العراق، التعبئة نحو المجهول

العراق، التعبئة نحو المجهول

لم يتساءل أبو محمد كثيراً حينما سمع أصوات المآذن تصدح في بغداد بالتكبيرات ظهيرة يوم الجمعة الماضي، فهو كان يتابع عبر التلفاز الخطبة التي نقلتها مباشرة قنوات شيعيّة، والتي جاء فيها إعلان "الدفاع الكفائي"، من قبل أكبر ممثلي المرجع السيستاني في البلاد، الشيخ عبد المهدي الكربلائي من داخل صحن مرقد الحسين بن علي، في كربلاء، أقدس المقامات الشيعية في العراق والعالم.

اعلان


أبو محمد انضمّ سريعاً إلى نحو خمسين شخصاً من مدينة الصدر الشيعية، شرق بغداد، وهم يتوجهون لتسجيل أسمائهم في جامع الإمام المنتظر. هناك أخبروه أن عليه أن يجلب سلاحاً معه، أو يذهب إلى أحد مراكز الجيش للتطوع، ما لم يعجبه . "كيف يقولون لي أن أذهب إلى أحد مراكز الجيش، لا أعتقد أنني سأُقبل هناك، فعمري 60 سنة"، يقول الرجل المسنّ وهو يحمل مسدساً قديماً بست طلقات.

على الرغم من استيائه، خرج أبو محمد مع المئات من أهالي منطقته، يهتف عبارات تتوعّد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وتؤكد على الولاء للمرجعية، أمام مقرّ تابع لجيش المهدي، الميلشيا العراقية النافذة والقوية التي يقودها الزعيم الشاب مقتدى الصدر.

48 ساعة مرّت بعد إعلان "الدفاع الكفائي"، سجلت فيها محافظات بابل وكربلاء وبغداد أسماء نحو 200 ألف متطوّع، بحسب العشائر، وأعلنت محافظات المثنى وواسط والبصرة وميسان وذي قار تجهيز "أفواج" للالتحاق بجميع مقاتلي العشائر لمحاربة داعش.

يأتي هذا الاندفاع الكبير للتطوّع في وقت يرى بعض علماء الدين أن دعوة السيستاني ليست إعلان جهاد بمعناه الدقيق، وأنها محصورة بما يسمّى “الدفاع الكفائي”، الذي يقتصر بحسب علماء الفقه على حشد عدد محدد من المتطوعين للعمل الجهادي، ويتوقّف الحشد عند اكتمال العدد الذي يحدده المرجع.  يكون الجهاد في المقابل، في حال الدعوة إليه، ملزماً لكل الشيعة الذين يتبعون المرجعية. ومع هذا فإن الدعاية الحكومية، وميليشيات مثل عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، أصرّت من خلال وسائل الإعلام التي تديرها على الترويج لـ"إعلان الجهاد من قبل المرجعية”.

يقول إبراهيم الصميدعي، وهو محلل سياسي سنّي قريب من الحكومة، إنّ استثمار فتوى المرجعية في الدفاع عن النفس وعن المدن “الشيعية” والمقدسات الإسلامية لشن هجوم بجيوش جرارة من العقائديين غير المتدربين والمعبئين طائفياً ليس إلّا دفعاً لكل السنة المحايدين للسير خلف داعش ومن معها.

لكنّ إعلان الفتوى المثيرة للجدل، أعقبه فوراً تبدّل في المزاج العام السنّي، إذ قام مسلحون سنة، من أهالي منطقة الضلوعية جنوب تكريت (170 كم شمال بغداد)، بطرد مسلحين من تنظيم داعش كانوا يسيطرون على المنطقة، وقتل عشرة منهم، ورفع العلم العراقي وإعادة الشرطة المحلية للعمل. الهجوم ألحق بهجمات مماثلة لأهالي منطقتي الاسحاقي والمحطة، القريبتين من الضلوعية، بالاشتراك مع الجيش العراقي مدعوماً بما يعرف بالصحوات، وهم مقاتلون سنّة يقودهم الزعيم العشائري أحمد أبو ريشة.

