استقلال كردستان، الحلم المستحيل

استقلال كردستان، الحلم المستحيل

"لا يمكننا أن نظل رهائن للمجهول، آن الأوان لكي يحدد الأكراد هويتهم ورسمهم لمستقبلهم"، قال رئيس إقليم كردستان العراقي مسعود البرزاني ملوّحاً باستقلال الإقليم. نجح البرزاني في رفع منسوب الشعور القومي الكردي، ولكن في ظلّ التعقيدات الداخلية والإقليمية للأزمة العراقية الحديثة يبدو أنه أخطأ في حساباته.

في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" CNN نعى البرزاني التجربة التي أقامها العراقيون بعد إطاحة الرئيس الأسبق صدام حسين واعتبر أن العراق يتهاوى والحكومة المركزية فقدت السيطرة على كل شيء. "قمنا بكل ما نستطيع القيام به على مدى الأعوام العشرة الماضية لبناء عراق ديموقراطي، إلا أنّ هذه التجربة وللأسف لم تنجح"، قال مضيفاً أنه على "شعب كردستان أن يحدد مستقبله ونحن سنلتزم بقراره".

اكتمال كردستان العراق بكركوك

التوسّع المفاجئ لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) في شمال العراق حقّق على الأرض بعض مطالب الأكراد. سيطر جيش إقليمهم، قوات البشمركة، على عاصمة الأجداد أو "قدس إقليم كردستان العراق" كما يسمّيها الرئيس العراقي جلال الطالباني، مدينة كركوك، وعلى مساحات واسعة من المحافظة المسمّاة باسمها فارضين سيادتهم على أرض تختزن احتياطات نفطية ضخمة.

قبل ذلك، كان مصير المدينة التي يتوزّع سكّانها على ثلاث قوميات رئيسية: تركمان، وأكراد وعرب، مثار سجال سياسي بين القوى السياسية الكردية التي تطالب بضمّها إلى إقليم كردستان وبين الحكومة المركزية. الحلّ المؤقّت للأراضي المتنازع عليها قضى بانتشار البشمركة على حدودها الشمالية والشرقية وانتشار قوات الجيش العراقي على حدودها الجنوبية والغربية. أما الأمن داخل المدينة فقد تولّته الشرطة العراقية بمؤازرة الشرطة الكردية "الأسايش".

"إذا اضطر الأمر سنجلب جميع قواتنا للحفاظ على كركوك وجميع مكوناتها"، قال البرزاني أثناء زيارته للمدينة بعد سيطرة البشمركة عليها. وأضاف: "إذا اقتضى الأمر سأحمل السلاح بنفسي للدفاع عن كركوك وأهلها". "ولّت الأيام التعيسة لكركوك، فكركوك تنتظرها أيام جميلة وهادئة"، أكّد محاولاً طمأنة سكّان المدينة من غير الأكراد الذين عانوا، عام 2003، من دخول البشمركة بطريقة فجّة إلى المدينة بعد يوم من سقوط نظام صدّام حسين.

السعي إلى الاستقلال

قبل الأزمة العراقية الجديدة لم تكن العلاقات التي تربط بغداد بأربيل على أحسن ما يرام. فالخلاف بينهما كان محتدماً على خلفية إدارة الحقول النفطية المكتشفة في إقليم كردستان وعلى خلفية عمل الحكومة المحلية على تصدير النفط من دون المرور بالسلطة المركزية.

ولكن بعد هجوم "داعش" وسيطرتها على مساحات واسعة من أراضي العراق، تعقّدت الأزمة أو بالأحرى تغيّر شكلها استناداً إلى المعطيات الجديدة. الهجوم أوجد "واقعاً جديداً وعراقاً جديداً"، قال البرزاني قبل أن يعلن أن الأكراد سينظمّون استفتاء في كردستان، في غضون أشهر، مطالباً البرلمان المحلي في أربيل بـ"الاستعجال في المصادقة على قانون تشكيل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لكردستان" و"إجراء الاستعدادات لبدء تنظيم استفتاء حول حق تقرير المصير".

