هل يقضي الإرهاب على المسار الديمقراطي في تونس؟

هل يقضي الإرهاب على المسار الديمقراطي في تونس؟

مرّة أخرى، صُدم التونسيون بهجوم إرهابي دموي على دوريتين عسكريتين في جبل الشعانبي غرب البلاد في 16 يوليو الماضي، تسبب باستشهاد 15 عسكرياً وإصابة أكثر من 20 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. ومع تكرّر مثل هذه الهجمات التي تستهدف قوات الجيش والأمن في بعض المناطق، صار الجميع يخشى من تفاقم ظاهرة الإرهاب وما قد ينجم عنها من تهديد لأمن البلاد بشكل عام ولتجربة الانتقال الديمقراطي بشكل خاص.

فما هي مكامن الخلل التي أدت إلى تفشي الإرهاب في تونس؟ وما هي أهم الخطوات التي يجب اتباعها لمنع تأثيره السلبي على مسيرة الديمقراطية الناشئة؟

اعلان


أسباب تفشي الظاهرة

باتت حصيلة الهجمات الإرهابية التي عاشت على وقعها تونس في السنتين الماضيتين في ارتفاع متواصل، وبلغت عشرات الضحايا من قوات الأمن والجيش، إضافة إلى اغتيال وجهين سياسيين بارزين بدم بارد: هما شكري بلعيد في فبراير 2013، ومحمد البراهمي في يوليو من السنة نفسها. ولكن المتأمل في الأحداث يلاحظ أن ظاهرة الإرهاب ما كانت لتتفشى إلى هذا الحد، وأن تحصد هذا العدد الهائل من الأرواح، لولا توفر جملة من الأسباب الداخلية والخارجية التي ساهمت في نموها بشكل كبير.

داخلياً، بعد خلع بن علي في يناير 2011، ساد البلاد انفلات أمني، تزامن مع ارتفاع نسق المطالب والاحتجاجات الاجتماعية، فنتج عن ذلك ضعف واضح في أداء الجهاز الأمني، وهو ما وفر أرضية مناسبة لانتشار الفكر الديني المتشدد. وبعد انتخابات أكتوبر 2011، ووصول أحزاب الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية إلى الحكم، اتخذ هذا التراخي الأمني بعدًا أكبر، وصارت بعض مؤسسات الدولة متهمة بالتقصير في ردع الخطر الإرهابي القادم. على سبيل المثال، هاجمت مجموعات دينية متشددة في سبتمبر 2012 سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، واتهمت آنذاك وزارة الداخلية بالتقصير في صدّ المهاجمين ومنعهم من الوصول إلى السفارة. بعد يوم واحد من هذا الهجوم، ألقى سيف الله بن حسين، المُكنى أبو عياض، زعيم تنظيم أنصار الشريعة المتهم بمهاجمة السفارة، خطبة في جامع الفتح وسط العاصمة تونس. ولكن عندما طوقت قوات الأمن المكان للقبض عليه، صدرت أوامر من وزير الداخلية بعدم الاقدام على ذلك بحجة تفادي الدخول في صدام دموي مع مسانديه. بعد فترة، حمّلت وزارة الداخلية تنظيم أنصار الشريعة مسؤولية الاغتيالات السياسية والهجمات التي استهدفت قوات الأمن، وراجت أخبار عن فرار أبو عياض إلى ليبيا بمساعدة وتواطؤأطراف في جهاز الأمن.

هذا التقصير الأمني الداخلي تزامن مع ظروف خارجية ساعدت على تفشي ظاهرة الإرهاب في تونس. ومن أهم هذه الظروف، الانفلات الأمني الواسع الذي شهدته الجارة ليبيا منذ الإطاحة بنظام القذافي في أغسطس 2011، وانتشار الأسلحة التي وصل بعضها إلى أطراف تكفيرية في تونس. ومع أن وزارة الداخلية أعلنت مرات عدة أنها نجحت في إحباط مخططات تهريب أسلحة، فإن مجهودها في مقاومة الظاهرة بقي دون المأمول.

