75 يوماً في المشرحة

ليس سهلاً على الأمّهات أن يودعن أبناءهن الثرى، خصوصاً إذا كان مقتلهم مفاجئاً ومفجعاً تماماً مثلما هي حال عبد العزيز العبار، وحال أمّه. فقد أُصيب بالرصاص وبقي في غيبوبة نحو الشهرين قبل أن يسلم روحه، ثم مضى شهران آخران على رحيله قبل أن تعترف الجهات الرسمية بوفاته وتتمكن عائلته من مواراته الثرى.

تعود القصة إلى 23 فبراير الماضي، عندما شارك عبد العزيز العبار في تشييع شاب بحريني تُوفّى في العراق، قيل إنه كان من الثوّار المعارضين للنظام البحريني. في التشييع، وقعت اشتباكات بين الشرطة والمشيّعين في ختام الجنازة كما في غالبية الحالات المشابهة. أصيب العبار برصاص “الشوزن” في وجهه وجنبه الأيمن، ما أدّى إلى نزف في مخّه أدخله في غيبوبة مدة 55 يوماً، ثم تُوفّى.

في يوم إصابته، كان قلب والدته حسنة (أم زكريا) مصاباً أيضاً، أحست بألم، فسألت أين عبد العزيز؟ قالوا لها: "إنهم بحاجة إلى بطاقة هويته". ماذا جرى له؟ سألت ثانيةً. أجابوها أنه قبض عليه في نقطة تفتيش، فقالت وقلب الأم دليلها: "لا، لم يقبض عليه في نقطة تفتيش. هذه المرة لن يعود".

هكذا روت الأم تفاصيل يوم إصابة ابنها لـ"رصيف 22" وراحت تغالب دموعها، وأحفادها متحلقون حولها في باحة بيتها الآيل للسقوط بين يوم وآخر.

عبد العزيز العبار (27 عاماً) الذي قضى برصاص الشرطة من مسافة قريبة حسب التقرير الطبّي، خلّف وراءه أمّاً وزوجة وطفلين حسن (8 سنوات) وزهرة (6 سنوات) يستقبلون الزوار من سياسيين وحقوقيين وبحرينيين متضامنين، بالابتسامات وقلوبهم ملؤها الحزن.

برغم أن والد العبار الذي أطلق عليه في التظاهرات التي تلت وفاته لقب "الشهيد المكبل"، كان يبدو صامداً معانداً، لن يدفن ابنه قبل أن يتسلّم تقريراً يبيّن سبب وفاته الحقيقية، إلا أن زوجته أفصحت أن زوجها يقضي الليالي باكياً. قال: "أريد لتشييع اِبني أن يكون سلميّاً. لا أريد أن يتأذّى أحد كما تأذّى أبني. لا أريد أن يتألم أحد كما تألمت، أنتم جميعكم أبنائي".

شارك عشرات الآلاف في تشييع عبد العزيز العبار أمس الأحد إلى مثواه الأخير، في يوم عُدّ أشدّ أيام يوليو حرارة وأكثرها رطوبة. معاناة عائلة العبار منذ إصابة ابنها حتى تشييعه، تلخّص مأساة عاشتها وتعيشها عوائل أكثر من 50 شخصاً قضوا برصاص الشرطة البحرينية منذ العام 2011، وهم يصرّون على معاقبة من قتل أبناءهم ومحاسبة المسؤولين، وعلى الحصول على تقارير دقيقة تبيّن سبب وفاتهم.

استغرق الأمر أكثر من 75 يوماً حتى قبلت النيابة العامة تسليم ذوي العبار تقريراً من الطبيب الشرعي، يبيّن السبب الرئيسي لوفاته. خلال شهر ونصف الشهر كانت العائلة تطرق جميع الأبواب، فلم تترك مكتباً رسمياً أو شبه رسمي إلا طرقته، حتى إنها تقدمت برسالة للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وللمفوضة السامية لحقوق الانسان نافي بيلاي Navanethem Pillay. وفي الأخير، تدّخلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لدى الجهات المعنية حتى تمكّنت عائلة الفقيد من الحصول على التقرير الطبي الذي يتيح لهم تسلّم جثة اِبنهم من ثلاجة الموتى ودفنه.

ومع أن عبد العزيز لم يكن يشارك في التظاهرات التي تخرج في قريته السنابس، فقد كان يردد على مسمع والدته أنه يتمنى أن يموت شهيداً، وكان يطلب منها أن تدعي له بالشهادة، إلا أنها كانت تمتنع عن ذلك، قائلةً له: "لا يمكن للأم أن تدعي لاِبنها دعاء كهذا". كان العبار بلا عمل، يعيش مع زوجته واِبنيه في غرفة في منزل والده المتهالك، لم يكمل دراسته الجامعية بسبب ظروفه الاقتصادية الصعبة.

لن يُنسى حزن والدته في مشهد وداعه الأخير. قالت، وهي تعدّ الطعام لأسرتها: "هذا المكان الذي أعتاد الجلوس فيه كل يوم، بالقرب مني وأنا أعمل في المطبخ. ما زلت أحسّ به في المكان".

نزيهة سعيد

صحافية من البحرين، تكتب في مجال السياسة، الاقتصاد، الفن والقضايا الاجتماعية. تعمل في الصحافة المكتوبة، المرئية، المسموعة والإلكترونية. وهي حائزة على "جائزة يوهان فيليب لحرية التعبير والصحافة" للعام 2014.

التعليقات

المقال التالي