ما الذي بقي من الثاني من أغسطس 1990؟

ما الذي بقي من الثاني من أغسطس 1990؟

في صبيحة الثاني من أغسطس 1990 وقع كل من الشعب الكويتي والشعب العراقي ضحية لقرار دكتاتوري قصير النظر باحتلال دولة عربية وإلغاء سيادتها ودق آخر مسمار في نعش التضامن العربي. الشعب الكويتي دفع الثمن في ذلك الوقت من حريته ودماء أبنائه الذين قتلوا أو أُسروا ليقتلوا في ما بعد. أما الشعب العراقي فدفع الثمن بعد ذلك حين فقد الآلاف من شبابه في حرب عبثية، وبقي سنين طويلة يدفع من لقمة عيشه وحريته ثمن العقوبات القاسية.

من كان الضحية، الجواب هو الضحية التقليدية دائماً: المدنيون الذين لا حول لهم ولا قوة. الكويتيون بعد الثاني من أغسطس لم يعودوا هم أنفسهم قبل ذلك التاريخ. غيرت عاصفة الغدر الصدامي نفوس الكويتيين وجعلتهم أكثر قلقاً من المستقبل، وأشدّ اعتماداً على الحماية الأجنبية كنتيجة طبيعية لطعنة صدام لهم. تعود الذكرى السنوية كل عام لتلقي ضوءاً على ما خلّفته السياسة في بلادنا بكل حساباتها التي لا تعير الإنسان قيمة. الفرد الوحيد المهمّ في صناعة القرار هو الشخص الجالس على الكرسيّ. حتى إذا دفع الآلاف حياتهم ثمناً لمثل هذه القرارات، فالأمر لا يهم. الرمز موجود وباق وهذا هو المهمّ.

في الثاني من أغسطس اجتاحت الدبابات العراقية أراضي الجارة العربية الصغيرة، الكويت واحتلتها بذريعة قيام انقلاب عسكري طلب الدعم من نظام صدام. وفي خلال أسابيع أسدل الستار على هذا الفصل الهزيل وتمّ إعلان الوحدة التي لم يطلبها أيّ من الشعبين. الخلاف الاقتصادي كان هو المبرر، أضف إليه الشعور بالعظمة الذي تملّك صدام بعد فشل إيران في إزاحته من السلطة في حرب الثماني سنوات. هذا الشعور بتضخم الذات جعل صدام لا يطيق أن يتمرد على إرادته أحدٌ. الكويت رفضت شطب الديون العراقية، واستمرت تضخّ النفط بمعدلات عالية مسببة هبوطاً في الأسعار حتى بلغ سعر البرميل 7 دولارات. هذه هي الحجة الرسمية التي استند إليها صدام في تحذيراته للكويت قبيل الغزو، ولكن هل كان الأمر يستحقّ فعلاً غزو دولة عربية ذات سيادة ومحاولة إلغاء وجودها وضمّها بالقوة.

هذا الغزو هو نقطة التحوّل الثانية في التاريخ السياسي والاجتماعي العربي بعد نكسة 1967 من حيث آثاره السلبية المدمرة على العالم العربي. كانت هذه الحرب مقدمة لمعاناة شعبية كويتية عراقية امتدت سنوات، بل لا تزال آثارها باقية حتى الآن. أضحى الكويتيون بعد الغزو أكثر مرارة وأشد تحفظاً تجاه العرب بسبب تباين المواقف بين مؤيد ورافض للغزو الصدامي. أصبحت ذكرى الغزو ربما أهم حتى من تاريخ الاستقلال في بناء الهوية الكويتية في ما بعد أغسطس 1990. جانبها الإيجابي أنها أضحت معلماً للتوحيد في خضم العواصف السياسية التي لا تهدأ في الكويت بين المعارضة والحكومة، والتي وضحت في تكرار حلّ مجلس الأمة الكويتي مرّات عدّة على خلفيّة استجوابات برلمانية. لكنها في الوقت ذاته خلقت شيئاً من التخوف الدائم من المستقبل، فالتوترات التي أحاطت بميناء مبارك الكبير بين العراق والكويت عام 2011 أعاد شبح الغزو إلى الذاكرة ولا نقول إلى العقل.

الكل يعرف أن العراق لم يعد بمقدوره أن يغزو أحداً بعد اليوم. لكن مرارات الحروب لا تشفى إلا تحت شمس البناء الاجتماعي والاقتصادي الصلب للإنسان ومقدرات عيشه، وهذا ما لم يحدث حتى الآن في العراق على الأقل. ألمانيا واليابان نهضتا من حروب لم تدمر اقتصادياتهما فحسب، بل كانت نتيجة تشويه الفرد بالفكر الشوفيني المتعصب. وكانت عملية إعادة البناء بعد الهزيمة تمضي بالتوازي، الإنسان والآلة، الفكر والمباني، قيم الديمقراطية وقبول الآخر والتقنيات الحديثة في كل نواحي الحياة. ربما حدث شيء من هذا في الكويت بعد التحرير، وإن لم يكن على نحو كافٍ، لكن الكارثة في العراق أن التدهور لم يتوقف منذ عام 1990. فالشعب هناك دفع ولا يزال يدفع ثمن هذا القرار الكارثي الذي جرّ ويلات حرب طاحنة على العراق عام 1991، وسنوات عجافاً من العقوبات، ومن ثم غزو أمريكي فتح الأبواب على مصاريعها لحالة التمزق التي يعيشها البلد الآن. وبهذا فقد المواطن العراقي، ولا يزال يفقد، أمانه المادي وهويته الوطنية وتشرذم طائفياً وعرقياً بما لا يقدم للجارّ صورة آمنة عما يمكن أن يحدث مستقبلاً، حتى من باب انتشار عدوى الفوضى بدون تخطيط عراقي رسمي أو شعبي.

بعد الغزو برزت ظواهر اجتماعية مما تعانيه الشعوب عادة بعد سكون عاصفة الحرب. ارتفعت نسب المصابين بالكآبة وانعدام الأمان والعدوانية، وحيازة السلاح  في المجتمع الكويتي إلى مستويات قياسية، وهي أمور كانت قلما تحدث قبل الغزو.

تبعات كل حرب من خوف من تكرار ما حدث، ومشاهد القتل والنار والدمار، وأنين المعذبين وجثث القتلى تبقى كالكوابيس التي تتحكم بعقل الإنسان وتلازمه حتى وإن تقادم الزمن. قد تبهت الصورة ولكن العقل الباطن يبقى محتفظاً بظلال لما كان، وهكذا هي ذاكرة الشعوب. "جرح السنين" مسلسل كويتي يستعرض فترة الغزو، وهو عمل فني عُرض في رمضان من ضمن أعمال كثيرة صنعت في الماضي وأعمال أخرى ستصنع في المستقبل، يقول لنا إن ذكريات الحروب بكل مآسيها تعيد تشكيل الذاكرة الجماعية وتبقي فيها شيئاً من المرارة التي تصبح جزءاً من طبيعة شعب ما.

لكن اللافت هو أن الشعب الذي يتهمه البعض أنه الجاني في كارثة الثاني من أغسطس عانى من الأعراض نفسها بل لا يزال يعاني مما هو أكثر. منذ غزو الكويت بدا الخطّ البياني في الحياة العراقية بالهبوط وبسرعة عالية، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ونفسياً. فترة التسعينيات من القرن الماضي، كانت فترة النقاهة الاجتماعية والاقتصادية الكويتية، وبداية لفصل جديد من المعاناة العراقية لم ينتهِ بعد. فبقدر ما كان غزو صدام للكويت كارثة مؤقّتة على شعب الكويت، فإنه استحال إلى كارثة لا تزال تعيش على أرض العراق.

الفردية، وإلغاء الآخر، واتخاذ القرارات بحكم العاطفة قبل العقل من الظواهر الاجتماعية السلبية المستشرية في مجتمعنا سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو السلطة الحاكمة، وهي من أهم المسببات لكارثة الثاني من أغسطس 1990. ولعل من أهم ما تعلمناه من هذه الكارثة العربية في ذكراها الرابعة والعشرين هو أن لا صلاح لمجتمع ما دون الخلاص من هذه الظواهر. فإنْ كانت ثمرة كل ما نشاهده مما يطلق عليه الربيع العربي هي تغيير وجوه أو مذاهب الحكام دون تغيير عقلية الحكم أو نظرة المجتمع للآخر، فإن هذا الربيع سيصبح شتاء قارساً يدفن بثلوجه كل آمال الإصلاح، بل ربما يدفعنا نحو كوارث جديدة تتضاءل دونها نكسات كالثاني من أغسطس 1990.

الغزو العراقي للكويت .. ما الذي بقي من الثاني من أغسطس 1990؟

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي