اعتداءات إسرائيل على الأمم المتحدة

اعتداءات إسرائيل على الأمم المتحدة

يعود تاريخ إسرائيل في استهداف المدنيين والدبلوماسيين إلى تأسيس الدولة العبرية عام 1948، ففي العام نفسه، قامت منظمتا شتيرن والهاغاناه الصهيونيتان بعمليةمشتركة نسفتا فيها مقرّ قيادة القوات البريطانية في فندق الملك داود بالقدس، واغتالتا الكونت السويدي فولك برنادوت Folke Bernadotte الذي كانت قد اختارته الأمم المتحدة آنذاك وسيطاً للسلام بين العرب والإسرائيليين.

استمرّت الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين والدبلوماسيين منذ ذلك الحين وتكثفت في العقدين الأخيرين الهجمات الإسرائيلية على مدارس الأمم المتحدة ومقارّها، في حروبها على لبنان وفلسطين.

في حربها الوحشية المستمرة على غزة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، عمدت إسرائيل إلى قصف مواقع أوى إليها مدنيون ومنها ست مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" التي تؤوي 220 ألف نازح فلسطيني.

ومن وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للهجوم بـ"غير المبرر" إلى إدانة الاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض له وسحب تشيلي والبيرو سفيريهما من إسرائيل، توالت ردود الأفعال الغاضبة ولكنها لم تنجح في ايقاف آلة الحرب الإسرائيلية. تكمل إسرائيل عملية "الجرف الصامد" التي حصدت حتى الآن أكثر من 1,500 شهيد فلسطيني وأكثر من 8,400 جريح، سقط المئات منهم في مدارس استهدفتها الغارات الإسرائيلية، بحجة أن المقاومة الفلسطينية تستخدمها مخزناً لصواريخها، والمواطنين فيها دروعاً بشرية.

للجيش الإسرائيلي تاريخ حافل في استهداف المقارّ والمدارس والسيارات التابعة للأمم المتحدة في العقدين الأخيرين، منذ اتفاق أوسلو عام 1993، وهو تاريخ دموي ينسف كل المفاوضات الدولية الرامية لتحقيق سلام شامل أو أقله تهدئة بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية.

يوليو 2014

استهدفت الغارات الإسرائيلية ست مدارس وسيارة تابعة للأمم المتحدة في غزة خلال الحرب المستمرة على القطاع ذهب ضحيتها المئات من الشهداء. تمثّلت آخر العمليات ضد مدارس الأونروا بقصف إسرائيل مدرسة أبو حسن في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، مما أدى إلى استشهاد 15 فلسطينياً وإصابة 90. تزامن هذا القصف مع هجوم على مدرسة أخرى في بيت حانون راح ضحيته 23 شهيداً، بالإضافة إلى هجومعلى مدرسة في مخيم جباليا استشهد على إثره 23 فلسطينياً.

تعليقاً على الحادث، قال المتحدث باسم الأونروا كريس غينيس Chris Gunness إن إسرائيل أُعلمت 17 مرة بأن المدرسة كانت ملجأ للنازحين، فيما دانت الأونروا استهداف مدارسها مطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.

أشارت الأونروا في تقرير نشرته في 25 يوليو الماضي أن 92 منشأة تابعة لها تعرّضت لأضرار منذ الأول من يونيو المنصرم.

ديسمبر- يناير 2009  

بعد مضي 20 يوما على عملية "الرصاص المصبوب" العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، صعدت قوات الاحتلال من عدوانها واستهدفت مجمع المكاتب الميدانية للأونروابالإضافة إلى مركز الهلال الأحمر الفلسطيني. ووفق ما صرحت به الأونروا آنذاك، فإن ما يقارب 700 فلسطيني كان يحتمي بمبانيها في حي الرمال في غرب مدينة غزة. وكانت إسرائيل قد قصفت المقرّ مرتين لتلتهم النيران مكاتب الوكالة وكل مخزونها، في وقت كان الأمين العام للأمم المتحدة يجري محادثات في إسرائيل لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار. وصف بان كي مون ضرب مقارّ الأونروا بالوحشي وقال إنه قدم احتجاجاً شديد اللهجة لوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني.

لكن الإسرائيليين استمروا في شنّ الضربات على المقارّ التابعة للأمم المتحدة، فجاء الاعتداء على مدرسة الفاخورة في مخيم جباليا بواسطة أسلحة محرّمة دولياً، راح ضحيته 44 شهيداً. وكانت المدرسة تؤوي المئات من النازحين بعدما طال القصف مناطق بيت لاهيا وجباليا. قالت الأمم المتحدة إن هذا القصف جاء رغم أنها أعطت إسرائيل إحداثيات مقارّها لتجنيبها القصف. بعد وقت قليل، تعرضت مدرسة ابتدائية ثانية في مخيم جباليا لقصف بقذيفة اسرائيلية لم يخلف ضحايا بعد اخلائها من الطلاب والنازحين. جاء قصف المدرستين بعد أيام من استهداف "مدرسة أسماء الابتدائية" في القطاع راح ضحيته ثلاثة شهداء فلسطينيين.

بعد إدانة المجتمع الدولي هذه الإعتداءات، أرغمت إسرائيل على دفع 10.5 ملايين دولار تعويضاً للأمم المتحدة على الخسائر التي تكبدتها في العملية، فيما اكتفت قيادة الجيش الإسرائيلي "بتوجيه اللوم" للضباط المسؤولين عن هذه الاعتداءات بعدما أكدت "اجراء تحقيق بـ150 حادثاً متفرقاً بينها 36 موضع تحقيقات جنائية".