في موازاة ذلك، أعلن رجال دين سنّة مقربون من الحكومة، أبرزهم الشيخ خالد الملا زعيم تجمع علماء الدين في الجنوب، وجوب "الجهاد" ضد داعش. ومع أن تأثير هؤلاء قد يكون ضعيفاً بسبب ما يعتبره المزاج العام السنّي "عمالة للحكومة”، يقول استاذ العلوم السياسية جابر الموسوي إن مثل هذه الدعوات لن تؤدي إلى تغيير كبير في مواقف السنّة، لكنّه قد يحمي السنّة الموجودين في المناطق الشيعية من الانتقام، خاصة مع ارتفاع الاحتقان الطائفي بعد استعراضات مسلّحة قام بها تنظيم عصائب أهل الحق (المدعوم من إيران)، في منطقة حي الجامعة، وهي منطقة سنّية غرب بغداد، ومنطقة المحمودية المختلطة جنوب بغداد.

يرى الموسوي أن خطراً كبيراً يهدد البنية الاجتماعية من خلال عملية التطوّع الشعبي، فقبائل مختلطة مثل قبيلة الجبور، أكثر من نصف أبنائها من السنّة، تطوع المئات منهم في محافظة الديوانية لقتال أبناء عمهم في الموصل، ما قد يعمق الشرخ الكبير الذي بدأ مع الحرب على العراق في نيسان من العام 2003.

يضيف الموسوي أن عمليات انتقام تطال أبرياء سنّة أمر وارد، خاصة بعد بثّ صور تظهر مقاتلين ينتمون إلى داعش، وهم يعدمون المئات من أفراد الجيش العراقي، قال التنظيم إنهم هربوا من المعارك فيما تقول الرواية الحكومية إنهم متطوعون جدد كانوا يحضرون دورة عسكرية للانخراط في فرقة تابعة لشرطة حماية النفط، وإنهم لم يتسلموا أسلحة بعد.

يزداد الأمر تعقيداً مع التطوّر الملحوظ لسلطة الميليشيات، على حساب الجيش، خاصة بعد تقهقره السريع أمام المسلحين في الموصل وتكريت، بالإضافة إلى تقديم الميلشيات تسهيلات كبيرة للمتطوعين، منها توفير الغذاء والسلاح وعدم الالتفات إلى فحوص اللياقة البدنية التي يطلبها الجيش، كما أنها ترحب بالأعداد الكبيرة خلافاً للجيش الذي ما زال يبدو متحيراً في طريقة التعامل مع آلاف المتطوعين.

الأكراد أيضاً متخوفون من عمليات الحشد الشعبي، فوجود مقاتلين بمئات الآلاف تحت سيطرة غريمهم المالكي قد لا يكون أمراً مريحاً لهم، خاصة مع التعبئة التي يقودها الإعلام الحكومي والتي تشير إلى "مؤامرة" اشترك فيها الكرد للسيطرة على كركوك (المحافظة الغنية بالنفط 250 كم شمال بغداد)، وأبرز الملفات الخلافية بين العاصمة وإقليم كردستان. جاء انتشار قوات البشمركة في كركوك من دون معارك تذكر، ليضع الأكراد في خانة المستفيد الأول من الأحداث الأخيرة، فيما بدت زيارة السياسي الكردي ورئيس حكومة إقليم كردستان السابق برهم صالح، لكركوك، كأنّها إعلان رسميّ لضمّ المحافظة إلى الإقليم. وقد أكد صالح أن "المحافظة بأمان تحت سيطرة البيشمركة”، مشدداً على أن "الكرد وفّروا الأمان لكركوك"، في تصريح أتى بعد 4 ساعات من الاجتماع بمحافظها، نجم الدين عمر كريم، الذي ينتمي هو كذلك لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة رئيس الجمهورية جلال الطالباني، الراقد في المستشفى منذ عامين.

التعليقات

المقال التالي