العالم العربي بين بوش وأوباما

العالم العربي بين بوش وأوباما

جورج دبليو بوش وباراك أوباما، هذان الرئيسان الأمريكيان المتعاقبان يشكّلان في الوعي العربي حدّين نقيضين للإستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية. بوش ارتبط اسمه بإسقاط الرئيس العراقي السابق صدّام حسين. أما أوباما فقد ارتبط اسمه ببقاء الرئيس السوري بشّار الأسد في الحكم على الرغم من الثورة السورية.

بين بوش وأوباما فروق كثيرة لا تقتصر على تمثيل أحدهما للحزب الجمهوري وتمثيل الآخر للحزب الديمقراطي. فبوش الإبن ترأس أمريكا في فترة سيطرت فيها أيديولوجية المحافظين الجدد على الدوائر المقرِّرة في الحزب ومن بعدها على مواقع اتخاذ القرارات في البيت الأبيض والبنتاغون. أما أوباما، فقد أتى بعد إرث 8 سنوات خلّفه قادة يبشّرون بالديمقراطية، على الطريقة الدينية، ولا يتوانون عن استخدام القوة لتفتيت المنظومات الاستبدادية (بغض النظر عن صوابية أو خطأ هذه التوجهات).

سوريا والديمقراطية الأمريكية

قبل تظاهر المعارضين السوريين سلمياً، قبل قمعهم، قبل عسكرة الثورة وقبل تحوّلها إلى حرب أهلية ضروس استدرجت منظمات إرهابية إلى سوريا للمشاركة فيها، شكّلت سوريا تحدياً كبيراً للإدارة الأمريكية. فالقوة العظمى التي لا تنفكّ تردّد تعابير غرامها بالديمقراطية واستعدادها لدعم الديمقراطيين في العالم وجدت نفسها أمام تغيّر لا يمكنها أن تكتفي معه بالخطابة. حان وقت العمل. إما تتدخل بفعالية أو لا تتدخّل. هذان هما الخياران اللذان كانا أمام أمريكا. قرّرت "القوة الديمقراطية" أن تلعب بين الخيارين.

في مقابلة مع شبكة "بي بي آس" PBS news الأمريكية، قال السفير الأمريكي السابق إلى سوريا روبرت فورد Robert Ford: "يجب علينا، وكان يجب علينا منذ وقت طويل، أن نساعد المعتدلين في صفوف المعارضة السورية بالأسلحة والمساعدات الأخرى غير الفتاكة. لو فعلنا ذلك قبل عامين، لو كنا قد قمنا بتوسيع نطاق مساعداتنا، لما استطاعت جماعات القاعدة التي تكسب أتباعاً أن تنافس المعتدلين الذين نتفق معهم على الكثير من الأمور". برغم ديبلوماسية فورد فإن كلامه أتى كالقنبلة. لقد اتهم أمريكا التي تحارب الإرهاب في العالم بأنها ساهمت، بسبب عجزها، في ولادة بيئة خصبة للإرهاب.

فورد لم يكن يغرّد وحيداً. وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون Hillary Clinton تتفق معه على نقده. في مذكراتها التي ستصدر قريباً بعنوان "خيارات صعبة" Hard Choices والتي كشفت محطة "سي بي أس نيوز" CBS news عن بعض ما تتضمّنه، أكّدت أنها كانت تريد تسليح وتأهيل مقاتلي المعارضة السورية لكي يتمكنوا من التصدّي للقوات السورية ولكن أوباما عارض ذلك. كتبت: "التحرك وعدم التحرك يتضمنان كلاهما مخاطر عالية، ولكن الرئيس كان ميالاً إلى إبقاء الأشياء على حالها، وليس الذهاب أبعد من خلال تسليح المعارضة".

بعد "نقده" لإدارته، كتب روبرت فورد مقالاً في صحيفة "نيويورك تايمز" New York Times دعا فيه إلى ضرورة وضع "استراتيجية تتعامل مع الأسد والجهاديين على السواء". السفير الأمريكي السابق لا يطالب بانتهاج طريق بوش في العراق. "لسنا بحاجة إلى غارات جوية أمريكية على سوريا، ومؤكد أننا لسنا في حاجة إلى قوات أمريكية هناك"، أكد، ولكن في الوقت عينه طالب أمريكا وشركاءها بدعم الجيش السوري الحر مادياً وتدريبياً و"تزويده بالمعدات العسكرية ومن ضمنها مدافع الهاون وصواريخ أرض ـ جو لتقييد عمليات الإمداد الجوي للنظام". كلّ على طريقته، ولكنّ كل من انتهت مهماته الديبلوماسية في الأزمة السورية يتحدث عن عدم اهتمام العالم بمصير السوريين. فالمبعوث الأممي السابق إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، تحدّث، في مقابلة مع قناة "سي إن إن" CNN عن "إهمال المجتمع الدولي والإقليمي للوضع في سوريا".

