تمرد قطر، حراك معارض حقيقي أم صنيعة مصرية خليجية؟

تمرد قطر، حراك معارض حقيقي أم صنيعة مصرية خليجية؟

فجّر الإعلان عن تأسيس حركة "تمرد قطر" من العاصمة المصرية، القاهرة، قبل بضعة أيام موجة تساؤلات عديدة، حول مدى حقيقة وجدية وجود حراك معارض لسياسات النظام القطري. فرغم أن الشاب القطري خالد الهيل قد أعلن في مؤتمر صحافي شهده مقر نقابة الصحافيين المصريين عن إطلاق حركة تمرد قطرية على غرار حركة تمرد المصرية لتصحيح المسار القطري وفضح حالات الفساد التي استشرت في وسط العائلة الحاكمة مؤكد وجود دعم شعبي كبير للحركة، فإن هذا الإعلان لم يرافقه ظهور أي بوادر تعاطف أو حراك داعم على الأرض سواء داخل الدوحة أو خارجها من قطريين آخرين. أجمعت ردود الفعل التي أعقبت هذا الإعلان في الدوحة على التقليل من أهمية الحدث واعتباره مسرحية مدعومة من المخابرات المصرية وأطراف خليجية أخرى انتقاماً من السياسة الخارجية القطرية، وتحديداً موقفها من التغيير السياسي الذي عرفته مصر في الثلاثين من يونيو من السنة الماضية. وقد لا يكون اختيار توقيت الإعلان عن نشوء الحركة القطرية المتزامن مع الذكرى الأولى لإطاحة العسكر بنظام الإخوان المسلمين محض مصادفة.

لكن من هو المعارض القطري المغمور الذي خرج فجأةً إلى الأضواء وجهاً من وجوه حراك معارض لم تتضح معالمه إلى اللحظة؟ مباشرةً بعد أن ظهر خالد الهيل في المؤتمر الصحافي، بدأت بعض المعلومات القليلة عن هويته تخرج من أفواه مواطنين قطريين يدّعون أنهم يعرفونه. تناقل قطريون عبر موقع التواصل الاجتماعي أن خالد الهيل موظف سابق في إحدى الشركات القطرية وفُصل منها لعدم أمانته، وقالت عدد من التغريدات التي لم يتسنَّ التأكد من صحّتها أن خالد الهيل فارّ من العدالة القطرية وعليه حكم قضائي. نفى خالد الهيل ذلك عبر تغريدات على تويتر، مشيراً إلى أنه كان مسجوناً في سجون أمن الدولة في قطر بسبب أفكاره الإصلاحية وتمكّن من الخروج من السجن بفضل مساعدة شخصيات متنفذة داخل النظام القطري، مضيفاً أنه ساهم في تأسيس جهاز قطر للمشاريع الصغرى والمتوسطة وتركه بعد تأكّده من عدم جدواه. في السياق ذاته، تداول مغرّدون ما قيل إنه بيان منسوب لوالد خالد الهيل يعلن فيه تبرؤه منه ومن مواقفه.

اعلان


برغم مرور بضعة أيام على الإعلان عن انطلاق الحركة، فقد كان لافتاً أنه لم يظهر أي من أعضاء الحركة الذين قال خالد الهيل إن عددهم يبلغ نحو 32 ألف، باستثناء المغرّد "اصايل قطر" الذي تقول بياناته إنه قطري هجر قسراً هو وأفراد قبيلته ويقيم حالياً في السعودية. عبر الأخير عن تأييده للحركة مطالباً جميع شرفاء البلاد بالانضمام إليها. لم يكشف الهيل كذلك عن أية وثائق ومستندات تتصل بحالات الفساد المستشرية في دواليب الحكم القطري برغم حديثه عبر حسابه الحديث الظهور عبر تويتر عن بعض ملامح هذا الفساد، حينما أعطى المثال بصفقات مشبوهة لمصلحة رئيس الشفافية في قطر عبد الله بن حمد العطية، وعن عملية بيع محطات الكهرباء لوزير الطاقة القطري بنفسه.