خارجياً أيضاً، وبالنظر إلى مكان وقوع أخطر الهجمات الإرهابية، وهو جبل الشعانبي المتاخم للحدود الغربية مع الجزائر، يُرجح أن عناصر تكفيرية جزائرية نجحت في التسلل إلى الجبل، وهي التي أمنت تدريبات لمقاتلين تونسيين شاركوا في تنفيذ العمليات الإرهابية، ومنهم من ينتمي إلى ما بات يُعرف بكتيبة عقبة بن نافع التي تبنّت الهجوم الأخير على الدوريتين العسكريتين.

آليات مواجهة الظاهرة

إضافة إلى الثمن الإنساني والاقتصادي الباهظ للإرهاب، قد تكون له أيضًا تداعيات سياسية خطيرة، وقد يتسبب في نسف العملية الديمقراطية برمتها. ولا يُمكن الحديث عن أي نجاح سياسي لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس ما لم يتوفر مناخ اجتماعي سليم يُساعد على الوصول إلى انتخابات نزيهة وشفافة تكفل المرور إلى وضع ديمقراطي دائم. ولذلك لم يبق أمام تونس إلا مضاعفة جهودها في مكافحة ظاهرة الإرهاب، والحدّ من تداعياتها السلبية على المسار الانتقالي، باتخاذ جملة من الخطوات المستعجلة والعمل على إنجاحها مهما كانت العراقيل.

أولاً، الإسراع في إقرار القانون الجديد للإرهاب، الذي هو الآن محل نظر المجلس الوطني التأسيسي، لما سيوفره من تحصين للأمنيين أثناء تعاطيهم مع الأعمال أو المجموعات الإرهابية.

التصدّي بجدّية أكبر لظاهرة التهريب، التي لا يمكن فصلها عن الإرهاب، وسدّ المنافذ التي قد تدخل منها الأسلحة إلى تونس عبر تشديد الرقابة على الحدود وتعزيز عمل الجمارك والفرق الحدودية بالمعدات المناسبة.

تنسيق الجهود الأمنية وتعزيز العمل المخابراتي مع دول الجوار، وخاصة الجزائر، للاستفادة من تجربتها في مكافحة الإرهاب، والتمكن من أساليب التدخل الاستباقي، وتحقيق فاعلية أكبر في العمليات الميدانية.

مواجهة الخطاب الديني المتطرف بتطبيق قانون الإرهاب لسنة 2003، في انتظار تفعيل القانون الجديد، وفرض مزيد من الرقابة على المساجد، وخاصة التي ما زالت خارجة عن سيطرة الدولة، والتي تُلقى فيها خطب تكفيرية أو فيها تحريض على العنف.

دعوة الأحزاب السياسية الكبرى ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة إلى تبني خطاب جامع يضمن مساندة شعبية واسعة لقوات الأمن، وينبذ المواقف الحزبية والسياسية الضيقة التي تغذي التفرقة الاجتماعية، ويرفض الخطاب الديني القائم على التخوين والتكفير. كما إطلاق حملة واسعة تحذر من مخاطر الانخراط في العنف، وتشجع الجميع، وخاصة الشباب، على المشاركة السياسية والمدنية السلمية الفاعلة.

ستكون هذه الإجراءات حتماً كفيلة بتقليص مخاطر الإرهاب الداهم، ولكنها تبقى غير قادرة على القضاء عليه بين عشية وضحاها. ولأن الأولوية القصوى في الأجندة التونسية تتمثل في الوصول إلى الانتخابات المقررة لنهاية هذه السنة، وإرساء نظام ديمقراطي دائم، سيتعين على النظام السياسي المقبل بذل مزيد من الجهد للقضاء على الإرهاب، ولن يكون ذلك متاحاً إلا بالعمل على تجفيف منابعه، والحزم في التعامل مع مسبباته الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

التعليقات

المقال التالي