المصريون ينقلبون على غزة

المصريون ينقلبون على غزة

"غزة إيه ونيلة إيه بلا غزة بلا مصيبه بلا هباب". هجوم شرس على غزة شنّه الكثير من الإعلاميين في مصر وعلى رأسهم "توفيق عكاشة"، الذي قد يعده البعض "مهرجاً" لكن يملك جمهوراً لا يستهان به، ويعبّر عن نسبة ليست بالقليلة من المصريين.

حين شّنت إسرائيل هجومها الشهير على قطاع غزة سنة 2008، في عملية عرفت باسم "عناقيد الغضب"، استشاط الشارع المصري غضباً وملأت المظاهرات كل الميدان وكان الهتاف الأعلى "مش حنسيب أهالينا في غزة". اليوم، يتكرر الفعل وينعكس رد الفعل، فإسرائيل تقصف غزة لكن الشارع المصري لم ينتفض. لا الميدان امتلأ بالغاضبين ولا المظاهرات سارت.

اعلان


منذ تأسست حماس في العام 1987 على يد أحمد ياسين، والكثيرون ينظرون إليها باعتبارها حركة المقاومة الأبرز في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب حزب الله في لبنان بقيادة السيد حسن نصرالله. ظلت شعبية الحركتين في ازدياد في الشارع المصري وكانت صور حسن نصرالله وخالد مشعل والشيخ ياسين تباع على الأرصفة باعتبارهم نجوماً ورموزاً.

حين تولّت حماس السلطة في فلسطين سنة 2006، تخوف الكثيرون من هذه النقلة النوعية مستندين إلى أن حسابات السلطة تحدّ من جسارة المقاومة، حتى إن الصحافي البارز محمد حسنين هيكل قال يومها "حماس انتهت". مع ذلك، ظلّ الشارع المصري على تعاطفه مع حماس، وما تمثله من فكرة المقاومة التي كادت تتلاشى نهائياً.

مرّت السنوات وتعرضت غزة لضربات إسرائيلية موجعة (أمطار الصيف 2006، غيوم الخريف 2006، الشتاء الساخن 2008، الرصاص الممصبوب 2008، عمود السحاب 2012) وظل الشارع المصري مسانداً لفلسطين ولمقاومة حماس. مع كل ضربه، كانت المظاهرات تملأ الشوارع، والكل يتبارى للمساندة سواء بالتبرع أو بالضغط على الحكومة المصرية لفتح المعابر أو حتى بالإدانة والشجب.

لكن في يونيو 2012، صعد الإخوان المسلمون لسدة الحكم في مصر وأصبح محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب يحكم البلاد. احتفاء مرسي بحماس وقياداتها كان ملحوظاً، وتعامله معهم كان تعامل الحليف.

دارت الأيام دورتها، وانقلب المصريون على جماعة الإخوان المسلمين، وقد ساهمت في ذلك رغبة جلية للإخوان في "التكويش" على كل روافد البلاد، متزامنة مع رفض أجهزة الدولة ورجال المال التعاون معهم، مما أسفر عن نهاية حكمهم في 30 يونيو فيما سمّوه هم انقلاباً واعتبره آخرون ثورة

سقوط الإخوان كان له تداعياته على العلاقات المصرية- الفلسطينية، وبالتالي على الموقف الشعبي المصري من قضية  فلسطين. ففي معرض الحرب الدائرة ضد الإخوان المسلمين في مصر، انبرت آلة الإعلام لتسوق أن حماس (حليف مرسي) هي المسؤولة عن العمليات الإرهابية الحادثة في سيناء، وتم الترويج لفكرة أن فتح السجون وتهريب المساجين كان على يد عناصر من حماس. ازداد الشحن ضد الإخوان ثم خرج المحللون من كل صوب مؤكدين أن الجنود المصريين قتلوا على يد حماس.

نتائج هذا الشحن هو ما تجلّى في الشارع المصري طوال الأيام الماضية منذ بدأ القصف الإسرائيلي على قطاع غزة. لم تخرج مظاهرة واحدة حاشدة في مصر تندد بالعدوان، باستثناء وقفة احتجاجية على استحياء هنا، أو مسيرة محدودة هناك. الأمر الذى دعا "خالد السيد" عضو ائتلاف شباب الثورة، إلى أن يشكر من ساهم في مسيرة التضامن مع غزة على صفحته على فيسبوك قائلاً "تحية لكل من شاركونا اليوم مسيرة التضامن مع غزة وتحية لكل من تجرأ وكسر فكرة حصار التظاهرات".

التباين في الموقف المصري بين هجوم 2008 واليوم لم يقتصر على الموقف الشعبي فحسب بل طال الموقف الرسمي الذي بدا أكثر تحفظاً من المعتاد، فالمتحدث الرسمي لوزارة  الخارجية المصرية عبّر عن قلق مصر الشديد من استمرار تصاعد الأوضاع في الأراضي الفلسطينية مطالباً الجميع بضبط النفس والابتعاد الكامل والفوري عن أعمال "العنف ألمتبادل".

أما الشرطة فكانت أكثر هجوميةً، وقد ظهر ذلك عبر موقف الجهاز الإعلامي لوزارة الداخلية المصرية، الذي كتبه على صفحته على فيسبوك "من يطالبوننا الآن بحماية ودعم غزة هم من قتلوا جنودنا في الشهر الكريم على الحدود. عفواً لن ننسى شهداء مصر". التزمت الرئاسة المصرية من جانبها الصمت.

وكالعادة، شهدت صفحات التواصل الاجتماعي انقساماً ملحوظاً. ففي حين انبرى البعض في انتقاد الفلسطينيين وحماس متهمين إياهم بالخيانة وبيع الأرض ومحاولة توريط مصر في الحرب، يرى الفريق الآخر أن الموقف المصري الرسمي والشعبي هو موقف مخزٍ، ففلسطين ستظل دوماً جزءاً من الأمن القومي المصري وفق ما يرى هؤلاء.

هجوم اعلامي مصري على غزة

أياً كانت الأسباب والدوافع، من الواضح أن الموقف المصري من القضية الأهم في العالم العربي تغير بشكل لم يكن ليتخيله أحد. فمن كان يتوقع أن ينقلب المتعاطف لشامت والمؤيد لمحرض في دولة وصفت على الدوام بأنها "قلب الأمة العربية".

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي