المعارضة الموريتانية وتمهيد المسار للعسكر

المعارضة الموريتانية وتمهيد المسار للعسكر

استقلت موريتانيا عن فرنسا عام 1960 بعد معارك ثقافية وأخرى عسكرية محدودة ليتولّى الرئيس المدني والنائب عن مقاطعة شنقيط المختار ولد داداه قيادة البلد باعتباره أهم شخصية حقوقية تجمع بين النفوذ في الداخل والعلاقة بالفرنسيين.

حكم المختار ولد داداه طوال 18 سنة كانت متفاوتة من حيث الهدوء، بفعل علاقاته المتوترة مع معارضيه من المدنيين والعسكريين الذين أطاحوا به بعد خوضه حرب الصحراء وغياب أي تماسك للجبهة المدنية الداعمة له ودخول عدة أطراف دولية على خط الصراع السياسي.

ثورة البرلمان

كانت أول حركة معارضة قوية واجهت المختار ولد داداه هي الثورة السياسية التي قادها ابن عمه سليمان ولد الشيخ سيديا أيام تولّيه قيادة الجمعية الوطنية (البرلمان) سنة 1961، والتي انتهت بحلّ البرلمان ومحاصرة رئيسه وإبعاده عن واجهة الفعل السياسي المقاوم باعتباره يشكل تهديداً لرأس السلطة والمحيطين به.

استمرّ حكم ولد داداه بأجندة داخلية ينفذها الحزب الحاكم (حزب الشعب)، ودعم فرنسي صريح أحبط العديد من المشاريع المعارضة وأبرزها أول محاولة لقلب نظام الحكم بالقوة سنة 1966 التي قام بها وزير الدفاع في الحكومة المدنية قبل أن يعتقل على إثرها مع آخرين.

فرض المختار ولد داداه حكماً استبدادياً من خلال تحريم التعددية السياسية وحرية الإعلام، وإجبار النخب على دخول حزب الشعب، ومنع مناوئيه من أي ظهور، وهو ما أدّى إلى صدام قوي بينه وبين الحركة اليسارية.

استمرّ المختار ولد داداه في الحكم إلى عام  1978 حينما أطاحه قائد أركانه العقيد المصطفى ولد محمد السالك وهو أحد ضباط الشرق الموريتاني النافذين.

حكم الجيش ونكسة المعارضين

ساهمت غالبية القوى القومية واليسارية والإسلامية في الحراك الذي شرّع للعسكريين حكم البلاد وإلغاء المسار الانتخابي، وسط آمال بعودة وشيكة للحكم المدني كما يقول قادة جبهة الخلاص، غير أن تطلّع العسكريين للاستمرار في السلطة كان أكثر تأثيراً من ضغط المدنيين لاستعادتها.

دخل العسكر في مواجهة مع خصومه، أبرزها التصعيد ضد حركة الحر (المناهضة للرق والعبودية) عام 1981 واعتقال أبرز رموزها وتقديمهم للمحاكمة، بالإضافة إلى خوض حرب مفتوحة مع الناصريين منذ 1982 حتى 1984 موعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيدالة على يد قائد أركانه العقيد معاوية ولد الطايع.

بداية المسار الديمقراطي

دخل ولد الطايع في تحالف مع القوى التي مهّدت له الوصول إلى السلطة وخصوصاً التيار الناصري، واستمر التحالف بفعل الأزمة العميقة التي هزت أركان الدولة عقب المواجهة مع السنغال قبل أن تقرر الحكومة تصفية عدد من كبار الضباط الزنوج المنتمين إلى جبهة التحرير الأفريقية بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم بالقوة.

بعد ضغوط قوية مورست على الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع من الغرب، وأخرى داخلية، قرر الرئيس عام 1991 إعلان المسار الديمقراطي، وفتح المجال أمام القوى السياسية لتشكيل الأحزاب وأعلن عن تنظيم أول انتخابات تشريعية ورئاسية بموريتانيا.

