بيت الصحفيين: ملجأ الهاربين من بلاد الديكتاتور وسجونه

بيت الصحفيين: ملجأ الهاربين من بلاد الديكتاتور وسجونه

12 عاماً مر على تأسيس "بيت الصحفيين" الواقع في الجنوب الباريسي، والذي يعد ملجأ للصحفيين القادمين من بلدان ترضخ لأنظمة ديكتاتورية أو من بلدان تشتعل الحروب فيها. "بيت الصحفيين" مؤسسة مستقلة تقوم فكرتها على استقبال الصحفيين وتغطية نفقات إقامتهم لمدة 6 أشهر، ومحاولة دعمهم في عملهم الصحفي من خلال تأمين فرص الاحتكاك واكتساب الخبرات الدولية. يسعى القائمون عليه على تأمين الشروط الأساسية للمقيمين فيه ليتمكنوا من متابعة عملهم الصحفي والإعلامي.

تم تمويل بيت الصحفيين بدعم من عدة وسائل إعلامية فرنسية، واستقبل حتى الآن ما يقارب 260 صحفياً من 52 بلداً حول العالم، من القارة الإفريقية جنوباً، ومن أمريكا اللاتينية وتركيا وإيران وألبانيا وجورجيا، وصولاً إلى البلاد العربية (العراق، فلسطين، السودان، سوريا، موريتانيا، اليمن).

اعلان


الجدران الداخلية لبيت الصحفيين، تكسوها الرسوم الكاريكاتورية التي رسمها فنانون ينتمون لثقافات ولغات وحضارات مختلفة، ولكن يجمعهم كرههم للديكتاتوريات وخوفهم. لوحة صغيرة علقت على أحد الجدران أيضاً: مجرد أطار خشبي جُمِعت بداخله صور شخصية لديكتاتوريي العالم.

بيت الصحفيين .. ملجأ الهاربين من بلاد الديكتاتور وسجونه - صورة 1

من قصص الصحفيين الناجين من جحيم الحروب وسجون الديكتاتوريات، تبرز حكاية تشعبت خيوطها بين أكثر من جهاز مخابرات عربي. الصحفي والمدون السوري رأفت الغانم الذي أقام في بيت الصحفيين، قضى طفولته و معظم فترة شبابه في المملكة العربية السعودية. بحكم اهتماماته الثقافية، كان أحد رواد الأنشطة الثقافية الأسبوعية التي يجهد الشباب السعودي المتنور لتنظيمها، لتكون بمثابة متنفس لهم خارج سلطة المؤسسات الرسمية وشبيهاتها. في إحدى جلسات "الأربعاء" تعرف الغانم على الناشط والمعتقل السعودي خالد العمير (أحد الدستوريين المطالبين بتشريع دستور وطني في المملكة). بعد انشقاق العمير عن الدستوريين السعوديين، بدأ بمعارضة النظام الملكي كمستقل، وسانده الغانم في مشروعه الإصلاحي.

انتهى نشاط العمير بإلقاء القبض عليه عندما خرج لاعتصام يندد باجتياح الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة في عام 2009. أطلقت المحكمة سراح الناشط السعودي بعد ثلاثة أشهر من اعتقاله، ليخرج من السجن ويجد المباحث العامة في انتظاره، حيث ساقوه إلى مكان مجهول وانقطعت أخباره نهائياً. حينها أطلق الغانم بياناً موجهاً للملك السعودي، يطالبه بالإفراج الفوري عن العمير، جامعاً فيه 95 متضامناً عربياً مع قضية صديقه. بعد البيان بأسبوع، اعتقل جهاز المباحث العامة الصحفي السوري رأفت الغانم، حيث غُيب لمدة عامين متواصلين دون أن  يعرض على قضاء مدني. قضى منها عشرين شهراً في زنزانة منفردة، وثلاثة أشهر أخرى مع معتقلي القاعدة وسجناء الرأي في المملكة.

ليس غريباً أن تكون  الأنظمة الديكتاتورية على درجة عالية من التنسيق والتعاون فيما بينها مخابراتياً. هكذا، قامت المباحث السعودية بتسليم المعتقل السوري للمخابرات السورية، حيث تم إرساله بطائرة خاصة، معصوب العينين، مقيد اليدين والقدمين، لتقوم المخابرات السورية بفك العصبة والكلبشات السعودية واستبدالها على باب الطائرة بأدوات وطنية. هنا بدأت قصته مع أجهزة الأمن السورية المستنفرة، بعد شهر من انطلاقة الثورة السورية.