في المقابل اعتبر رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي أن ما يردده "المتمردون على الدستور" هو "تقسيم خاطئ لا يعبر عن أدنى مسؤولية وطنية وهو محاولة لاستغلال ما تتعرض له البلاد من هجمة إرهابية لتحقيق مكاسب سياسية فئوية ضيقة".

الاستقلال والدستور

تقول ديباجة الدستور العراقي: "نحن شعب العراق الذي آلى على نفسه بكل مكوناته وأطيافه أن يقرر بحريته واختياره الاتحاد بنفسه". هذا النص دفع المالكي إلى القول للأكراد: "انتم اخترتم وبنص الدستور أن تكونوا جزءاً من العراق الذي نظامه ديموقراطي اتحادي فدرالي... ولا يوجد في دستورنا شيء اسمه تقرير المصير... لا يجوز أي عمل آخر، لا استفتاء ولا غير استفتاء، إلا بعد تعديل دستوري". أما البرزاني، فيعتبر أن الأكراد صبروا عشر سنين مع الحكومة الاتحادية لحل مشاكل المناطق المتنازع عليها، وفق المادة 140 من الدستور، ولكن من دون جدوى.

الحلّ الدستوري للأراضي المتنازع عليها نظّمته المادة 140 التي تحيل إلى المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، والتي تنص على مجموعة خطوات تمهّد لاستفتاء سكان الإقليم على مصيرهم. كان ينبغي أن تطبّق هذه المادة عام 2007 ولكن الخلافات بين أطراف النزاع حالت دون ذلك. حالياً، يرى رئيس إقليم كردستان أن "المادة 140 قطعت شوطاً كبيراً وأنجزت ولم يبقَ سوى أن يقرر سكان هذه المناطق مصيرهم" ويؤكد أن البشمركة لن تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

إضافة إلى نيّة الأكراد إعلان استقلال الإقليم، يخططون لزيادة صادراتهم بما في ذلك ضخّ النفط من حقول استولى عليها مقاتلوهم حديثاً. ينوون ربط حقول كركوك بخط الأنابيب المنفصل الذي يديرونه، ويصل إلى ميناء جيهان في تركيا.

أبعد من العراق

أول المواقف المرحّبة باستقلال الأكراد أتت على لسان مسؤولين إسرائيليين كرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو Benyamin Netanyahou، الرئيس شيمون بيريز Shimon Peres ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان Avigdor Liberman. في المقابل صدرت مواقف عربية رافضة أبرزها موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

كل هذا لا يهم أمام المواقف ذات التأثير. الأمريكيون يرفضون "استغلال هذه الأزمة من خلال آليات خارج الإطار الدستوري والقانوني"، على ما جاء في بيان صادر عن السفارة الأمريكية في بغداد. نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، اعتبر أن "الحديث عن استقلال كردستان العراق ستكون نتيجته عودة كردستان إلى ما قبل عقود عدة، وإننا لفتنا انتباه مسؤولي كردستان إلى هذا الموضوع بشكل ودّي وأخوي". لا يريد الإيرانيون عيش تجربة ولادة جمهورية كردية على حدودهم تذكّرهم بـ"جمهورية مهاباد" التي أنشأها الأكراد الإيرانيون عام 1946 بدعم من الاتحاد السوفياتي ولم تعش طويلاً. يعرفون خطر جمهورية كهذه على وحدة بلادهم التي تضم حوالى 5 ملايين كردي، وحيث ينشط "حزب الحياة الحرّة" المطالب باستقلال أكراد إيران. سياسياً يعمل الإيرانيون على إنشاء كتلة كردية رافضة لاستقلال الإقليم مكوّنة من الحزبين المنافسين لحزب البرزاني، "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، أي من "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة الرئيس جلال طالباني و"حركة التغيير" بزعامة نوشيروان مصطفی.

