"داعش" تحاول اقتطاع دولتها من العراق

"داعش" تحاول اقتطاع دولتها من العراق

"الوضع كله تغير. الناس كلها مشوشة، كل شخص يشعر أنه بات وحده وليس هناك من يحميه... معنوياتنا في الأرض الآن. انتهت معنوياتنا"، قال أبو علاء (54 عاماً)، المواطن العراقي المقيم في بغداد.

هذا هو شعور مواطن عراقي عادي على الرغم من سكنه في منطقة بعيدة عن تطورات الأيام الأخيرة التي أحدثت انقلاباً في شكل الدولة العراقية. ففي الموصل، ثانية مدن العراق، يتحدث المواطن أبو أحمد عن "عملية إسقاط ما تبقى من رمزية الدولة". تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، المسؤول عن الفوضى التي سمّاها "فتوحات ربّانية"، أصدر "وثيقة المدينة" للتبشير بولادة "حقبة الدولة الإسلامية وعهد الإمام أبي بكر القرشي" كخطوة على طريق "مشروع الخلافة المنشود وسيفها المشرع".

اعلان


انهيار الدولة

من سامراء، المدينة الواقعة في محافظة صلاح الدين، بدأ المشهد العراقي المستجدّ. ففي السادس من الشهر الجاري، شنّت "داعش" هجوماً واحتلت بعض الأحياء وصادرت كميّة كبيرة من الأسلحة والذخائر قبل أن تنسحب ناحية صحراء الجلام. التقط العراقيون أنفاسهم بعد سلامة مقام الإمامين العسكريين الواقع في المدينة والذي لم يصل المسلحون إليه. ففي العام 2006، وعلى أثر تفجير الإرهابيين لهذا المقام اندلعت حرب طائفية ضروس أوقعت عشرات آلاف القتلى.

ولكن الأمور لم تقف عند هذا الحدّ. من هنا بدأت. فبعد أقل من أربعة أيّام ذُهل العراقيون أمام مشهد فرار عشرات الآلاف من الجنود العراقيين من مدينة الموصل ومحافظة نينوى أمام حفنة لا تتعدّى الـ3000 مقاتل إسلامي متشدّد. سقطت الموصل وأعلنت "داعش" سيطرتها على المحافظة المحاذية لمناطق انتشارها في الأنبار وحيث تمرّ أنابيب النفط التي تصل كركوك بتركيا. ثم تتابع توسّع "الدولة الإسلامية" في منطقة "المحافظات السنّية" الواقعة بين ثلاثي إقليم كردستان وسوريا وبغداد. فكّوا جزئياً الحصار المفروض على قاعدتهم الفلوجة، سيطروا على قضاء الحويجة وبعض نواحي محافظة كركوك، وعلى عاصمة محافظة صلاح الدين، مدينة تكريت وقضاء الشرقاط، وأجزاء من مدينة بيجي حيث تقع أهم مصافي النفط العراقي ويخوضون المعارك في محافظة ديالى.

ضربات "داعش" أربكت العراقيين والمتابعين للمشهد. "القادة العسكريون والجيش العراقي تبخروا في الموصل"، قال محافظ نينوى أثيل النجيفي. الجيش تبخّر أيضاً من جميع الأراضي التي آلت إلى سيطرة التنظيم المتشدّد. أثناء توسّعها أطلقت "داعش" مئات السجناء الإسلاميين وغنمت كميات كبيرة من الأسلحة والأموال ما يجعلها مؤهلة لخوض معركة طويلة لم تتحدّد معالمها بشكل واضح.

الخطة الغامضة

إلى أين تريد "داعش" السير؟ الأمور لا يزال يكتنفها كثير من الغموض. الجزء الواضح من خطتها يهدف إلى وصل مناطق سيطرتها في الأراضي السورية، أي الرقة وبعض أجزاء محافظتي دير الزور والحسكة بالمناطق التي كانت تسيطر عليها في العراق وبتلك التي تُخرجها من سلطة الدولة العراقية في هذه الأثناء. في تقرير مصوّر نشره حساب "أخبار ولاية البركة" على موقع تويتر، ظهر مقاتلو التنظيم وهم يقومون بإزالة السواتر الترابية على الحدود العراقية- السورية. اختار التنظيم لصوره عنوان "تحطيم حدود سايكس- بيكو". يسعى التنظيم إلى إقامة خلافة إسلامية تغيّر خرائط الدول الوطنية الحديثة.

في الداخل العراقي، لا تنوي "داعش" فرض سيطرة أحادية على المناطق التي تقوم باجتياحها. أساساً عدد مقاتلي التنظيم لا يسمح له بفرض سلطته على مناطق جغرافية شاسعة. لذلك هو يعمل وينسّق مع أعداء حكومة المالكي المتنوّعي المشارب. سياسات رئيس الوزراء العراقي خلّفت في المحافظات السنية تيارات كثيرة مستعدة للتعاون مع الشيطان نفسه. يبدو أن داعش بدأت تكتسب مرونة في تعاطيها مع المجتمعات المحلية. في الموصل، أبلغ بعض العراقيين "رصيف 22" أن الأهالي مرتاحون لوجود المسلحين بعد انتهاء الاستنفار الأمني ويسمونهم "الثوار". شعورهم السابق بالتهميش وامتعاضهم مما يعتبرونه سياسات طائفية موجهة ضدهم دفعهم إلى التعاطف مع سلطات الأمر الواقع المستجدة.

تشير معلومات متقاطعة إلى أن "الدولة الإسلامية" تتعاون مع فرق عسكرية تابعة إلى نائب الرئيس العراقي المخلوع صدّام حسين، عزة الدوري، والمعروفة بـ"جيش الطريقة النقشبندية". كذلك تتعاون مع مجموعات إسلامية متنوّعة لها وجود على الساحة العراقية وبعضها كان "نائماً". هكذا يقوم مقاتلو "داعش"، وهم يأتون من دول إسلامية عدّة، بالمهمات الصعبة ثم يسلّمون المناطق التي تخرج منها السلطة العراقية إلى بعض أزلام النظام السابق أو إلى بعض الأشخاص ممن هم أهل لثقتهم.

إذن ما تريده داعش هو نوع من إدارة مشتركة لـ"الدولة الإسلامية" بشرط أن يلتزم "ولاتها" بالطاعة لأمير المؤمنين أبو بكر البغدادي فور إعلان نفسه خليفة للمسلمين. إذا ما نجحت في مسعاها وإذا فرضت سيطرتها لأمد ما على دولتها المتشكّلة، فسيتغيّر مشهد الجهاد في العالم وستصل تأثيراته إلى الساحة السورية. يصعب تخيّل مجموعات سلفية لا تدين بالطاعة لأمير نجح في تأسيس "دولة الإسلام". على الأقل ستتفكك هذه المجموعات ولن يعود للرافضين سلطة تذكر.

دولة العراق ودولة الإسلام

برغم الفشل الذي راكمه في فترة رئاسته للحكومة العراقية والذي أوصل العراق إلى حالته الراهنة، لا يزال نوري المالكي مصرّاً على انتهاج أسلوب حكم متفرّد. في اجتماع عقد البارحة وضمّ قيادات عراقية، رفض اقتراحاً قدّمه رئيس "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" عمّار الحكيم ويقضي بتشكيل "مجلس للسياسات الأمنية" يضم في عضويته معظم زعماء الكتل السياسية. نُقل عن المالكي قوله للحكيم "أنه لا يحتاج إلى مشورته ومبادراته، وأن لديه الكثير من الحلول لم يستخدمها بعد".

بعد سقوط الموصل، أعلن رئيس حكومة كردستان، نيجيرفان البارزاني، أن القيادات الكردية كانت قد حاولت التعاون مع الجيش العراقي في الدفاع عن الموصل، "لكن، ويا للأسف فإن موقف بغداد لم يكن مساعداً لبناء تنسيق مشترك في هذا الخصوص". كذلك، كشف رئيس البرلمان أسامة النجيفي أن "القطعات العسكرية العراقية لا تمتلك معلومات استخبارية، وترفض التعامل مع المعلومات التي تزودها بها إدارة الموصل". الآن لم يعد أحد ينتظر المالكي. الأكراد سيطروا على مدينة كركوك والعشائر العراقية المناوئة لـ"داعش" ستبدأ بتنظيم قواتها العسكرية والصحوات استنفرت مقاتليها طالبة الدعم اللوجستي من بغداد وملمحة إلى ضعف التنسيق معها في الفترة الماضية.

