الخلافة الإسلامية تتوق إلى فتح روما

الخلافة الإسلامية تتوق إلى فتح روما

بعد مبايعته خليفة للمسلمين بيومين، نشر أبو بكر البغدادي تسجيلاً صوتياً بعنوان "رسالة إلى المجاهدين والأمة الإسلامية في شهر رمضان" ضمّنه وصايا للمجاهدين وختمه بالعبارة التالية: "هذه وصيتي لكم. إن التزمتموها لتفتحنّ روما ولتملكن الأرض إن شاء الله".

مرّت 90 سنة على قرار الرئيس التركي مصطفى كمال إلغاء الخلافة الإسلامية. والآن، ها هو تنظيم صغير لا يتعدّى عدد عناصره بضع عشرات الآلاف يعلن تحقّق "حلم يعيش في أعماق كل مسلم مؤمن، ألا وهو الخلافة"، على ما قال المتحدث الرسمي باسم "الدولة الإسلامية"، أبو محمد العدناني، في تسجيل صوتي بعنوان "هذا وعد الله". تمت مبايعة إبراهيم بن عواد البدري القرشي الهاشمي الحسيني (أبو بكر البغدادي) "إماماً وخليفة للمسلمين في كل مكان".

اعلان


دغدغة مشاعر المسلمين

بإعلان الخلافة، طُويت صفحة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وافتتحت مرحلة "الدولة الإسلامية" التي لا تعترف بأي حاجز جغرافي يعيقها عن التمدّد. في التسجيلين الصوتيين المذكورين يبدو واضحاً ميل قادة "الدولة الإسلامية" إلى تحريك مشاعر المسلمين وإيقاظ الأحلام في نفوسهم لحثّهم على التعلّق بمشروع الخلافة المعلن هرباً من واقعهم الصعب.

"عمّا قريب، بإذن الله، لَيأتينّ يوم يمشي فيه المسلم في  كل مكان: سيداً كريماً مَهِيباً، مرفوع الرأس، محفوظَ الكرامة، لا تتجرأ عليه جهة إلا وتُؤَدّب، ولا تمتدّ إليه يد سوء إلا وتُقطع"، قال البغدادي. وفي قراءة تُسقط ماضي الامبراطورية البيزنطية (الروم) والامبراطورية الفارسية على حاضر العالم الغربي وإيران، ذكّر العدناني المسلمين بأن الله كان قد مكّن أسلافهم من "أن يقضوا على أعظم إمبراطوريتين عرفهما التاريخ... فأطفؤوا نار المجوس للأبد، وأرغموا أنف الصليب بأحقر عدّة وأقل عدد".

البغدادي وضع لجماعته مهمّة كبيرة هي نصرة المسلمين "في الشرق والغرب". توجّه إلى مجاهديه بالقول "إن إخوانكم في كل بقاع الأرض ينتظرون نجدتكم، ويرقبون طلائعكم" متوعداً بالثأر من كل من أهان المسلمين: "فَوَالله لَنثأرنّ! والله لَنثأرنّ ولو بعد حين لَنثأرنّ! ولَنردّنّ الصاع صاعات، والمكيال مكاييل".

الخلافة والإسلاميين

يستعيد البغدادي القسمة الثنائية للعالم بين فسطاط إيمان وفسطاط كفر وهي قسمة سبقه إليها أسامة بن لادن، في بداية حرب أفغانستان. "لقد بات العالم اليوم في فسطاطين اثنين، وخندَقَين اثنين، ليس لهما ثالث: فسطاط إسلام وإيمان، وفسطاط كفر ونفاق، فسطاط المسلمين والمجاهدين في كل مكان، وفسطاط اليهود والصليبيين وحلفائهم، ومعهم باقي أمم الكفر وملله، تقودهم أمريكا وروسيا، وتحرّكهم اليهود"، قال. إذن إمّا معنا أو علينا ولا مكان لأيّة مواقف وسطية. كلام "الخليفة" كان قد شرح العدناني مفاعيله حين قال إنه "بإعلان الخلافة، صار واجباً على جميع المسلمين مبايعة ونصرة الخليفة إبراهيم حفظه الله، وتبطل شرعيّة جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات، التي يتمدد إليها سلطانه ويصلها جنده". تريد "الدولة الإسلامية" أن تحتكر العمل الجهادي في العالم، أو على الأقل، في الساحات التي تنشط فيها.

عدد كبير من "المجاهدين" كان قد بايع البغدادي أميراً قبل تنصيبه خليفة متأثراً بنجاحاته العسكرية، ما سمح لتنظيمه بتسجيل نقاط هامة على باقي التنظيمات الجهادية. وبعد مبايعته ازداد عدد هؤلاء. لكن، في المقابل، أعلنت قيادات جهادية أخرى موقفاً مناوئاً لـ"الدولة الإسلامية" إما بسبب خلافهم الفكري معها أو بسبب اعتبارهم أن خطوة الخلافة كانت مستعجلة. نصيحة العدناني إلى جنود "الدولة الإسلامية" التي أوصتهم بأن "مَن أراد شق الصف فافلقوا رأسه بالرصاص، وأخرجوا ما فيه، كائناً مَن كان، ولا كرامة"، أثارت حفيظة منظر التيار السلفي الجهادي في الأردن أبو محمد المقدسي فتساءل عن مصير دماء الجماعات المسلمة المقاتلة التي ترفض البيعة. المقدسي قال: "لا تظنوا أنكم بتهديدكم وزعيقكم وقلة أدبكم وعدوانكم ستخرسون شهاداتنا بالحق".

أمام "الدولة الإسلامية" الآن تحدٍّ أمني كبير. فإن كانت قد نجحت، كتنظيم، في الحفاظ على الكثير من الأسرار حول قادتها، فإنّ خطوة إعلانها الخلافة تستوجب منها نشر معلومات علنية عن أهل الحلّ والعقد فيها لكي يستطيع السلفيون تحديد موقفهم من المسألة برمتها. خطوة كهذه ستجعلها مكشوفة أمنياً خاصة أن عمل الخليفة والمقربين منه لا يمكن أن يستمر انطلاقاً من أماكن سرّية. فكيف لدولة إسلامية تعجز عن حماية الخليفة والولاة أن تحمي جمهور المسلمين؟

"الدولة" والسياسة

يحاول قادة "الدولة الإسلامية" كسب دعم السنّة بغض النظر عن جنسياتهم وخاصة أولئك القاطنين في دول يشتكون من تهميش سلطاتها المركزية لهم. ولكن جزءاً  كبيراً من القاعدة الشعبية السنّية في مناطق سيطرة "الدولة" يتوق إلى مستقبل لا يتفق مع نظرتها إلى الأمور. فمحافظ نينوى أثيل النجيفي، على سبيل المثال، يطالب بتكوين إقليم سنّي على غرار إقليم كردستان العراق، ويشير إلى أن "مشروع الإقليم أصبح حاجة ملحة ولا يمكن للسنة بعد اليوم البقاء ضمن السياقات السابقة".

فكرة "الإقليم السنّي" ستكون أكثر إغراءً للعشائر العراقية السنّية كونها تستجيب لهواجسهم. إذا رضخت حكومة بغداد لمطالب هذه الفئة الشعبية الواسعة ستتمكّن بالتعاون معها من القضاء على "الدولة الإسلامية". أما إذا استمرّت في نهجها الحالي فإن العشائر العراقية لن تغامر بخوض معركة لن تكسب منها شيئاً. ستدفع السعودية وتركيا باتجاه عراق فدرالي مثلث الأضلع كي تؤمن لنفسها منطقة نفوذ في دولة العراق. الغرب لن يرفض فكرة كهذه بل يمكن اعتبار أنه سيسعى إلى تحقيقها. وحدها إيران ستعقّد التوصل إلى حلّ مماثل لأن الإقليم السنّي سيفصلها جغرافياً عن سوريا ولبنان. أما شيعة العراق فسير المعارك سيحدّد خياراتهم بين راغبين في عودة الأمور إلى ما كانت عليه وبين مطالبين بفدرالية جنوبية. المؤكد هو شيء وحيد: إلى أن تتضح صيغة الحلّ سيسيل الكثير من الدماء.