تركيا تواجه ذات الإشكالية التي تواجهها إيران. لذلك، قال نائب رئيس الوزراء بولنت ارينتش Bülent Arinç: "يجب ألا ينقسم العراق". برغم رفضهم القاطع لولادة جمهورية كردية على حدودهم، يمتنع القادة الأتراك عن إطلاق تصريحات قد تؤثر على مسار محادثات السلام مع "حزب العمال الكردستاني" علماً أنهم مسرورون مؤقتاً برؤية الأزمات التي تعصف بجارهم العراقي وبالنفوذ الذي يمتلكونه حالياً في ساحة الأكراد العراقيين. أكراد تركيا يحتفظون بعلاقات جيّدة مع إيران ويتوجسون من العلاقة التي تربط البرزاني بحزب العدالة والتنمية خاصة أن الأخير يحاول التأثير سلباً على قاعدتهم الشعبية مستعيناً بالبرزاني. رضا ألتون، القيادي في "حزب العمال الكردستاني"، يعتبر أن ما يجري حالياً في العراق هدفه توريط إيران ويتحفّظ عن سعي أكراد العراق إلى إعلان الاستقلال، مذكّراَ بأن "الهدف الأساسي للأكراد هو الحرية، والدولة لا تعني الحرية، الدولة عبارة عن عبودية لا أكثر".

موقف الأكراد السوريين شبيه بموقف الأكراد الأتراك. حزبهم الرئيسي "حزب الاتحاد الديموقراطي" هو حليف لحزب العمال الكردستاني ويخوض صراعاً ضد محاولات البرزاني المتكررة للتأثير في الساحة الكردية السورية. حالياً تشغله معركة قاسية ضدّ هجوم مسلّحي "الدولة الإسلامية" على ريف مدينة كوباني (عين عرب)، ثالثة كبرى المدن الكردية السورية الواقعة في منتصف منطقة "روجافا" (كردستان سوريا).

الأكراد يفاوضون؟

قرار الأكراد بالعمل على استقلال الإقليم لم يجر في إطار حوار وطني مع باقي المكوّنات العراقية. حتى الآن لم نسمع أصواتاً وازنة تؤيد مساعيهم بل تكثر المواقف التي تطالب باحترام وحدة العراق. على سبيل المثال، اعتبر ممثل المرجع الشيعي علي السيستاني، الشيخ عبد المهدي الكربلائي، أنه "لا ينبغي أن يفكر البعض بالتقسيم حلاً للأزمة الراهنة". معارضو المسعى الكردي المستجدّ يحذّرون من آثاره المستقبلية على العلاقات بين الأكراد وباقي مكوّنات الشعب العراقي. يتحدثون عن انسحاب الأكراد من المشاكل العراقية في لحظة أزمة. "إن ذلك سيضرّ بكم وسيلقي بالإقليم بمتاهات لا تخرجون منها"، قال المالكي لـ"الشعب الكردي المظلوم".

ولكن هناك احتمال قوي يشير إلى أن إعلاء الأكراد لسقف مطالبهم يهدف إلى لعب دور أساسي في رسم التوازنات العراقية الجديدة بعيداً عن رئاسة المالكي للحكومة. ففي رسالة وجهها البرزاني إلى السيستاني، حذّر من "أن بقاء المالكي في السلطة سيتسبب في تقسيم العراق" وطالب بـ"ضرورة معالجة الوضع العراقي سياسياً". يشير البرزاني إلى أن سلطوية المالكي وعدم احترام الدستور "وضعنا في مسارٍ آخر يتطلب إعادة الاعتبار للاستحقاقات الدستورية والتوافقات التي تعاهدنا عليها". بعبارة أخرى يحارب البرزاني على تفسير الدستور بشكل يرضي أكراد العراق. قال صراحة إن "الالتزام بالدستور يحمي وحدة أراضي العراق".

لا شك في أن البرزاني يعرف العوائق التي تمنعه من تحقيق "حلم" الأكراد بجمهورية مستقلة. وهو يعرف أن العوائق ليست فقط عراقية أو دولية بل بعضها يتأتى من اختلافات المصالح بين الأكراد الموزعين على دول أربع. وإن كان يستطيع التذرّع بالوحدة العراقية ليمتنع عن دعم أولاد عمّه في حلّ مشاكلهم فإن استقلال الإقليم، على عكس ما يبدو للوهلة الأولى، سيضعه في موقف ضعيف جداً.

التعليقات

المقال التالي