبة الفاروق. فعلى الرغم من رفض جبهة النصرة المشاركة في المعارك التي يخوضها تنظيم "الدولة الإسلامية" فإنّ للوضع في القلمون حيثيات خاصة ناجمة عن خوض المقاتلين المنتشرين هناك عدداً كبيراً من المعارك المشتركة وعن عدم قدرة أمير جبهة النصرة في القلمون أبي مالك التلي ضبط كل عناصره خاصة أنه كان قد هدّد منذ فترة حزب الله بنقل المعارك إلى الداخل اللبناني.

البعض يتحدث عن أن مشاركة فصائل تابعة للنصرة هي نتيجة لعدم الالتزام بترتيبات أمنية ذات علاقة بالوضع في القلمون، كانت قد عقدت بينهم وبين حزب الله والجيش السوري. في كل الحالات شهدت الأيام السابقة على اجتياح قرية عرسال اللبنانية نشوب معارك قوية في جرود القلمون، في الداخل السوري.

قيادة الجيش اللبناني أكدت فور بدء الأحداث أن "الجيش لن يسمح لأيّ طرف أن ينقل المعركة من سوريا إلى أرضه، ولن يسمح لأيّ مسلح غريب عن بيئتنا ومجتمعنا بأن يعبث بأمن لبنان وأن يمسَّ بسلامة العناصر من جيش وقوى أمن". كذلك أشار رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام، بعد جلسة طارئة لمجلس الوزراء، إلى أنه "لا تساهل مع الإرهابيين القتلة، ولا مهادنة مع من استباح أرض لبنان وأَساء إلى أهله. ولا حلول سياسية مع التكفيريين، الذين يعبثون بمجتمعات عربية تحت عناوين دينيّة غريبة وظلاميّة، ويريدون نقل ممارساتهم المريضة إلى لبنان".

يتحدث البعض عن مشاركة حزب الله في المعارك الدائرة دون دليل واضح على ذلك. الحزب نفسه نفى وكذلك فعل رئيس تيار المستقبل سعد الحريري. ولكن نفي الحريري لهذه المعلومات اقترن بتحميل حزب الله جزءاً من المسؤولية عمّا يحصل بسبب مشاركته في الحرب السورية. وهذا ما كانت قد سبقته إليه كتلة المستقبل حين اعتبرت أن "تورطه (حزب الله) في المعارك التي خاضها الى جانب جيش النظام السوري، أسهم في دفع المسلحين السوريين الى لبنان".

بشكل عام، تدعم كل القوى السياسية الوازنة الجيش اللبناني في معركته. لا يشذّ عن ذلك سوى قلة من الأصوات، كبعض النواب الشماليين الذين يغرّدون خارج سرب حزبهم، تيار المستقبل، وبعض الأصوات السلفية التي تردّد معزوفة "استهداف أهل السنّة". في مقابل هؤلاء يندفع البعض إلى استثمار الحدث بشكل آخر كما "تكتل التغيير والإصلاح"، برئاسة النائب ميشال عون، الذي دعا إلى التفاوض "مع الدولة السورية" لحماية الحدود المشتركة.

التشدّد في الخطاب السياسي الرسمي لم يمنع من الاتفاق تحت الطاولة على قيام "هيئة العلماء المسلمين"، وهي تجمع لرجال دين سنّة يضمّ وجوهاً سلفية بارزة، بمبادرة تهدف إلى حلّ الأزمة. تحاول الهيئة إقناع المسلحين بمبادرة تضمّنت النقاط التالية: إطلاق المخطوفين من القوى الأمنية، خروج المسلحين من المنطقة، دخول الجيش إلى عرسال وإحالة الموقوف عماد جمعة على القضاء المدني لا القضاء العسكري. حين زار الوفد التفاوضي عرسال تعرضت سياراته إلى إطلاق نار أدى إلى إصابة بعض المشاركين فيه. الهيئة اعتبرت أنه "لا دليل على الجهة التي تقف خلف استهداف موكب العلماء في عرسال" وحمّلت المسؤولية لمتضرّرين من المبادرة دون تسميتهم. الاعتداء لم يمنع الهيئة من متابعة مساعيها. وحالياً، يبدو أن التسوية اقتربت.

تستقبل بلدة عرسال، وعدد سكانها حوالي أربعين ألف نسمة، أكثر من 140 ألف لاجئ سوري. في لبنان، تعتبر هذه البلدة رمز التضامن مع الثورة السورية واللاجئين السوريين. هذا ما دفع سعد الحريري إلى التساؤل: "أهكذا يكون ردّ الجميل"؟ بعد اجتياح المجموعات المسلّحة للبلدة، شاركت مجموعة من اللاجئين في الأعمال المسلّحة. الهجوم تم "بالتنسيق مع أُناس مزروعين داخل مخيمات النازحين"، أكّد قائد الجيش العماد جان قهوجي فاتحاً ملف تنظيم اللجوء السوري في لبنان بدعوته إلى ضرورة التركيز على معالجة وضع النازحين والمراكز التي ينتشرون فيها كي لا تكون أيضاً بؤرة للإرهاب.

حين هاجم المسلحون مركز قوى الأمن الداخلي تصدّى لهم بعض شباب البلدة فسقط أربعة منهم قتلى. وجهاء البلدة عقدوا، فور بدء الأحداث، اجتماعاً أكدوا فيه تضامنهم مع الجيش ضد المسلحين. الأهالي ممتعضون كثيراً مما جرى ويعتبرون أنّهم طُعنوا في الظهر. فالدولة اللبنانية لم تنشر الجيش اللبناني بشكل يضمن حماية البلدة، برغم دعواتهم المتكررة، والمجموعات المسلحة السورية اقتحمت منازلهم المفتوحة للّاجئين السوريين.

التعليقات

المقال التالي