ديسمبر 2002

أطلق قناص إسرائيلي النار على الانكليزي أيان هوك Iain Hook الذي كان يشغل منصب مدير لمشروع المساعدات في جنين لدى الأونروا، وثم اعترض 25 جندياً إسرائيلياً سيارة الإسعاف مانعين وصولها إلى المستشفى مما أدى إلى وفاة هوك.

اغتيل هوك الذي كان يبلغ من العمر 54 عاماً برصاصتين في صدره بينما كان يمارس عمله في مكتبه في مخيم جنين للاجئين، مشرفاً على إعادة إعمار المخيم الذي دمّرته القوات الإسرائيلية أثناء اقتحامها المدينة في العام نفسه.

طلبت الحكومة البريطانية آنذاك من الحكومة الإسرائيلية فتح تحقيق في العملية فوعد وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك ورئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو بكشف نتائج التحقيق فور ورودها، ما لم يحصل لاحقاً.

وكانت إسرائيل قد نفت أن تكون عملية القنص من على بعد 25 متراً مقصودة، مؤكدة أن الجندي الإسرائيلي اعتقد أن هوك، الذي كان يجري مكالمة لحظة قتله، فلسطينياً مطلوباً يلوح بالسلاح. قدم الإسرائيليون هذه الحجّة بعد أن ثبت عدم صوابية السيناريو الأوّل الذي قدموه وهو أن مقاتلاً فلسطينياً استخدم هوك درعاً بشريّة. شهد الموظفون العاملون في المبنى الذي حصلت فيه عملية الاغتيال على أنه لم يكن في المجمع أي مسلح بعكس الرواية الإسرائيلية.

يُعتقد أن إسرائيل اغتالت هوك بعد أن أمضى صباح ذلك اليوم وهو يحاول اقناع مسؤول الارتباط في الجيش الإسرائيلي بيتر ليرنر Peter Lerner بوقف المعارك ضد أهالي المخيم قبل أن يوجه نداءً مباشراً إلى الجنود لوقف اعتداءاتهم.

مايو- يوليو 1999

قصف الجيش الإسرائيلي مركز قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان "اليونيفيل" UNIFIL في 18 يوليو مرتين، فأسفر ذلك عن وقوع أضرار في المركز، بالإضافة إلى المباني الواقعة على بعد 22 متراً. دان الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان الاعتداء ودعا إسرائيل إلى احترام دور قوات حفظ السلام.

ووقع حادثان مشابهان في يونيو ومايو من العام نفسه. ففي 31 مايو اغتالت إسرائيل جندي اليونيفيل الإيرلندي ويليام كيديان William Kedian بقذيفة أطلقها الجيش الإسرائيلي قبل أن تقصف مركزاً آخر للأمم المتحدة في الأول من يونيو.

نيسان 1996

في الساعة الثانية بعد ظهر 18 أبريل 1996 وفي خضم الحرب الإسرائيلية على لبنان، تحت عنوان "عناقيد الغضب"، أطلقت المدفعية الإسرائيلية نيرانها على مجمع مقرّ الكتيبة الفيجية التابعة لقوة حفظ السلام الدولية. وفي ذلك الوقت، كان قد لجأ إلى مقرّ الأمم المتحدة نحو 800 مدني لبناني طالبين الحماية، فاستشهد 107 أشخاص وجرح قرابة الـ150 في ما يعرف اليوم بمجزرة قانا، وهي قرية في جنوب لبنان.

أثارت هذه المجزرة البشعة، والتي كررها الجيش الإسرائيلي بعد عشر سنوات في حرب تموز 2006 في القرية نفسها، رداً عنيفاً من الرأي العام العالمي، في حين توالت ردود الفعل الدولية المستنكرة للجريمة الإسرائيلية. أعلنت الأمم المتحدة آنذاك أن المجزرة كانت متعمدة ولم تكن "خطأ تقنياً"، واجتمع أعضاء مجلس الأمن لاستصدار قرار يدين إسرائيل لارتكابها المجزرة غير أن الولايات المتحدة أجهضت القرار باستخدام حق النقض الفيتو.

استهداف مقارّ الأمم المتحدة يُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي الذي يحميها، وبموجب هذا القانون على الدولة المعتدية أن تُحاسب في مجلس الأمن على الجريمة التي ترتكبها. غير أن إسرائيل تعمل تحت غطاء الإدارة الأمريكية التي تدعمها في مجلس الأمن، فتوقف أيّ قرار يرمي إلى محاسبتها على جرائمها باستخدام حقّ النقض" الفيتو".

اعتبرت منظمة العفو الدولية أن الهجوم الإسرائيلي على مدارس الوكالة يندرج تحت جرائم الحرب، فيما قالت المفوضة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي Navi Pillay: "يجب احترام وحماية موظّفي الإغاثة الإنسانية وكل ما يستخدم في عمليات الإغاثة بموجب القانون الدولي. وهذا يشمل مدارس الأونروا في غزة التي تُستخدم كمأوى. الهجوم على موظفي الإغاثة الإنسانية والأشياء المستخدمة حصراً لعمليات الإغاثة، هو انتهاك للقانون الإنساني الدولي، وربما يُرقى إلى جريمة حرب".

التعليقات

المقال التالي