هل تستيقظ حركة عدم الانحياز من وفاتها السريرية؟

هل تستيقظ حركة عدم الانحياز من وفاتها السريرية؟

البارحة اختتم الاجتماع الوزاري الـ17 لحركة عدم الانحياز في العاصمة الجزائرية. تداول المجتمعون مختلفَ القضايا ذات الأهمية على الصعيد العالمي. على الرغم من كثرة العناوين الهامة التي تتم مناقشتها، إلا أن اجتماعات الدول الأعضاء تحوّلت، منذ فترة طويلة، إلى لقاءات لا تهدف إلا إلى تأجيل إعلان وفاة هذا الإطار.

كان الهدف من الاجتماع الذي عُقد تحت شعار "تعزيز التضامن من أجل السلم والرفاهية" وضعَ وزراء خارجية الدول المشاركة مجموعة وثائق ستعرض على قادة الدول بعد سنة، خلال القمة الـ17 للحركة في كاراكاس. تداول الوزراء عناوينَ معظم قضايا العلاقات الدولية، وتوصّلوا إلى تبنّي "إعلان الجزائر" وأربع إعلانات أخرى، هي الإعلان الخاص بفلسطين، إعلان نزع السلاح والتسلح، إعلان تكنولوجيات الاعلام والاتصال والاعلان الخاص بالذاكرة المؤسساتية لدول الحركة.

الروح العالمثالثية

أهم ما تطرحه حركة عدم الانحياز في نقاشاتها يكمن في الروح العالمثالثية التي تهيمن على طروحاتها. فهي، على الرغم من تراجع أهميتها على الخارطة العالمية، لا تزال مكاناً خصباً لانتقاد هيمنة دول المركز على العلاقات الدولية. في كلمته، أثناء افتتاح الاجتماع، دعا رئيس الوزراء الجزائري عبد الملك سلال إلى "مواصلة الجهود التي تبذلها حركتنا في سبيل عولمة ذات مسحة إنسانية أكثر فأكثر توازناً وتضامناً، غايتها توزيع ثمار التقدم العالمي على البشرية جمعاء".

هذه الروح انعكست في المقررات الختامية؛ تأكيداً على "التزام الحركة بتنفيذ هدف دمقرطة العلاقات الدولية لإعادة تأهيل صلاحيات الجمعية العامة، وإعادة توازن مجلس الأمن تزامناً مع إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والمالية". الحركة تعتبر أن توسيع مجلس الأمن بشكل يعكس المتغيّرات الدولية هو "مطلب عادل وديمقراطي".

في مسألة السلم والأمن الدوليين، تؤكد الحركة على العلاقة الوطيدة بينهما وبين التنمية. في الاجتماع الأخير، أعادت التذكير بأن "استئصال الفقر يعد أكبر تحد أمام العالم". وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة دعا إلى تفعيل الحوار جنوب– جنوب في ظل واقع "فشل المجتمع الدولي في حل قضايا الإقتصاد وإشكالية التنمية".

حركة عدم الانحياز "ليست منظمة دولية لديها قدرة التطبيق بل هي سلطة معنوية وسياسية"، يقول الوزير لعمامرة ويضيف: "لولا وجود الحركة... كان سيصعب على العالم الثالث تقديم أرضيات مشتركة في التفاوض المتعدد الأطراف". برأيه، تساهم نقاشات أعضاء الحركة في إعادة هيكلة القضايا المطروحة على الساحة الدولية، وتُدخل اهتمامات دول العالم الثالث إلى دائرة النقاش العالمي.

في الاجتماع الحالي، كما في الاجتماع الماضي واللاحق، تطرّق وسيتطرق المشاركون إلى القضايا التي تمسّ مصالح الدول النامية كقضايا الإرهاب، الجريمة العابرة للحدود، التسلح، الهجرة غير الشرعية، الاتجار بالبشر، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، العنصرية والإسلاموفوبيا، التحديات الأمنية والاجتماعية والبيئية والصحية، قضايا اللاجئين، الاتجار بالمخدرات، حق الاستفادة من الطاقة النووية للأهداف السلمية، نزع أسلحة التدمير الشامل... في الجزائر، تداولوا أبرز الأزمات السياسية العالمية كالحرب السورية، القضية الفلسطينية، وغيرها من أزمات الساعة (اليمن، العراق، ليبيا، نيجيريا، مالي...).

تداولُ كلّ هذه العناوين لن يوصل إلى مكان، لأن بين دول المجموعة خلافات كبيرة تمنعها من تجاوز الاتفاق على عناوين عامة. أهم ما تطرحه الحركة على جدول أعمالها هو تكرارها الدائم في كل وثائقها للمبادئ التي تأسست عليها منظمة الأمم المتحدة، إضافة إلى مطالبتها بتغيير شكل العلاقات الدولية، وخاصة طرحها إعادة هيكلة المنظمة الدولية من أجل مزيد من الديمقراطية.

تاريخياً، لعبت الحركة دور المنصة التي تسمح بإسماع صوت الدول النامية، وكانت أبرز إنجازاتها حثّها الجمعية العامة للأمم المتحدة على تبنّي القرار رقم 1514 الذي أكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى ضرورة منح الاستقلال للشعوب المستعمرة، وكذلك حثها على إقرار مشروع النظام الاقتصادي الدولي الجديد الذي يدعو إلى سيادة الدول الأعضاء على ثرواتها الطبيعية، ويطالب بتأسيس المبادلات التجارية على أسس عادلة. وفي السياسة تبنّت قضايا النضال ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وحقوق الشعب الفلسطيني.

الجزائر وعدم الانحياز

في كلمته أثناء انعقاد الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، عام 1974، تحدث الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين عن قمة الحركة التي انعقدت قبل عام في بلاده، ووصفها بأنها تظاهرة أتت "احتجاجاً على النظام الذي يتحكم حالياً في العلاقات الدولية، وتعبيراً عن رفض قاطع للدور السلبي الذي يراد فرضه على الأغلبية الساحقة من الشعوب".

للجزائر تاريخ طويل مع حركة عدم الانحياز. منذ بداية الاجتماعات الأفرو آسيوية وجدت حركة التحرير الجزائرية في هذه المجموعة الناشئة حليفاً طبيعياً لها في نضالها ضد الاستعمار الفرنسي. وفي مؤتمر باندونغ، عام 1955، الذي يعتبر المؤتمر الرئيسي في مسار تأسيس الحركة، حضر وفد من "جبهة التحرير الوطني" وخاطب التجمّع الذي احتضن ممثلين عن 29 دولة و30 حركة تحرر، وعرض أمامه قضية كفاح الشعب الجزائري فكانت النتيجة إدانة البيان الختامي للاستعمار الفرنسي، ودعمه مبدأ حق الجزائريين في تقرير مصيرهم.

خلال الاجتماع الوزاري الحالي، عملت الجزائر على حشد التأييد لمبدأ مكافحة الإرهاب، خاصة في ظل التحديات الناجمة عن نشاط جماعات إرهابية عدّة على مقربة منها. في كلمته الافتتاحية، حذر رئيس الوزراء الجزائري عبد الملك سلال من تنامي "ظاهرة الإرهاب التي ضربت أطنابها بفعل تهديدها لاستقرار الدول في المنطقة، لا سيما في أفريقيا".

هذه القضية هي من القضايا التي تقض مضاجع معظم الدول الأعضاء، رغم أن تمويل الحركات الإرهابية يأتي من بعض دول هذه المجموعة بقصد تحقيق مكاسب سياسية في صراعاتها مع أعضاء آخرين. البيان الختامي دعا إلى "التزام مجتمعي" لمواجهة ظاهرة الإرهاب الذي "يمثل تهديداً خطيراً لاستقرار الدول والسلام والأمن الدوليين، لأنه لا يعترف بالحدود أو الجنس أو العرق أو الدين".

مستقبل عدم الانحياز

في كل الحالات، لم تعد حركة عدم الانحياز تلك الحركة التي يمكن التعويل عليها. ليس أوضح من تلكؤ دول الحركة التي كان شعار دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها من أبرز شعاراتها عن دعم قضية الشعب الصحراوي، دليلاً على تراجعها، لا بل موتها السريري.

في كلمة المغرب أمام الاجتماع الوزاري، دعا الكاتب العام لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون، ناصر بوريطة، إلى التضامن الجماعي بين دول المجموعة لمواجهة التحديات المعقدة التي تزداد خطورة، ضارباً مثل "التهديدات التي تستهدف أمن واستقرار الدول ووحدتها الترابية، كما هو الحال في منطقة الساحل والصحراء". بين مبدأ الوحدة الترابية للدول الذي تنادي به المغرب، وبين مبدأ حق تقرير المصير الذي يعتبر أهم مبادئ حركة عدم الانحياز، كان المخرج التوفيقي في المقررات الختامية بالإشارة إلى دعم المفاوضات الجارية في إطار الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى "حل سياسي يحظى بقبول متبادل".

بعض الأصوات تطالب بإعادة تفعيل الحركة على الساحة الدولية. ولكن بين التمنيات والواقع فرق شاسع. "إن تفعيل دور حركة عدم الانحياز يرتبط بقدرتها على وضع أفكار وبرامج جديدة مشتركة لمواجهة كل التغيرات، من عولمة وثورات تكنولوجية وتوترات والعمل على استتباب الأمن وتسوية النزاعات الكبيرة الموجودة في الجنوب"، يقولالأمين العام  الأسبق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي. "حركة عدم الانحياز عليها إعادة هيكلة نفسها لمواجهة الحقائق المعاصرة"، لفت رئيس اللجنة السياسية في المؤتمر، الإكوادوري لويس جاييجوس Luis Gallegos.

واقع الحال هو أن الحركة لا تزال تكرّر بعض الأفكار التي صارت تعتبر من الماضي، كما أن التناقضات الموجودة بين أعضائها تجعل منها حركة مشلولة، غير قادرة على التأثير في مجرى العلاقات الدولية. إذا أرادت هذه الحركة العودة إلى الحياة، عليها أن تكفّ عن التطرق إلى كل عناوين السياسات الدولية، وأن تركّز على بعض المسائل التي تعبّر عن مصالح المجموعة بأكملها.

التعليقات

المقال التالي