سيطر الحزب الحاكم بنسبة 70% على انتخابات الرئاسة، بينما قاطعت المعارضة برلمان 1992 بعد اتهامها للرئيس بتزوير الانتخابات وسرقة الفوز من مرشح المعارضة الموحد محافظ البنك المركزي السابق أحمد ولد داداه.

مع بداية 1994 دخل معاوية ولد الطايع في صدام مع بعض أطراف المعارضة (الإسلاميين)، وقرر اعتقال أبرز رموزهم وحل حركتهم «حاسم» وصادر أموالها.

وفي عام 1997 أجريت ثاني انتخابات رئاسية قررت المعارضة مقاطعتها للسبب ذاته وشارك فيها بعض أعضاء الحكومة السابقين كمرشحين مستقلين من أجل اضفاء مسحة من الجدية على النزال السياسي الذي خاضه الرئيس معاوية ولد الطايع ووزير ماليته أشبيه ولد الشيخ ماء العينين.

استمر الوضع على حاله حتى عام 2001، عندما أجريت انتخابات المجالس المحلية والنيابية وقررت المعارضة المشاركة فيها بعد إقرار النسبية وفازت بـ11 مقعداً داخل البرلمان.

غير أن الصدام معها بدأ على الفور من خلال حلّ حزب العمل من أجل التغيير بقيادة عضو البرلمان وزعيم الأرقاء مسعود ولد بلخير.

عام 2003، دخل ولد الطايع في حرب مفتوحة مع الإسلاميين، واستمرت الحرب حتى المحاولة الانقلابية في يونيو 2003، التي قتل فيها قائد حرسه الرئاسي وقائد أركان جيشه، وفرّ عشرات الضباط والجنود من الخدمة العسكرية.

دعا ولد الطايع للانتخابات الرئاسية في ذلك الحين (نوفمبر 2003)، وفاز فيها برغم دعم أطراف معارضة كبيرة للرئيس السابق محمد خونه ولد هيداله، وترشح زعيم المعارضة أحمد ولد داداه ورئيس حزب التحالف مسعود ولد بلخير.

استمرت الأزمة بين الإسلاميين والسلطة حتى حدوث انقلاب الجيش على الرئيس في 2005 بعد رحلة قادته إلى المملكة العربية السعودية للتعزية بملكها الراحل.

المسار الانتقالي

شاركت جميع أحزاب المعارضة في المسار الانتقالي الذي أعقب استيلاء الجيش على السلطة عام 2005، وأفضى إلى انتخابات تشريعية سنة 2006 ورئاسية سنة 2007 انتهت بسرقة فوز المعارض التاريخي أحمد ولد داداه بضغوط من الجيش، وفوز الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بنسبة بلغت 53 %.

في هذه الثناء، صعّدت المعارضة من لهجتها ضدّ الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، واستمرت في حراكها في الشارع والإعلام لتقويض أركان حكمه، وهو ما جرى في 6 أغسطس 2008 على يد الضابط في الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز الذي أعلن نفسه رئيساً للبلاد بعد إقالته من قبل الرئيس بساعات معدودة في الإذاعة الوطنية.

عارضت المعارضة الانقلاب لسنة ثم خاضت جولة حوار برعاية أممية أفضت إلى انتخابات رئاسية مكّنت من فوز الجنرال محمد ولد عبد العزيز بمنصب رئيس الجمهورية الإسلامية في السابع عشر من يوليو 2009.

لا يزال ولد عبد العزيز متربعاً على كرسي الرئاسة برغم التظاهرات التي خاضتها المعارضة وشعار الرحيل الذي رفعته منذ يناير 2011، وذلك حتى 21 يونيو من هذا الشهر، موعد الانتخابات الرئاسية الجديدة.

المعارضة الموريتانية وتمهيد المسار للعسكر

التعليقات

المقال التالي