تقاطع مصالح بين واشنطن وطهران على حساب بغداد

تقاطع مصالح بين واشنطن وطهران على حساب بغداد

"عليهم الاعتراف بسياستهم الفاشلة"، كان هذا تعبير وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في مايو 2007 في مؤتمر صحافي تطرق فيه إلى إمكانية التعامل مع واشنطن لإعادة استقرار العراق في أوج الاقتتال الطائفي في البلاد. وعقدت إيران والولايات المتحدة أولى المفاوضات بينهما منذ عام 1980 في بغداد بمايو 2007 على مستوى السفراء بحضور وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، ولكن سرعان ما انهارت الجهود بين الطرفين المتخاصمين منذ أكثر من أربعة عقود. وبينما أكدت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش حينذاك أن إيران تلعب دوراً "سلبياً" في العراق، أصرّت طهران على أن إبقاء قوات أمريكية في العراق سبب رئيسي في تدهور الأوضاع في البلاد.

بعد سبعة أعوام، تغيّرت الإدارتين في الولايات المتحدة وإيران، ولكن بقي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في منصبه بدعم من الطرفين. ومع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وإعلانه رغبته في مدّ اليد لمن يخالفه التوجه، بما في ذلك الإيرانيون، فتحت الولايات المتحدة قنوات سرية مع إيران، لتصبح علنية بعد انتخاب الرئيس “الإصلاحي” حسن روحاني. كثرت التساؤلات في شأن التنسيق الأمريكي- الإيراني في ما يحمي مصالح البلدين وإنْ على حساب دول أخرى وخاصة في الشرق الأوسط. لكنّ الطرفين نفيا وجود أيّ تنسيق بينهما خارج إطار المفاوضات النووية، المرتقب توصلها إلى نتيجة لحلّ الملف النووي في 20 يوليو المقبل. وبينما التقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري نظيره الإيراني محمد جواد ظريف مرّات عدة، وفتحت قنوات دبلوماسية بين البلدين، اكتفت طهران بالقول إن الفريق المفاوض للملف النووي، الذي يشمل وزير خارجيتها، غير مخوّل مناقشة قضايا أخرى، على رأسها الأزمة السورية التي تعتبر إيران لاعباً أساسياً فيها.

اعلان


ولكن ما كان مستحيلاً في سوريا، يبدو ممكناً في العراق. فبعد أن كانت واشنطن من أشدّ المعارضين لإدخال إيران في مفاوضات دبلوماسية لحلّ الأزمة السورية، أعلنت إدارة أوباما تطلعها إلى التنسيق مع الإيرانيين في شأن الملف العراقي بعد سيطرة مسلّحين من تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" على مدن رئيسية في العراق. وبينما كانت المصالح الأمركيية- الإيرانية متناقضة تماماً في سوريا ولبنان ومناطق أخرى، أعرب مسؤولون أمريكيون عن إمكانية التنسيق بسبب رفض كل من واشنطن وطهران السماح للمسلحين بالسيطرة على العراق.

إلا أن "تقاطع المصالح" هذا قصير الأمد، إذ تختلف أهداف ايران في العراق على المدى البعيد كلياً عمّا تعتبر الولايات المتحدة أنه هدفها في العراق. إيران تريد دولة حليفة لها، إن لم تكن تابعة كلياً لها، في المنطقة مع نفوذ على المرجعية الشيعية والأضرحة المقدسة وإضفاء طابع ديني على طريقة حكم البلاد. أما الولايات المتحدة، فهدفها المعلن هو استقرار بلد كلّفها سمعتها السياسية بعد مرور أكثر من عقد على حرب عام 2003، بالإضافة إلى منع حرب طائفية تتسبب بها مجموعات مسلحة من الطرفين يمكن أن تصل إلى تهديد تدفق النفط إلى العالم وهو ما تعدّه واشنطن أولوية إستراتيجية.

مع وصول "مستشارين عسكريين" من واشنطن وطهران إلى بغداد لمواجهة "داعش" وحلفائها هذا الشهر، يبدو تقاطع المصالح أبرز من أي وقت مضى خلال العقود الأربعة الماضية، باستثناء التنسيق المباشر بين البلدين خلال غزو أفغانستان عام 2001. ولكن تجربة أفغانستان أثبتت أن أي تحالف سيبقى محدوداً بين واشنطن وطهران، إذ لا تنسجم السياسات العامة للدولتين في مواجهة التطرف والاقتتال الطائفي اليوم. تقاطع المصالح في العراق محفوف بالتناقضات بين المواقف المعلنة للبلدين، إلا إذا كان أوباما يتبع سياسة المفاوضات السرية مجدّداً مع إيران، والتي قد تكلّف المنطقة كثيراً، بفرضها لـ"دولة مهيمنة". الأسابيع المقبلة ستظهر مدى التنسيق الأمريكي- الإيراني، ولكن على خلفية المفاوضات النووية التي تعتبرها واشنطن وطهران الأولوية. سير العملية النووية إذاً بات مرتبطاً بسير العملية السياسية في بغداد، وقد يبلغ دمشق.

التعليقات

المقال التالي