غزة، حرب شاملة لتفادي انتفاضة سلمية ثالثة

غزة، حرب شاملة لتفادي انتفاضة سلمية ثالثة

"الطائرات ألقت، عبر مئات الغارات على أماكن في قطاع غزّة، أكثر من 400 طن متفجرات"، قال قائد عسكري إسرائيلي كبير متفاخراً بعزم حكومته. الفصل الأخير من الحرب الإسرائيلية الفلسطينية، والذي بدأ من الضفة الغربية، يقترب من الوصول إلى قرار باجتياح غزّة.

البداية من الضفة

في 13 يونيو الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي إطلاق حملة عسكرية - أمنية للبحث عن ثلاثة مستوطنين تمّ أسرهم بالقرب من منطقة الخليل في الضفة الغربية. وفّر اختطاف مستوطنين أنسب ذريعة للسلطات الإسرائيلية لكي تخرج من عزلتها الدولية. فإسرائيل التي امتعضت من تشكيل حكومة وحدة فلسطينية تجمع كلاً من حركتي فتح وحماس، لم تجد آذاناً صاغية في المجتمع الدولي لرفضها مشاركة حماس في الحكومة الفلسطينية. بعد هذه العملية صار بإمكان إسرائيل لا دعم دعايتها الإعلامية التي تصف حماس بالإرهاب فقط، بل العمل على الأرض لضرب الحركة وحكومة الوحدة الوطنية.

هكذا، سارعت إسرائيل إلى اتهام حركة حماس بتنفيذ العملية وشنّت حملة أمنية واسعة في الضفة الغربية لم يُشهد لها مثيل منذ العام 2001 حين شنّت عملية سمّتها "السور الواقي". وعلى الرغم من نفي حماس أيّ صلة لها بما حدث، قامت إسرائيل بأعمال الدهم والتفتيش من جنين إلى الخليل مروراً بنابلس ورام الله وبيت لحم واعتقلت مئات الفلسطينيين منهم عشرات كان قد تمّ تحريرهم في صفقة الإفراج عن الجندي جلعاد شاليط. قامت بذلك بحجة البحث عن معلومات تساعدها على تحديد مكان المخطوفين الثلاثة.

قبل العثور على جثثهم، في اليوم التاسع عشر لاختفائهم، حمّلت اسرائيل السلطة الفلسطينية المسؤولية عن عملية الخطف كون المرتكبين انطلقوا من أراضٍ خاضعة لسيطرتها. رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هدّد بتقييد حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية وزيادة النشاط العسكري الإسرائيلي فيها والمسّ بمكانة السلطة اقتصادياً ودولياً كما دعا السلطة الفلسطينية إلى فكّ تحالفها مع حماس.

لمنع اسرائيل من التمادي في استثمار عملية الخطف، قال الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس: "المستوطنون المفقودون في الضفة بشر مثلنا، وعلينا البحث عنهم وإعادتهم إلى عائلاتهم، ومن قام بهذا العمل يريد تدميرنا، ولذلك سيكون لنا موقف منه مهما كان، لأننا لا نستطيع مواجهة إسرائيل عسكرياً"، منتقداً بوضوح منفّذي هذه العملية. عباس أكّد التزام الحكومة بالتنسيق الأمني مع اسرائيل بحثاً عن المنفّذين، فاستدعى ذلك ردود فعل معارضة لتصريحاته كاعتبار عضو المجلس التشريعي، الحمساوي يحيى موسى، أن "هذا الكلام معيب لا يصحّ ولا يستقيم".

استغل الجيش الاسرائيلي الفرصة "لمعالجة جذرية للبنى التحتية لحماس في منطقة الخليل" و"لبثّ الفرقة بين حركتي حماس وفتح". في المصطلحات العسكرية، يسمّي الإسرائيليون هذا الأمر "جزّ العشب" أو "تنظيف الاصطبلات"، أي إضعاف "العدو" وضرب ما راكمه من قدرات عسكرية.

عين اليمين على غزّة

منذ بداية الحملة العسكرية الإسرائيلية على الضفة، لم تسلم غزّة. فبدأت الطائرات والزوارق الحربية باستهداف قياديين عسكريين ومواقع تابعة لحماس ولفصائل أخرى. أكّد وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون أن حماس "ستدفع ثمناً باهظاً".

بعد أيام من بدء العملية الإسرائيلية، ثار خلاف داخل المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر بين مطالبين بتقليص النشاطات العسكرية الجارية في الضفة الغربية، وبين مطالبين بتوسيعها لتشمل قطاع غزّة. دعاة التهدئة مثّلهم وزير المال يائير لبيد Yair Lapid ووزيرة العدل تسيبي ليفني Tzipi Livni ووزير الدفاع موشي يعلون Moshe Yaalon. أما دعاة الحرب فقد مثّلهم بعض صقور الليكود كجلعاد آردن Gilad Erdan ووزير الاقتصاد نفتالي بينت Naftali Bennett زعيم "البيت اليهودي" ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان Avigdor Liberman زعيم حزب "إسرائيل بيتنا". اعتبر بينت أن لا وجود للفلسطيني المعتدل واتهم الرئيس عبّاس بأنه "ميغا تيروريست" (إرهابي كبير). نائب وزير الدفاع داني دانون Danny Danon، من "الليكود" رأى أنه "إذا كان الإرهاب يجد ملاذاً داخل السكان الفلسطينيين، فإن على هؤلاء السكان أن يدفعوا الثمن".

