مذكّرات هيلاري كلنتون: طريقها إلى البيت الأبيض

مذكّرات هيلاري كلنتون: طريقها إلى البيت الأبيض

حين تقرأ مذكرات هيلاري كلنتون "الخيارات الصعبة" Hard Choices تعرف أن هذه السيدة قد قررت خوض انتخابات الرئاسة المقبلة للولايات المتحدة. في 600 صفحة، تعرض كلنتون أدق وأصعب ما واجهها في عملها كوزيرة للخارجية الأمريكية مع الرئيس باراك أوباما. تنتقل بنا بعين فاحصة وعقل تحليلي منظّم من مشاكل الإحتباس الحراري، إلى مقتل بن لادن، إلى ثورات الربيع العربي ومشاكل آسيا والتحديات مع روسيا وغيرها. خلفيتها كمحامية تعينها على تجزئة المشاكل إلى مكوناتها العضوية وعرضها أمام القارئ. ما لم تقله في هذا الكتاب ربما كان أكثر تعبيراً مما قالته. هذا الكتاب ليس رحلة مع أسرار تكشف لأول مرة، ولكنه بالأحرى دليل يبيّن كيف يفكر الساسة الأمريكيون وكيف يحللون ويتخذون القرارات.

قد يكون أكثر ما يهم القارئ العربي هو ما قالته كلنتون عن الثورات العربية الأخيرة، التي أفردت لها فصلاً مستقلاً من فصول الكتاب الستة. أطلقت هيلاري اسم "الأزمة الخبيثة" على الحرب الأهلية السورية، ببساطة لأنها نزاع لا توجد فيه خيارات كثيرة. بعد إرث مثقل بالحروب، لم تعد الولايات المتحدة تفكر جدياً في استعمال القوة العسكرية في الخارج إلا لضرورات الأمن القومي القصوى. ولأن المصالح تشابكت في سوريا لدرجة أصابت السياسة بالشلل، لم تجد محاولات كلنتون مع نظيرها الروسي نفعاً. التفتت إلى أحد القلائل الذين حققوا شيئاً إيجابياً في حرب العراق، القائد العسكري ديفيد بترايوس David Petraeus. طلبت منه وهما يتناولان الغداء في منزلها أن يخبرها إن كان بالإمكان تدريب وتأهيل المعارضة السورية المعتدلة لتكون نداً لقوات الجيش الموالية لبشّار. عكف بترايوس صاحب مشروع الصحوات الناجح ضد القاعدة في العراق على وضع خطة متكاملة. اصطحبته لاجتماع مع الرئيس أوباما، عرض الخطة عسكرياً، وساندته كلنتون سياسياً قائلين إن هذا الخيار يمكنه أن ينجح في تغيير الوضع الدموي في سوريا. رفض الرئيس ووضعت الخطة على الرف وتُرك الأمر لدبلوماسية مشلولة لم تجد نفعاً حتى الآن. قد يكون تصريح أوباما العلني الأخير مصداقاً لهذه النظرة السلبية لتسليح المعارضة.

اعلان


مصر كانت لعبة التوازنات الهامة. تصف كلنتون في الكتاب كيف كانت رومانسية الثورة تؤثر في الشباب العاملين في البيت الأبيض، الذين كانوا يحاولون أن يدفعوا الرئيس أوباما إلى مساندة شباب ميدان التحرير بقوة. لكن ضرورات الموازنة، والخوف مما هو قادم بعد حليف مهم كحسني مبارك، برغم إقرار كلنتون بفساد حكمه، كانت تبطئ من اتخاذ موقف حاسم. بعد نجاح الثورة، كانت كلنتون ضمن من تخوّفوا من أن هذه الثورة ستذهب غنيمة بين أيدي الجيش والإخوان المسلمين، وهي تقرّ بأن ما تخوّفت منه قد حصل. زارت كلنتون مصر بعد الثورة، وذهبت لميدان التحرير حيث حشود الشباب، لكن صدمتها الكبرى جاءت عندما اجتمعت بقادة الحراك الشبابي. عندما سألتهم عن خططهم لاستثمار ثورثهم وتحويلها لكيان سياسي يعبر عنهم، لم تجد منهم إلا نظرات صامتة وغياباً كاملاً في الرؤى. غادرت وهي أكثر يقيناً أن الثورة مآلها بيد اللاعبين الأساسيين آنذاك، من يملك القوة ومن يملك التنظيم. لا تحمل كلنتون إعجاباً كبيرا للرئيس السابق محمد مرسي. تقول إنها سألته في إحدى زياراتها: "ما الذي تنوي فعله ضد محاولات القاعدة ضرب الأمن في مصر وخصوصاً في سيناء؟" فكان جواب مرسي الصاعق: "لماذا يفعلون هذا معي، أنا حكومتي إسلامية".  علقت كلنتون "توقع الدعم من الإرهابيين ينمّ إما عن سذاجة مطلقة أو خبث غير معقول". في حادثة أخرى تقول كلنتون إن محمد مرسي، خلال الغارات الاسرائيلية على غزة، كان يراجع بنفسه كل مسوّدات الاقتراحات التي يتفاوض عليها مع الجانب الأمريكي للتوصل لوقف لاطلاق النار. في إحدى المرات صاح أمام كلنتون: "لا، لا أوافق على هذه الصيغة"، فردت عليه كلنتون "أنت الذي اقترحتها"، فعاد مرسي لينظر في الورقة ويقول "حقاً، أوكي".

