"داعش" وفريضة الخوف

"داعش" وفريضة الخوف

ذُهلت عندما اكتشفت أن بعض المعارف والأصدقاء على مواقع التواصل يرون في ما يفعله "الدواعش" مثالاً لما يمكن أن تكون عليه دولة الخلافة الإسلامية. يرجع ذهولي وانزعاجي الكبيران إلى أسباب ثلاثة:

الأول، أن أغلب هؤلاء ليسوا ممن يطلقون على أنفسهم لقب إسلاميين. إذا كان هؤلاء كذلك، فماذا ننتظر ممن يتأسلم؟ هل تكمن بيننا وحوش تنتظر اللحظة المناسبة لتنقضّ علينا؟

اعلان


الثاني، أنني شخص حريص على اختيار أصدقائه من بين مَن يتمتعون باستقامة الفكر وطيبة القلب. فكيف تسلل حب الدماء إلى القلوب الطيبة؟

أما الثالث، فهو اعتقادي بأن وجود مجموعة عسكرية مثل داعش لا يُقلق بقدر ما بقلق رواج فكره رواجاً ولو محدوداً في بلادنا. مخيفة فكرة أن أناساً يعيشون بيننا ولا يحول بينهم وبين الالتحاق بقاطعي الرؤوس سوى ظروف قد تزول.

كل هذا دفعني لأن أتابع بقدر كبير من الاهتمام ما يفعله أبناء "داعش"، وكيف يمارسون ما يسمّونه تطبيقاً لشرع الله. من بين الصور والتسجيلات الكثيرة التي تُظهر أعمال قتل وذبح وسبي نساء يقوم بها التنظيم، توقفت أمام مقطعي فيديو لافتين جداً. وهما خاليان، لحسن الحظ، من العنف الظاهري ولكنهما مشحونان بالعنف اللفظي وبالتالي يمكن للقارئ أن يشاهدهما.

المقطع الأول نُشِرَ في الحادي والعشرين من أغسطس الماضي على موقع يوتيوب وهو لـ"داعشي" يحمل سلاحه ويتحدث بلهجة مغربية ممسكاً بمكبر صوت وسط جمهور يبدو أكثره من الصغار. يقول الرجل إنه لاحظ أن الأطفال يثنون على مقاتلي "داعش" عندما يصل المسلحون إلى مدينة ما و"يرمون لنا القبلات من بعيد... ولكن الكبار ينظرون نظرة المغشى عليهم من الموت، وهم لا يعرفون أننا أحسن ناس يمشون على وجه الأرض بعد الأنبياء". ينطق الرجل بالكلمات الأخيرة وهو يصرخ تقريباً وقد توهجت عيناه بطريقة تظهر نرجسية واضحة.

أما المقطع الثاني الذي نشر في الشهر نفسه، فهو لشخص ملتحٍ يلقي درساً دينياً في أحد المساجد. لا يظهر من الفيديو إن كان مكان تصويره يقع داخل منطقة يسيطر عليها داعش، وهو أمر ذو دلالة، أم خارجها، وهو ذو دلالة أعمق وأخطر. يشرح الملتحي لمريديه كيفية ذبح الأسرى مستدعياً حديث الرسول (ص) الذي قال فيه: "وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" ويعقب: "نعم نحسن قتله ولكن نذيقه وبال أمره". يسأله أحد مريديه عن أمر الرسول لأصحابه في غزواتهم "ولا تمثّلوا"، فيرد "الشيخ" بسرعة محرّكاً يده بطريقة تدلّ على الحسم: "ليس في هذا الباب يا طيب... ليس في الذبح". بعدها، يتناول سيفاً من أمامه ليمثل كيف يجب أن يحز العنق. لا يتمالك الرجل نفسه وهو يتخيّل أنه يذبح الشخص الخيالي فيصدر صوتاً شَبِقاً كمن غلبته شهوته، أو كأن لعابه قد سال فعلاً. إذ ذاك يقابل الجمهور إشاراته بالضحك.

هل يحتاج الأمر إلى اختصاصي نفسي ليفهم سلوك الشخصيات الظاهرة في تلك المشاهد؟ بالتأكيد بلى. ولكن يمكن بسهولة ملاحظة بعض ما تشي به تلك الصور من أمراض لم تعد محصورة بحالات فردية بل هي تتفاقم وتتحوّل تدريجياً إلى أمراض جمعية أو "مجتمعية".

يساعدنا على رسم صورة عامة لهذه المشاهد ما قاله عالم النفس الشهير إريك فروم Erich Fromm. يصف العالم الألماني "الشر الإنساني المحض" في مقدمة كتابه "جوهر الإنسان" بأنه متلازمة انحلال. يقول: "حب الحياة وتخطي النرجسية يشكلان متلازمة نمو في مقابل متلازمة الانحلال التي يشكلها حب الموت والتعايش السفاحي والنرجسية الخبيثة".

ثم يتحدث فروم عن قدرة الإنسان التدميرية ويقف أمام نوع خاص من العنف يسمّيه العنف التعويضي. يقول: "إن من اختبر شدة العنف التدميري والسادي لدى الأفراد والجماعات، هو وحده من يمكنه أن يفهم أن العنف التعويضي ليس بالأمر السطحي... بل هو طاقة لدى الإنسان توازي قوتها وشدتها قوة وشدة رغبته في الحياة... إن العنف التعويضي هو النتيجة الضرورية لحياة غير معيوشة وكسيحة".

في هذه الفقرة، يوضح فروم أن الرغبة الشديدة في التدمير إنما هي نتيجة فقدان الأمل، فتكون وسيلة الإنسان العاجز عن أي فعل إيجابي، لتعويض عجزه، هي إلحاق الأذى والدمار بكل من حوله ليثبت لنفسه أنه قادر على الفعل.

ومعروف أن علماء نفس كثر تحدثوا عن أن بعض الأمراض النفسية قد تصير معدية مثل الأمراض العضوية تماماً، فتتحوّل إلى ما يشبه الوباء الذي يصيب الجماعات والأفراد على السواء. فهل تتسلل إلينا العدوى الخبيثة ونحن عنها غافلون؟ لمثل هذا خلق الله الخوف، فهو السبيل إلى فعل المقاومة، وهو الوجه الآخر لإرادة الحياة.

صحافي مصري حاصل على إجازة في الأدب العربي والإنغليزي. شارك في لجان تحكيم عدد من المهرجانات الدولية للأفلام السينمائية والوثائقية.

التعليقات

المقال التالي