إستراتيجية نصف قرار

سوريا هي المثال الأبرز الذي يوضح معالم الإستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية وضياعها بين خطابة دعم الديمقراطية وبين السعي إلى تحقيق المصالح الإستراتيجية. ففي ليبيا، كان الحسم الأمريكي عبارة عن نصف حسم. دفعت القوة العظمى قوات حلف شمال الأطلسي للعمل على إزاحة نظام العقيد معمّر القذافي، وفور سقوطه، سحبت يدها تقريباً من تلك البلاد تاركة أهلها يتقاتلون فيما بينهم. أسقطت أمريكا "النظام" ولكنها تناست ضرورة المشاركة في صناعة "نظام جديد" يستوفي معايير الديمقراطية.

لا يمكن لأحد أن يتخيّل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش متراجعاً عن تنفيذ ضربة جوية لسوريا بعد "مجزرة الكيماوي" في غوطة دمشق. كان الحلفاء الأقربون هم من يطالبون أوباما باتخاذ هذه الخطوة. بدلاً من وزير الخارجية الفرنسي السابق دومينيك دوفيلبان Dominique de Villepin الذي وقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عام 2003، رافضاً "غزو العراق"، كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند François Hollande هو من يدعو أوباما، في 2013، إلى التدخل في سوريا. ولكن أوباما تراجع. جورج بوش كان يربط بين دعم أمريكا للديمقراطية وبين استعدادها للالتزام بهذا الدعم حتى ولو وصل الأمر إلى فرضه بالطائرات والجنود. أما أوباما فهو يدعم الديمقراطية وكأنه صحافي يكتب عموداً في إحدى الصحف الكبيرة. حتى في مصر، لم يستطع اتخاذ موقف ضد ما اعتبره هو نفسه مساراً لاديمقراطياً. فضّل التطبيع مع القوي.

مع انتهاء الحرب الباردة، انتشرت فكرة أن النظام العالمي الجديد سيستلهم معايير الديمقراطية الغربية وستبدأ الأمور بالسير على ما يرام. بعد عشر سنوات، تبيّن للجميع أن الاستقطاب الثنائي القديم أخذ أشكالاً أخرى. فريق المحافظين الجدد، وبعد أن تبيّن له أن التاريخ لم ينته ولم تَسُد الديمقراطية الليبرالية في العالم، على ما قال المفكّر فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama، قرّر إنهاء التاريخ بالقوّة.

ضرب التفرّد الأمريكي منظومة الأمم المتحدة حين قرّرت "القوة العظمى" العمل من خارج إطاري مجلس الأمن والجمعية العامة. لم تضع أمريكا ثقلها لبناء آلية عالمية تشاركية لحلّ الأزمات ولتطبيق معايير العصر الحديثة. لم يحكم العلاقات الدولية نظام عالمي جديد ديمقراطي. مع أوباما، تعقّدت الأمور أكثر. أمريكا لا تطالب بالتزام القوانين الدولية التقليدية ولا تسعى إلى تحديثها وفي الوقت عينه لا تريد التدخل في عمليات مكلفة خارج أراضيها. تم القضاء على النظام العالمي ولم يربح أحد فعالية التدخل ضد الديكتاتوريات. بشكل من الأشكال، عدنا إلى الإزدواجيات التي كانت تحكم عالم الحرب الباردة.

يتحدث محللون كثيرون عن نقل أمريكا مركز اهتمامها من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا. ومن هنا تحاول إقفال الملفات التي تربطها بالمنطقة بأقل خسائر وبالإبقاء على أكبر نفوذ ممكن. الفشل محتوم في الشرق الأوسط لأن اللاعبين الإقليميين الكبار لا يتشاركون في المبادئ نفسها مع أمريكا. وحين ينتقل التركيز الأمريكي إلى شرق آسيا لن تنسى دول تلك المنطقة أن هذه هي "القوة العظمى" التي تراجعت عن مبادئها في الشرق الأوسط.

التعليقات

المقال التالي