رحلة بين ستة أفرع أمنية قضاها الغانم خلال شهرين متواصلين من الاعتقال في سجون وزنازين تغص بالمتظاهرين المعتقلين بكافة فئاتهم العمرية. وعن تلك التجربة يقول الغانم "كنت أشعر أنني أعيش فيلم رعب في السجون السعودية، إلى أن أشعرتني السجون السورية، وبقوة،  بأنها لا ترقى لمستوى مسالخ الحيوانات، تحديداً عندما شاهدت الدماء تسيل بغزارة بين أقدام العناصر في أقبية فرع أمن الدولة، وكأن شيئاً لم يكن!". بعد خروجه من المعتقل بأشهر، اعتقل الغانم مرة ثانية في دمشق على خلفية نشاطه الداعم للثورة السورية، ليقضي شهرين آخرين ضمن معتقلات عائلة الأسد، ثم يخرج بعدها هارباً إلى الأردن، بعد أن تم استدعاؤه من  فرع أمني آخر. في العاصمة الأردنية، استكمل عمله كصحفي في عدة منابر إعلامية.

تركز اهتمام الغانم على تغطية أحوال مخيم الزعتري، والمصاعب والمشقات التي تعترض اللاجئين السوريين هناك. وفي مخيم الزعتري أوقف الأمن الوقائي الأردني الصحفي السوري خلال عمله وصادر الأشرطة التي سجلها هنالك، لتنتهي قصته ويغادر بعدها مباشرة إلى فرنسا.

بيت الصحفيين .. ملجأ الهاربين من بلاد الديكتاتور وسجونه - رأفت الغانم

من بين الصحفيين الذين نجوا من الموت بأعجوبة وانتهو في بيت الصحفيين، تطالعنا حكاية الصحفي والناشط الحقوقي اليمني محمد اسماعيل الشامي، المعارض الذي تعرض لست محاولات اغتيال في أوقات مختلفة. الحقوقي اليمني الذي شغل منصب رئيس المجلس الوطني المستقل لشباب الثورة اليمنية بدأ نشاطه المعارض لنظام علي عبدلله صالح منذ عام 2007، حيث عمل على توثيق الانتهاكات التي ترتكب بحق الإعلاميين اليمنين، محاولاً فضح سياسات وأساليب الديكتاتور في قمع كل من يعارضه وكل من يحاول إيصال الحقيقة.

أولى محاولات الاغتيال التي تعرض لها الشامي، كانت في يونيو 2007 عندما كشف قضية اختلاس كبيرة في وزارة المغتربين اليمنية، والتي تورط فيها بشكل مباشر كل من وزيري الخارجية والمغتربين وعلي عبدلله صالح. بعدها بشهر، تم اعتقال الشامي، ولفقت له من قبل أجهزة المخابرات قضية دهس مواطن، رغم عدم امتلاكه سيارة وعدم وجوده ضمن العاصمة اليمنية وقتها، ليقضي قرابة أربع سنوات بين السجن وأروقة المحاكم.

في بداية الثورة اليمنية، ترأس محمد الشامي التكتل المدني لشباب الثورة (الذي أصبح فيما بعد المجلس الوطني المستقل الوطني لشباب الثورة). في شهر مارس 2011 نجا الشامي من الموت بأعجوبة داخل ساحة التغيير، واستقرت رصاصة القناص حينها في رأس ابن عمه المتواجد معه (عيسى أحمد الشامي). ظل بعدها الشامي متخفياً، يمارس عمله الصحفي، ويتحدث في المنابر الإعلامية العربية والعالمية مدافعاً عن ثورة شعبه ومؤكداً على سلميتها.

استهدف منزل الناشط اليمني محمد الشامي بالرصاص عدة مرات، وكذلك استهدف منزل عائلته. كما اختطف شقيقه عبد الرزاق من قبل جهاز الأمن القومي. ومع بداية عام 2013 اضطر الشامي لمغادرة بلاده بشكل قسري، بسبب التهديدات المتواصلة التي طالت كافة أفراد عائلته، قبل أن يستقر أخيراً في بيت الصحفيين في باريس، متابعاً من هناك نضاله ودفاعه عن الحريات في بلاده.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 20.01.2014

التعليقات

المقال التالي