تتحدث كلنتون عن دول الخليج العربي بمزيج من الإعجاب والنقد والتحليل لصراعات النفوذ. ففي وقت لا تخفي إعجابها بتجربة الإمارات العربية المتحدة في التنمية والاهتمام بالاستثمار في الطاقات البشرية، نراها تتحدث عن قطر بنبرة مختلفة. تقول إن قطر التي لا تحترم حقوق الإنسان كجاراتها الخليجيات تناور لتجعل من نفسها بطل الثورات العربية عن طريق دعم الإسلاميين الذين تراهم قدَرَ التغيير القادم في العالم العربي. تشير إلى أن جيران قطر رأوا في ذلك مخاطرة قد تهدّد الاستقرار في بلدانهم، لكن قطر ترى في ذلك فرصة للعب دور قيادي يشيح الأنظار عن غياب الإصلاح داخل بلدها. تتحدث كلنتون هنا عن قوة قطر الناعمة في قناة "الجزيرة" الواسعة الانتشار، وعن الأسلحة والأموال التي تغدقها على الثوار في ليبيا وسوريا، وعن اشتراك طائرات قطرية في منطقة حظر الطيران في ليبيا. تقول هنا إن إسرائيل تشاطر الدول العربية قلقها من الدعم القطري للاسلاميين، وتصف التمدد القطري بقولها: حيثما تنظر في العالم العربي فأنت ترى أياديَ قطرية.

لم يخلُ كتابها من لحظات من وراء الكواليس تكشف دقائق لا يعرفها الناس. فبعد فترة ليست بالقصيرة من الاستعداد للإجهاز على بن لادن، وصلت الأمور للحظة الحسم وتم تحديد الساعة الصفر. لم تنبس كلنتون ببنت شفة عن هذا الأمر حتى لزوجها الرئيس السابق بيل كلنتون. تصف كلنتون اللحظات المشحونة بالقلق وفريق البيت الأبيض يتابع العملية على الشاشة. تقول إن إحدى المروحيّات أصابها عطل، وقفزت للأذهان فوراً صورة العملية العسكرية الفاشلة لإنقاذ الرهائن الأمريكيين في إيران. "ربما تكون تلك اللحظة التي وضعت فيها يدي على فمي كما ظهر في الصورة الشهيرة لي وأنا أترقب ما سيحدث". تقول كلنتون إنها لم تشعر بالفخر يوماً مثل ذاك اليوم، حين نظرت لباراك أوباما فوجدته هادئاً يتابع الأمور وهو متمالك لأعصابه. لم يكن الفريق في الحقيقة يرى كل تفاصيل العملية، ولكنهم كانوا يتابعون بعض ما يجري وينتظرون الأخبار من قائد الفريق. حين جاء خبر مقتل بن لادن، كانت الفرحة عارمة. اتصل أوباما بالرؤساء الأمريكيين السابقين الأربعة ليبلغهم الخبر. قال لبيل كلنتون: أنت بالطبع تعرف ما سأقوله لك، فرد كلنتون: عمّاذا تتحدث؟ وضحك الرئيسان بعد أن تأكدا أن هيلاري كلنتون خير من يكتم الأسرار.

في حديثها عن زعماء العالم، تظهر كلنتون قدرة على فهم أعماق الشخصيات بنظرة الخبير المحلل. أخبرها فلاديمير بوتين يوماً أن والده كان عائداً من معركة في لينينغراد إبان الحرب العالمية الثانية حين رأى بضع جثث متكومة في شارعه لمدنيين قتلهم القصف الألماني. تعرّف المقاتل على حذاء زوجته، أصر على سحب جثتها ليدفنها بنفسه، وفوجئ أن زوجته لا تزال حية. نجت الزوجة وبعد بضع سنين أنجبت بوتين. تقول كلنتون إن هذا قد يكون مفتاحاً لفهم شخصية بوتين التي تحاول دوماُ أن تختبر المقابل، وتخرق الحدود، وتخنق المعارضة، وتعيد مجد الامبراطورية السوفياتية الغابر.

هذا الكتاب يعد لمرحلة مقبلة في التاريخ الأمريكي، مرحلة قد تتسنم فيها امرأة لأول مرة مقاليد الحكم في البيت الأبيض. حكيمة، بعيدة النظر، دبلوماسية، حازمة ومرنة في الوقت ذاته. هكذا يعرض الكتاب للقارئ الأمريكي وللعالم شخصية سيدة طموحة تريد أن تنهي حياتها السياسية في المكتب البيضاوي.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي