مناورات نووية بين طهران وواشنطن

مناورات نووية بين طهران وواشنطن

"إن النص الذي أمامنا تم الاتفاق بشأن 60 إلى 70 بالمائة منه"، قال، قبل أيام قليلة، أحد كبار المفاوضين الإيرانيين على الملف النووي الإيراني، نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. هذا ليس كافياً للتوصل إلى اتفاق فالنسبة المتبقية والمختلف عليها هي التي ستحدّد مستقبل إيران كقوة نووية. لذلك تعذّر الاتفاق واتجهت الأمور نحو تمديد مهلة المفاوضات.

في الأيام الأخيرة، بدأت عملياً عملية كتابة مسودة الاتفاق النهائي بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والمانيا). كتابة المسودّة هي أسهل ما في المسار المعقّد لأن الصعوبات الأساسية تكمن في الاتفاق على ما ستتم كتابته. الشيطان يكمن في التفاصيل وهناك تفاصيل كثيرة لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها. لذلك تقرّر تمديد المفاوضات، وهي إمكانية أشار إليها اتفاق جنيف الذي تم التوصل إليه في 24 نوفمبر الماضي.

اعلان


إيجابية غير كافية

بعد عودة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري John Kerry إلى بلاده وإطلاعه الرئيس باراك أوباما على آخر المستجدات في ما خصّ المفاوضات، أصدر البيت الأبيض بياناً أشاد فيه بسلوك إيران على مدى الأشهر الستة الماضية. ولكن التفاؤل بالسلوك الإيراني لم يصل إلى حدّ التوصّل إلى اتفاق نهائي.

بداية الشهر الحالي شهدت سجالاً صحافياً غير مباشر بين كيري وبين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. في صحيفة "واشنطن بوست" Washington Post، كتبوزير الخارجية الأمريكي مقالاً أشار فيه إلى أنه "لا تزال هناك فجوات بين ما يقول مفاوضو إيران إنهم مستعدون لفعله، وما يجب أن يفعلوه لتحقيق الاتفاق الشامل". تحدث عن أن تصريحات المفاوضين الإيرانيين العلنية المتفائلة تختلف عن "مواقفهم خلف الأبواب المغلقة". في المقابل، كتب ظريف مقالاً في صحيفة "لوموند" Le Monde الفرنسية تمنّى فيه ألا تؤدي "أوهام" البعض حول البرنامج النووي الإيراني إلى فشل مسار المفاوضات.

التباينات بين المتفاوضين منعتهم من التوصل إلى اتفاق على الرغم من الزخم الأوروبي الديبلوماسي المتمثل بمشاركة وزراء خارجية أمريكا، ألمانيا، فرنسا وبريطانيا في جولة المفاوضات الأخيرة التي انعقدت في فيينا.

بالنسبة للأمريكيين، هم يريدون "التأكد من أن إيران لن تقوم بتطوير السلاح النووي وأن برنامجها سلمي"، على ما أشار كيري لافتاً إلى وجود "بعض الفجوات الكبيرة للغاية" بين الطرفين. "هذه مفاوضات صعبة. الإيرانيون متمسكون بمواقفهم ويعرفون احتياجاتهم ونحن أيضاً نعرف ما هي احتياجاتنا"، قال وزير الخارجية الأمريكي.

أما بالنسبة للإيرانيين فهم يؤكدون أنهم سيبذلون كل الجهد اللازم للتوصل إلى "حل منطقي ودائم". إيران تؤكد أنها مستعدة لاتخاذ خطوات ملموسة لضمان بقاء برنامجها النووي سلمياً، لكنها في الوقت نفسه "لن تركع خضوعاً" لأحد، بحسب تعبير ظريف الذي أكد أنه "لن نقبل اتفاقاً بأي ثمن، إذ نصرّ على نيل حقوقنا".

"إن استراتيجيتنا تقوم على مبدأ ربح - ربح إلا أن العدو إذا أراد الاستمرار في سياسة الأطماع فإن العالم يدرك أن مسؤولية الانهيار الاحتمالي للمفاوضات تقع على عاتق من يعتمد هذه السياسة"، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني. يرفض الإيرانيون ربط المفاوضات حول سلمية البرنامج النووي الإيراني بمسائل أخرى مثل حقوق الإنسان والصواريخ الباليستية الإيرانية كما يرفضون التصريحات الغربية التي تتحدث عن "بقاء الخيار العسكري على الطاولة".

إيران والعقوبات

قبل فترة، أكد الرئيس روحاني أن "كأس العقوبات تحطم ولن يكون بإمكان أحد أن يعيد الوضع إلى ما كان عليه". يطالب الإيرانيون برفع العقوبات الدولية المفروضة عليهم منذ عشر سنوات، فور توقيع الاتفاق النهائي. في المقابل، تتحفظ القوى الغربية على هذا الطرح وتقترح رفعاً تدريجياً للعقوبات يسير بالتوازي مع تنفيذ إيران لتعهداتها، ما يعني أن رفع كامل العقوبات قد يستغرق سنوات عدّة.

"لو أرادت الدول الست أن تتخذ إيران خطوات ثابتة، عليها أيضاً أن تتخذ هذه الخطوات وتلغي كل العقوبات"، قال عباس عراقجي. ولكن هناك أصواتاً محافظة في إيران تعتبر أن التوصل إلى اتفاق مع الغرب مستحيل. ولذلك تشير إلى أنها ستدّعي الحرص على استمرار المفاوضات للاستفادة من تخفيف الحظر الاقتصادي المفروض على إيران. ففي 19 فبراير قال القائد العام للحرس الثوري الإيراني، الجنرال محمد الجعفري: "علينا الالتزام بالصمت لأن المفاوضات حساسة للغاية والهدف هو تقليص الضغط الاقتصادي على الناس وهذا مهم جداً... إن هذا هو السبب الذي يدفعنا إلى المواصلة في هذا الشأن بحذر".

في الداخل الإيراني، يؤكد مرشد الثورة الإسلامية في إيران، علي الخامنئي، في تصريحاته العلنية، مساندته حكومة الرئيس حسن روحاني. "على الجميع أن يعلموا أنني أدعم حكومته وأستخدم كل سلطتي لمساعدتها. وأثق بوفدنا التفاوضي وأنا متأكد أنه لن يفرّط بحقوق الأمة"، قال. ولكن هذا الدعم لم يمنع بعض المحافظين المتشددين من انتقاد المفاوضات. في فبراير الماضي، اتهم عضو اللجنة البرلمانية للأمن القومي، جواد كريمي قدوسي، فريق التفاوض الإيراني بأنه "لا يصر على حق إيران النووي". الخامنئي نفسه سبق أن قال: "أنا لست متفائلاً إزاء المفاوضات وهي لن تؤدي الى نتيجة، لكنني لا أعارضها". ولكن الرئيس روحاني يواجه هذا التيار ووصل به الأمر إلى وصف معارضي الاتفاق النووي بأنهم "غير متعلمين وأميين يتم تمويلهم من جهات خاصة".

اليمين الإيراني يحاصر فريق المفاوضين. كذلك تحاصر بعض الأصوات الرئيس الأمريكي. السيناتور الجمهوري مارك كيرك Mark Kirk  كان قد أشار إلى أن هدف المفاوضات هو "تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية"، ومن المعروف أن هذا السقف أعلى من سقف حكومة بلاده. هذه التباينات هي من أسباب تأجيل المفاوضات، فكلا الفريقين غير قادرين على تسويق اتفاق لا يستجيب للحد الأدنى من مطالب معارضيهما الداخليين كما أن أمريكا تريد الاستجابة للهواجس التي تطرحها إسرائيل.

العقدة الأساسية

العقدة الأساسية في المفاوضات الجارية هي مسألة القدرة الإيرانية على تخصيب اليورانيوم. إن تمكنت إيران من امتلاك قدرة عالية فإنها ستمتلك القدرة على تصنيع قنبلة نووية إذا أرادت ذلك. فرض اتفاق جنيف على إيران تخفيض تخصيب مخزونها من اليورانيوم المخصب، وقد أوفت بتعهداتها، ولكنه لم يتحدث عن مستقبل القدرة الإيرانية على التخصيب.

في المفاوضات، يتجسّد هذا السجال بمسألة أجهزة الطرد المركزي التي تمتلكها إيران. تمتلك إيران حالياً 19 ألف جهاز. وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس Laurent Fabius تحدث عن قبول احتفاظ إيران "ببضع مئات" من أجهزة الطرد المركزي لا أكثر. واشنطن تتحدث عن حصر القدرة الإيرانية بأجهزة قادرة على انتاج 10 آلاف وحدة عمل فاصلة. وحدة العمل الفاصلة "تمثّل قدرات أجهزة الطرد المركزي في الفصل، فنحدّد التخصيب على أساس وحدة عمل فاصلة، لا عدد أجهزة الطرد أو نوعها" وهو تحديد أدقّ لأن قدرات أجهزة الطرد المركزي مختلفة.

بعد معلومات تم تسريبها وتتحدث عن إبداء المفاوضين الإيرانيين بعض المرونة، وإن وُصفت بأنها غير كافية، خرج السيّد علي خامنئي ليتحدث، على غير عادته، علناً عن بعض تفاصيل المفاوضات. قال إن بلاده تحتاج إلى 190 ألف وحدة عمل فاصلة لتأمين الوقود لتشغيل محطة بوشهر، وإذا كانت قدرات أجهزة الطرد نحو 10 وحدات عمل فاصلة، نحتاج إلى 19 ألف جهاز". متى تريد إيران الحصول على هذه القدرة؟ تقبل إيران بالتفاوض على المدة. السيد الخامنئي قال: "ربما ليس هذا العام أو خلال سنتين أو 5 سنوات، لكن هذه حاجة البلاد المطلقة". من جانبه، لمّح ظريف إلى أن طهران يمكن أن تحتفظ ببرنامج التخصيب عند مستوياته الحالية لفترة تصل إلى سبع سنوات، قبل أن تطوّره.

ملفات عالقة

أبرز الملفات الأخرى العالقة تتعلّق بمفاعلات نتانز، فوردو وآراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة. بالنسبة لمنشأة فوردو، يقول السيد الخامنئي أن مطالبة الغرب بإقفالها هو أمر مضحك. رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي أشار إلى 3 اقتراحات عرضتها بلاده في شأن المنشأة، أولها أن"تكون مركز بحوث وتطوير ودعم لمنشأة ناتانز" للتخصيب؛ ثانيها، قدّمته روسيا وينصّ على "استخدام المنشأة لإنتاج نظائر (تُستخدم في علاجات طبية)، وهذا يحتاج إلى أجهزة طرد مركزي"؛ وثالثها، يتمثّل في "تحويل المنشأة مركزاً لإجراء اختبارات فيزيائية وحول إشعاعات الفضاء، ما قد يتيح الاستفادة منه دولياً".

بالنسبة لمفاعل آراك، وهو يعمل بالماء الثقيل ويمكنه لدى استكمال تشييده أن ينتج بلوتونيوم يكفي لصنع قنبلة ذرية، تؤكد طهران أن بناءه خضع لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وليس له هدف سوى إجراء الأبحاث الطبية. تقبل إيران بتغيير مهمة المفاعل والحد من البلوتونيوم الذي سينتج. وبالنسبة لمنشأة ناتانز، تطالب المجموعة الدولية باقفالها.

تبقى مسألة أساسية وهي التأكد من سلمية البرنامج النووي بشكل عام. أمريكا ترغب بطرح مسألة الصواريخ الباليستية الإيرانية على بساط المفاوضات ولكن إيران ترفض مناقشة نشاطاتها العسكرية في إطار المفاوضات الجارية. مسألة التحقق من الأبعاد العسكرية المحتملة للبرنامج النووي الإيراني تم إيكالها إلى"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" وهي حالياً تعمل على تنفيذ سلسلة من تدابير الشفافية للتحقق من الطبيعة السلمية البحتة للبرنامج.

المتفاوضون قطعوا شوطاً هاماً في التفاوض على بعض هذه المسائل العالقة ولكن لا يُعرف إلى أين وصلوا بسبب التكتم على ما يدور خاصة أن جزءاً كبيراً من عملية التفاوض يجري بشكل ثنائي بين إيران وأمريكا. في النهاية، سيتم تمديد المفاوضات وعندها سيشعر المفاوضون أن المهلة المعطاة لهم لا تستمر إلى الأبد، ما قد يدفعهم إلى تقديم مزيد من التنازلات المتبادلة.

التعليقات

المقال التالي