منذ منتصف العام الماضي، حين قرّر المالكي إزالة الاعتصامات السنّية المناوئة لحكومته بالقوة، دفع الأمور في العراق إلى مزيد من التعقيد. بتعنّته، ولّد بيئات حاضنة للإسلام المتطرّف في مناطق تهمل بغداد تلبية مطالب أبنائها المحقة بمعظمها. فقد جزء كبير من سنة البلاد الثقة بالسلطة المركزية ولم يعودوا يجدون المبررات الكافية لخوض معارك نيابة عنها ولصالحها. بعد سيطرة "داعش" على الفلوجة أواخر العام الماضي وقف المالكي ستة أشهر دون أن يحلّ الأزمة ومحاولاً استغلالها سياسياً لأقصى مدى في تجييش الشيعة العراقيين لكي يكسب ولاية رئاسية جديدة. لم يلبّ مطالب العشائر لكي تطرد "داعش" بنفسها ولا شنّ عملية عسكرية لتطهيرها من المقاتلين الإسلاميين المتحصنين داخلها. الآن انفجرت الأمور وصارت قضية الفلوجة مسألة بسيطة.

الآتي أعظم

في خطاب له، توجّه المتحدث الرسمي باسم "داعش" أبو محمد العدناني إلى مقاتليه قائلاً: "واصلوا زحفكم فإنه ما حمي الوطيس بعد. ولن يحمى إلا في بغداد وكربلاء" وتوجّه إلى المالكي بالقول: "بيننا حساب طويل ثقيل ولكن تصفية الحساب لن تكون في سامراء أو بغداد بل في كربلاء المنجسة والنجف الأشرك".

المعارك على الأرض العراقية تقترب من خطوط تماس سنية ـ شيعية ما ينذر بوصول الأزمة إلى مرحلة لا تحمد عقباها. في سامراء تدور حالياً معارك قاسية. مقاتلو "داعش" اقتربوا من بلدات شيعية في محافظتي صلاح الدين وديالى.

هناك شبه إجماع على أن الجيش العراقي الذي أنفق عليه أكثر من 25 مليار دولار والذي يضم مليون مقاتل عاجز عن مواجهة الأزمة. المالكي نفسه تحدث عن "بناء جيش رديف من المتطوعين أصحاب الإرادة" مطالباً بـ"دعم همة المواطنين وأبناء العشائر للتطوع وحمل السلاح والاشتراك في العمليات العسكرية لدعم الدولة في حربها ضد الإرهاب". دولة العراق مهدّدة بالتفكك ما يجعل الدفاع عن النفس مسألة أهلية. الزعيم الشيعي مقتدى الصدر قرّر إعادة إحياء نسخة من جيش المهدي. قال: "لا أستطيع الوقوف مكتوف الأيدي واللسان أمام الخطر المتوقع على مقدساتنا، لذا فإني ومن معي من المخلصين على أتمّ الاستعداد أن ننسق مع بعض الجهات الحكومية لتشكيل سرايا السلام للدفاع عن المقدسات". الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجع الكبير علي السيستاني، دعا إلى نبذ الخلافات السياسية والتصدي للإرهابيين معتبراً أن "مسؤولية التصدّي لهم ومقاتلتهم هي مهمة الجميع ولا تخص طائفة دون أخرى أو طرف دون آخر".

كل أنظار العالم متوجهة إلى العراق. الدول الغربية الكبرى تفكّر في كيفية مواجهة خطر تنظيم لا يعترف بالنظام الدولي أساساً. عسكرياً لا أحد يعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة. سياسياً، لم يعد من الممكن تسيير الحياة السياسية على أساس معادلة "وحدة وطنية تحت مظلة الاستبداد لمواجهة الإرهاب" وصار ضرورياً السعي إلى إرساء معادلة "وحدة وطنية في فضاء ديمقراطي تحول دون ولادة الإرهاب".

التعليقات

المقال التالي