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أكّد أن "حماس مسؤولة، وحماس ستدفع الثمن"، ولكنه كان يشدّ باتجاه عدم إيصال الأمور إلى حرب واسعة. ما إن تقلّصت العمليات العسكرية في الضفة تم توسيع الحملة على قطاع غزّة. الفصائل الفلسطينية المسلّحة ردّت باستهداف المستوطنات القريبة بصواريخ قصيرة المدى لم تتسبّب بوقوع ضحايا. وفي ظل غياب وسيط قادر على التواصل مع الطرفين تدحرجت الحرب. الفلسطينيون لم يستطيعوا تلقي ضربات دون أن يردّوا. وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون أكّد أن "تنقيط الصواريخ غير مقبول لدينا".

برغم تأكيد إستطلاعات الرأي على أن 47% من الإسرائيليين يرفضون شنّ حرب بريّة على غزّة، فإنّ قوى اليمين المتطرّف أرادت استغلال الأزمة لكسب تأييد الفئات اليمينية وهي أكثرية الإسرائيليين في هذه الأيام. في المقابل، يرفض "المعتدلون" الوصول إلى حرب شاملة ملبّين طموحات سكان المدن الإسرائيلية الرافضين آثار الاستيطان على استقرار حياتهم، ومحققين رغبة الجيش الإسرائيلي الذي يحذّر من أن موازنته العسكرية لا تكفي لشنّ حرب. طالب الوزير بينت بردّ عنيف وشديد ضد حماس وهدّد أردان بأنه "إذا كان الرد ضعيفاً فإنه سيزيد فرص أن يأخذ المستوطنون القانون بأيديهم".

الحرب أفضل من مواجهة انتفاضة

انتفض الشارع الفلسطيني في الضفة وغزّة وفي الداخل الإسرائيلي حين اكتشاف جريمة قتل مجموعة من المستوطنين للطفل محمد أبو خضير من سكان حيّ شعفاط في القدس الشرقية المحتلة، وخاصة بعد الإعلان أنه أحرق حيّاً. وزاد الغضب بعد انتشار فيديو يظهر فيه رجال مقنّعون يُعتقد أنهم عناصر من الشرطة الإسرائيلية وهم يضربون بقسوة شخصاً مقيّداً شبه فاقد الوعي هو طارق أبو خضير، إبن عم محمد. وقعت مواجهات واسعة مع القوات الإسرائيلية في كل مناطق وجود الفلسطينيين، وصار الحديث عن اندلاع انتفاضة ثالثة جدياً وهو أكثر ما تخشاه اسرائيل. حماس أعلنت أن إسرائيل "ستدفع ثمن جرائمها" وطالب المتحدث باسمها سامي أبو زهري السلطة الفلسطينية "بوقف التنسيق الأمني الذي يوفر الحماية لهؤلاء المستوطنين حتى تتمكن المقاومة من القيام بدورها". بالنسبة لإسرائيل الحرب أفضل من مواجهة انتفاضة سلمية.

تطوّرات الأحداث دفعت الأمور أكثر فأكثر باتجاه التصعيد. ففكرة استخدام "عنف مدروس" ضد حماس لا يمكن تطبيقها عملياً إذ إن كل عنف مرفوض سيؤدي إلى توسيع دائرة الحرب خاصةً أن نتنياهو أكّد استمرار العمل ضد حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن حماس وباقي الفصائل الفلسطينية الناشطة في غزّة ترفض تلقي ضربات دون أي ردّ. كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أكّدت أنها لن تسمح ولن تقبل من أحد أن يطالبها بضبط النفس "وليس لنا دور سوى حماية شعبنا ومقاومة المحتل والدفاع عن أرضنا ومقدساتنا". أما حركة الجهاد الإسلاميفدعت إلى الاستعداد لجولة جديدة من الصراع مع المحتل. أمام الصواريخ المنطلقة من غزّة، دعا الوزير نفتالي بينت إلى انتهاج سياسة "صفر تحمّل" لأي إطلاق صواريخ من القطاع.

وسّعت إسرائيل دائرة عدوانها على قطاع غزة وباشرت عملية جوية سمّتها "عملية الجرف الصامد" أدّت حتى الآن إلى استشهاد العشرات وجرح المئات. وزير الدفاع الإسرائيلي تحدّث عن "شنّ حملة ضدّ حماس لن تنتهي في بضعة أيام". رداً على ذلك، كثفت الفصائل الفلسطينية عمليات إطلاق الصواريخ على اسرائيل كماً ونوعاً وأطلقت عملية مضادة أسمتها "البنيان المرصوص" تضمّنت استخدام الفلسطينيين صواريخ "أم 302" السورية الصنع بالعشرات وهي صواريخ يزيد مداها على 150 كيلومتراً ووصلت إلى ديمونا حيث المفاعل النووي وإلى حيفا وتل أبيب.

الأوضاع مرشّحة لمزيد من التصعيد. خالد مشعل وجه كلمةً بارك فيها "كل من يحارب المستوطنين القتلة" داعياً إلى انتفاضة. بالحرب، تعيد حركة حماس تلميع صورتها كحركة مقاومة بعد أن اتهمها البعض بأن السلطة أغرتها وانتقدوا كثيراً عملها على حماية حدود اسرائيل منذ العام 2012. بإزاء هذا الواقع، وبإزاء الغضب الفلسطيني، لم يكن أمام الرئيس عبّاس سوى تأكيد أن ما يحصل في غزة هو إبادة جماعية و"حرب على الشعب الفلسطيني بأكمله، وليس ضد فصيل بعينه".

لن تستطيع حماس التوقّف عن إطلاق الصواريخ ما دامت إسرائيل لم توقف ضرباتها الجوية. حيال هذه التناقضات، وفي ظل غياب الوسيط المصري كما كان الحال أيّام الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ربما تصل الأمور إلى شنّ عملية عسكرية برية واسعة على قطاع غزّة.

التعليقات

المقال التالي