"الدولة" ضد الدولة

معارضو "الدولة الإسلامية" يستسهلون وصفها بأنها تارةً صنيعة المحور الذي تقوده إيران وتارة أخرى صنيعة المحور الذي تقوده أمريكا والسعودية وطوراً صنيعة المحور الذي يضم تركيا وقطر. هذا التبسيط ليس سوى دليل على عجز عن فهم هذه الظاهرة أو أقلّه هو محاولة لإنكار العوامل التي أدّت إلى تشكّلها.

سبب أساسي يقف خلف نشوء هذه الظاهرة. وهو يكمن في فشل الدول الوطنية بمهمة تنظيم حياة مواطنيها بشكل عادل. لذلك يجاهد "المجاهدون" ضد كل ما له صلة بنموذج الدولة الوطنية. في تسجيل إعلان الخلافة، أكّد العدناني للمسلمين أنه "لئن تكفروا بالديمقراطية والعَلمانية والقومية، وغيرها مِن زبالات الغرب وأفكاره، وتعودوا لدينكم وعقيدتكم، فوالله وتالله، لَتملكنّ الأرض، ولَيخضعنّ لكم الشرق والغرب".

في رأي قادة "الدولة"، إن الحدود بين الدول الوطنية هي "صنم" من صنع "الطواغيت" ولذلك يجب إزالتها. دعا البغدادي المسلمين إلى القدوم إلى "دولتهم" فـ"ليست سوريا للسوريين، وليس العراق للعراقيين. إن الأرض لله يورثها مَن يشاء مِن عباده".

تلخصّ جملة قالها البغدادي في تسجيله الصوتي الأخير طريقة تفكير "الدولة الإسلامية". في رأيه، "انكسر المسلمون بعد أن سقطت خلافتهم ثم زالت دولتهم، فاستطاع الكفر إذلال المسلمين واستضعافهم... عن طريق غزوهم واحتلال بلدانهم، وتنصيب حكام عملاء خونة، يحكمون المسلمين بالنار والحديد، رافعين شعارات براقة خداعة، كالحضارة والسلام والتعايش، والحرية والديمقراطية والعَلمانية، والبعثية والقومية والوطنية، وغيرها مِن الشعارات الزائفة الكاذبة". هذه العموميات هي في أساس رفض هذا التيار الإسلامي للواقع. أمّا البديل عمّا نعيشه فهو لا يقلّ عمومية: لا يقترحون أكثر من السير على نهج السلف الصالح.

يعرف قادة "الدولة الإسلامية" أن الأرض التي استولوا عليها تحتاج إلى أمور كثيرة لكي تصير "دولة". يعرفون أنه تنقصهم الكفاءات البشرية التي تمكنهم من بناء "دولة". ولكن الحلول بسيطة في رأيهم: يدعون الكفاءات المسلمة إلى الهجرة إلى "دار الإسلام"، كما فعل البغدادي.

من الصعب تخيّل إمكان "الدولة الإسلامية" أن تحقق مشروعها كما من السذاجة الاعتقاد بأن هذه الظاهرة ستختفي بسرعة. لعلّ في انتشارها، إلى جانب كمّ هائل من السلبيات، أمراً جيّداً وهو فتح نقاش صريح وجدّي حول طبيعة الدولة الوطنية ووظائفها وتوزيع السلطات داخلها.

التعليقات

المقال التالي