تعرض خالد الهيل لهجوم واسع من المغرّدين القطريين على تويتر، إذ كتبت الإعلامية القطرية عضو مجلس إدارة شبكة الجزيرة سابقاً إلهام بدر أن مستوى صناعة الأفلام في مصر تردّى جداً في إشارة إلى ضلوع مصر في فبركة مؤتمر للمعارضة القطرية، وأضافت: "في وطني الحبيب يعرض مواطن بسيط ما يريده بوضوح وحرية أكثر مما فعل زعيم المعارضة الوهمية".

تساءلت الكاتبة في جريدة "الراية" القطرية ريم الحرمي عن سبب غياب مصدر إعلامي محترم عن تغطية الحدث، ملمّحةً إلى افتقاد الدعوات المعارضة إلى الجدية والصدقية، إذ كان بارزاً أن وسائل الإعلام التي قامت بتغطية الحدث ونقلت تصريحات للمعارض القطري هي الصحف المصرية والإماراتية والسعودية، والتي تربط قياداتها علاقات متوترة بالحكام في الدوحة.

قال لحدان المهندي عضو المجلس البلدي في قطر على حسابه الخاص، إنه ليس لدى الشعب القطري وقتٌ يضيعه في تفاهات المخابرات المصرية التي تخرج من إخفاق إلى آخر، وأضاف: "في كل عمل تقوم به المخابرات المصرية لإثارة البلبلة في قطر تجد صفعة من الشعب القطري الذي توحده مثل هذه الأفعال". رأى مواطنون قطريون آخرون أن قضايا المال العام وتعدد المناصب يتم تناولها في الصحف القطرية بشكل شبه يومي ومن دون قيود، في حين رد مغرد آخر على الهيل قائلاً: "الماء والكهرباء بالمجان، والتلفون الأرضي بالمجان".

في تصريحات لصحيفة "العرب اللندنية" الممولة من السعودية، كشف الهيل عن خشيته من العودة إلى الدوحة خوفاً من اعتقاله، مضيفاً أن هناك عدداً من الأعضاء البارزين في الجيش القطري يدعمون الحركة، بالإضافة إلى أعضاء في العائلة الحاكمة يؤيدون المطالب الإصلاحية، وتابع: "لا نسعى إلى زعزعة الأمن في قطر، لكننا نسعى إلى الضغط على النظام الحاكم لتغيير سياسته الداخلية والخارجية".

كذلك أعلن الهيل عن مجلس شورى خاص بالمعارضة القطرية يتكوّن من 45 شخصية، ولم يكشف إذا ما كانت له اتصالات مع الشيخ عبد العزيز بن خليفة آل الثاني أخي الأمير القطري السابق والذي يعيش في باريس منذ سنة 1992، منذ أن ترك وزارتي النفط والمالية. تربط الشيخ عبد العزيز علاقة متوترة مع الأمير السابق خاصة، علماً أنه كان مسافراً مع والده للعلاج في أوروبا حينما أعلن حمد انقلابه سنة 1995.

يُذكر أن تسريبات قد نشرها عدد من الصحف في الأيام التي سبقت الإعلان عن حركة تمرد القطرية، تحدثت عن حالات فساد وتبذير للمال العام في عائلة آل ثاني، وكشفت الوثائق أن لجنة "هيأة المتاحف" على سبيل المثال التي تترأسها الأميرة مياسة بنت حمد آل ثاني قد صرفت أموالاً باهظة من أجل تمويل الرحلات الخاصة للأميرة، وتضمّنت الوثائق نفسها دعوة وجهها الديوان الأميري نهاية سنة 2013 إلى وزيري الداخلية ورئيس مجلس الوزراء لتأليف لجنة داخلية للبحث في مظاهر الفساد وتحديد أسبابه. لكنّ اللجنة اصطدمت دائماً بمقاومة من مراكز النفوذ داخل العائلة الحاكمة، فهل يدشّن خالد الهيل لإطلاق أوّل حركة معارضة حقيقية في قطر، أم أن الأمر مجرّد فرقعة إعلامية جديدة تحمّس لها الإعلام المصري والخليجي المضاد لسياسات الإمارة الصغيرة الخارجية؟

التعليقات

المقال التالي