الديكتاتوريات تخاف من الانترنت

الديكتاتوريات تخاف من الانترنت

تركيا تحجب موقع تويتر. مصر تسعى إلى رصد ما يدور على مواقع التواصل الاجتماعي. محافظو إيران يحلمون ببناء شبكة حلال. السعودية يقلقها المغرّدون. البحرين عدوّة للانترنت. الصين تفرض رقابة صارمة على الشبكة العنكبوتية وروسيا تتعاطى معها بعدائية. باختصار، الديكتاتوريات تخاف من الانترنت.

عين السلطة الضيّقة

اعلان


في 21 مارس الماضي، حجبت السلطات التركية موقع تويتر. لدى محاولة المستخدمين الوصول إليه، كان يتم تحويلهم إلى صفحة نُشر عليها بيان لهيئة تنظيم الاتصالات. برّرت السلطة إجراءها بعدم استجابة الموقع لأحكام قضائية تطالبه بحذف بعض الوصلات. الوصلات المذكورة ليست سوى روابط لتسجيلات هاتفية انتشرت في تركيا بعد فضيحة الفساد الشهيرة التي كانت قد تفجّرت في وجه بعض المسؤولين في حزب العدالة والتنمية الحاكم. كذلك، حجبت السلطة موقع يوتيوب.

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قال، خلال تجمّع انتخابي لحزبه: "هذه الشركات المدعوة تويتر ويوتيوب وفيسبوك تلجأ إلى كل شيء حتى إلى التركيب، وكلّها سبّبت تصدّع عائلات. لا أفهم كيف يمكن لأي شخص يتحلى بمنطق سليم، أن يدافع عن فيسبوك ويوتيوب وتويتر التي تنشر كل أنواع الأكاذيب".

يبدو لافتاً توصيف أردوغان لهذه المواقع. فهو يحاول القول إنها تنشر معلومات من تلقاء نفسها ويخفي حقيقة أن ما هو منشور ليس سوى أمور يتداولها المواطنون الأتراك وأن هذه المواقع ليست سوى فضاء للتواصل في ما بينهم. قرار أردوغان تسبب بإدانات دولية له. الرئيس التركي عبد الله غول، شريكه في الحكم، غرّد قائلاً: "لا يمكن الموافقة على الحجب التام لشبكات التواصل الاجتماعي". وبعد حوالى عشرة أيام، أمرت المحكمة الدستورية في تركيا برفع الحظر معتبرة أنه انتهاك لحرية التعبير.

حين ثار المصريون على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، فرضت السلطات المصرية حظراً على الانترنت. حينذاك انتقدت شركات غوغل وفيسبوك وتويتر القرار بشدّة. في بيان أصدرته، اعتبرت شركة فيسبوك أنه "ما من أحد يجب أن يُحرم من حق الوصول إلى الانترنت". سقط مبارك وشهدت مصر تغيّرات كثيرة. ولكن السلطة عادت إلى طبيعتها السابقة مع انتشار الحديث عن مشروع قانون لمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي اقترحته وزارة الداخلية. مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلان عبد الفتاح عثمان قال إن الوزارة تدرس استخدام برنامج لمراقبة ورصد ما يحدث على شبكات التواصل، عبر تكنولوجيا ترصد الكلمات التي قد تثير الريبة، وذلك كي يتم الوصول إلى المحادثات المشبوهة. إدّعى عثمان أن هذه المراقبة تستهدف البحث عن الذين يصنعون المتفجرات، ولكن من البديهي أن يقلق المواطنون من ملاحقة كل من ينتقد السلطة خاصةً أن من ينوي القيام بعمل إرهابي لن يفضح نفسه على موقع عام.

الخوف من حرية الانترنت

الخوف من حرية الانترنت هو سمة تشترك فيها كل الأنظمة الديكتاتورية أو تلك التي تميل إلى الاستبداد. تحاول الصين التي تفرض أساساً قيوداً واسعة على الانترنت ضبط فضاء الانترنت الحرّ وتحويله إلى نسخة مطابقة عن الفضاء الاجتماعي الحقيقي الخاضع للرقابة الصارمة من خلال إجراء يشترط تسجيل مستخدم الانترنت اسمه الحقيقي ورقمه القومي لكي يتمكن من الدخول إلى الشبكة. الحكومة برّرت قرارها بأنه لضمان أمن المستخدمين ولكن خلف تبريرات الحكومة يقف الهدف الواضح: المراقبة الشاملة لكل همسة يهمسها المواطن.

في ذكرى أحداث تيانانمان Tian'anmen الشهيرة، حظرت السلطات الصينية على مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي استخدام كلمات تحيل إلى المناسبة مثل "حراك طلابي"، "الذكرى الـ25" "الرابع من حزيران". يلفت في الحظر المفروض شموله كلمة "شمع" والغاية منه واضحة: السلطة لا تريد استخدام حرية الفضاء الافتراضي للقيام بخطوات معارضة واقعية من قبيل إضاءة الشموع.

في الشهر الفائت، هددت الهيئة المنظمة للانترنت في روسيا بحجب موقع تويتر. أتى التهديد المذكور على خلفية قيام مدوّنين وناشطين في مجال حقوق الإنسان بانتقاد تعديلات قانونية يمكن أن تقيّد حرية التعبير. ففي فبراير، أعطي مكتب المدعي العام صلاحية حجب صفحات على شبكة الانترنت من دون أحكام قضائية. وفي الشهر الماضي، أقر البرلمان قانوناً يحمّل المدونين مسؤولية دقة أي محتوى ينشرونه.

الأمثلة كثيرة عن خوف الأنظمة غير الديمقراطية من الانترنت. في قمة مجلس التعاون الخليجي، التي انعقدت في المنامة عام 2012، قرّر القادة الخليجيون تشديد الرقابة على الانترنت بحجة "مكافحة الارهاب". استجابت كل الدول الخليجية لهذا القرار تباعاً وفرضت قيوداً مختلفة على الانترنت. على سبيل المثال، اعتبر مجلس الشورى القطري أن إنشاء موقع إلكتروني لنشر أخبار غير صحيحة بقصد تعريض سلامة الدولة أو نظامها العام للخطر، يُعدّ جريمة الكترونية. التحديد فضفاض جداً. فمن هو الذي يقرر ما إذا كانت المعلومات صحيحة أو غير صحيحة أو إذا كانت تعرّض أو لا تعرّض سلامة الدولة للخطر؟ في البحرين، جارة قطر، تحجب السلطة المواقع التي تدعم المطالبة بإصلاح دستوري في البلاد وقيوداً أخرى دفعت منظمة "مراسلون بلا حدود" إلى وضعها بين الدول المصنفة "أعداء للانترنت".

يُذكر أنه، بعد الأزمة الأخيرة التي عصفت بالعراق، فرضت الحكومة العراقية، في بعض المناطق، حظراً على الانترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بحجة عرقلة اتصال المتمردين في ما بينهم. وطبعاً، الغاية هي حظر مناقشة العراقيين لشؤون البلاد وموقفهم منها.

الانترنت الحلال

الأنظمة المحافظة ترى في الانترنت وسيلة تهدّد شرعية السلطة كونها تسمح للمستخدمين بالتعرف على أنماط حياة مختلفة والانفتاح على أفكار جديدة. في إيران،اقترح وزير الاقتصاد والنائب بمجلس الشورى، علي أغا محمدي، عام 2011، إنشاء "إنترنت حلال" يتوافق مع القيم الإسلامية ويقدم خدمات "مطابقة للأعراف". أخيراً، وبعد الانفتاح النسبي الذي أعقب انتخاب الرئيس حسن روحاني، تجهد السلطة الإيرانية لتخفيف بعض القيود على الانترنت ولكنها، بحسب وزير الاتصالات، محمود واعظي، ستستمر في استخدام تقنية الترشيح الذكي Smart Filtering لحجب المواقع "غير الاخلاقية والمنحرفة". وطبعاً، التعبير واسع وفضفاض.

في السعودية التي تحجب عدداً كبيراً من المواقع من بينها، إلى جانب مواقع الجمعيات المعارضة وموقع منظمة العفو الدولية، مواقع أخرى لا تنشر سوى أخبار عن الموسيقى والأفلام، تخرج مواقف دينية طريفة. مفتي السعودية، عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، يلقي محاضرات يتحدث فيها عن "أخلاقيات التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي في ضوء الهدي النبوي". برأيه التغريد على تويتر ليس حقاً للجميع، "فإذا رأى المستخدم أن دخوله أو تغريداته يريد بها أن يبين الحق ويدحض الباطل المنتشر بين الناس فهذا لعل له خير، أما الدخول لمجرد التسلية فلا يصلح أن يلج فيها إلا إنسان ذو علم وفضل ويلقي تغريدات بحق وأصول ثابتة وفق الكتاب والسنة". في كل الحالات، هو يعتبر أن التغريد "عادة شديدة الخطورة يجب على المسلمين الحقيقيين تجنبها".

في سياق متصل، يرى رئيس "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، الشيخ عبد اللطيف عبد العزيز الشيخ، أن أي شخص يجعل مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة تويتر، دليلاً له "خسر الدنيا والآخرة".

ليست صدفة أن تفرض الأنظمة الديكتاتورية قيوداً على حرية الانترنت. في النهاية، الانترنت هو فضاء يستقبل علاقات معيّنة بين المواطنين. وبما أن هذا الفضاء ليس مادياً تماماً ويساعد على بناء علاقات متفلّتة من سطوة المؤسسات الأمنية إلى حد بعيد، ترى الأنظمة الأمنية أنه يشكّل خطراً عليها وتسعى إلى ضبطه وفقاً لقواعدها.

التعليقات

المقال التالي