تحقيق ميداني عن هدن دمشق وضواحيها

تحقيق ميداني عن هدن دمشق وضواحيها

يفضّل النظامُ السوري أن يسمّيها اتفاقات مصالحة وطنيّة. يحاول توصيفها بعودة الهدوء، واستبباب الأمن؛ لكأنه بسط سيطرته عليها بما لا يحمل أي تأويل مخالف للحقيقة. هي هدن مؤقتة وهشة وغير مكتملة، يتجدد الموت فيها مع اندلاع أي شرارة. يتوصّل طرفا الحرب السورية إليها درءاً لمزيد من القتل أو التجويع، وأغلبها وقعت في مناطق وبلدات أثقلها الحصار والقتال الطويلان. باستثناء أكبرها مفعولاً، وهي التي حدثت في بداية مايو في حمص القديمة، كانت أغلب الهدن في محيط العاصمة دمشق وريفها الجنوبي. هي لا تعيد بسط السيطرة للنظام كما جرى في حمص، ولكنها تقاسم للنفوذ بين الطرفين؛ فالمقاتلون الذين اعتادوا على الحرب مستعدون لتجديد القتال، وما زال السلاح بأيديهم.

منذ نهاية 2013، سعى النظام السوري إلى توسيع رقعة مناطق الهدنة. كانت أولاها في تلكلخ (حمص) في مارس 2013. تبين لاحقاً أنها تهدئة مؤقتة، لتقع في قبضة النظام في يونيو من السنة نفسها. ثم سرعان ما كرّت سبحة الهدن، لا سيما في دمشق وريفها، منها ما هو معلن، ومنها ما هو سريّ. استفاد النظام من هذه الهدن لفرض طوق أمان خانق حول العاصمة وللاستفادة من الهدوء للتفرغ لجبهات أخرى، وكذلك للترويج للأسد قبل انتخابات 3 يونيو القادم. كيف يرى المعارضون والمدنيون هذه الهدن التي تلف خاصرة العاصمة؟ وهل يحترم طرفاها بنودها؟

اعلان


الهامة وقدسيا

كانت هدنة قدسيا والهامة، منطقتان مؤيدتان للنظام بأغلبية السكان، في شهر ديسمبر 2013. بعد حوالي شهر من الحصار ومنع دخول وخروج المدنيين، يقول الناشط "بشير" المقيم في قدسيا: "توصلت المنطقتان الى هدنة عبر وجهائها. وعدَ النظام بالإفراج عن المعتقلين، دون أن يُفرج عن أي منهم، وأقام الطرفان حواجز مشتركة وجرت الأمور على ما يرام". ولكن في شهر فبراير 2014، قُتل ضابط للنظام مع نجله داخل قدسيا، وهي التي عُهد أمر أمنها للمقاتلين السابقين الذين شكلوا لجاناً شعبية. عاد الحصار ومُنع دخول المواد الغذائية والطبية. هكذا، تجدّدت الغارات الجوية بدءاً من 19 مارس. قصفٌ أودى بحياة عدة أشخاص قبل أن يتوقف ويرفع الحصار مجدداً.

يدافع "ضياء"، ابن قدسيا عن الهدنة وعن ضرورة احترامها، مؤكداً بأنها لمصلحة الجميع، لا سيما في ظل الازدحام السكاني بقدسيا التي تأوي أكثر من 150,000 نازح. أما "محمد" ابن الهامة، فيقول "توجد دائماً أسباب تدعو لخرق الهدنة بين الطرفين، فمن جهة يدكّ النظام المدينة بالقذائف من دون سابق إنذار، ومن جهة أخرى يقوم القائمون على حمل السلاح باغتيال شخصيات مهمة بشكل عشوائي". ويضيف: "المطلوب حل جذري للفلتان الأمني والتصرفات العشوائية، لأن مفعول الهدن مؤقت".

المعضمية

بعد حصار خانق دام لشهور طويلة وقصف يومي أودى بحياة عدد من المدنيين والأطفال، لم يجد سكان المنطقة طعاماً يبقيهم على قيد الحياة. اجتمع كبار المدينة الواقعة جنوب غرب دمشق، وسعوا إلى اتفاق بين المقاتلين من المعارضة والنظام. المعضمية التي شهدت القصف الكيميائي لسكانها في شهر أغسطس الماضي، توصلت لاتفاق في شهر يناير 2013. بموجب الهدنة، سلّم المقاتلون أسلحتهم الثقيلة، وسوّت الدولة أوضاعهم وحلّق العلم السوري فيها. كذلك، وصلت قوافل الغذاء والدواء ورفع الحصار. لكن، التفتيش على حواجز النظام بقي يحدد كمية الطعام التي تدخل المنطقة، وتكرّر القصف من جديد. تقول "لمى"، المنسقة الإعلامية لمجلس محافظة ريف دمشق، "موقف الجيش الحر هو موقف المدافع، لكن الثوار لم يسلموا يوماً أسلحتهم وكانوا يردّون على كل قصف للنظام بمثله، علماً أنهم لم يبدأوا به ولا مرة". تحكي "لمى" عن خرق الهدنة من قبل النظام من خلال ارتكاب محظورات تم الاتفاق على عدم ارتكابها، مثل القصف الذي تكرر على أماكن تواجد المدنيين، ناهيك عن الاعتقالات المستمرة. مؤخراً، تضيف "لمى"، حرقت قوات النظام بساتين البلدة وأغلقت معبرها الوحيد لإجبار الأهالي على إخراج أهالي داريا منها.

مضايا

يقول، "هيثم"، الناشط في مضايا التي تأوي حوالي 10،000 نازح، بأن البلدة الواقعة في منطقة الزبداني توصّلت الى هدنة منذ شهرين. تضمنت الهدنة رفع الحصار ووقف العمليات العسكرية وتسليم الأسلحة من قبل المقاتلين. تم تنفيذ الشروط وتوقف القصف. في 19 مايو، انهارت الهدنة إثر قصف النظام العشوائي للبلدة وعودة القنص بين الطرفين وقطع المواد الغذائية. يشير "هيثم" إلى أن الهدنة كانت من طرف قوات المعارضة فحسب، أما النظام فلم يقدّم أي تنازل.

اليرموك

نتيجة لعدم التزام النظام ببنود الهدنة، عادت جبهة النصرة إلى مخيم اليرموك وهي التي لم تخرج منه أصلاً. توصّل المخيم، الذي ضمّ حوالي 160،000 فلسطيني قبل الأزمة، إلى هدنة في حدود شهر فبراير بعد حصار قضى على أكثر من 100 شخص، وبعد دخول المنظمات الإنسانية بقوافلها وعديدها ومساعداتها. لكن الاقتتال بين قوات النظام والمعارضة ما لبث أن تجدد ليسود ساحة المخيم، ولتقفل أبوابه أمام المساعدات. سقطت الهدنة. لكن المفاوضات تواصلت والوفود لم تيأس منها، فيما يموت المزيد من سكان المخيم الـ20,000 الباقين. يقول عضو اتحاد تنسيقيات الثورة السورية في جنوب دمشق، "أبي ناصر"، بأن قوات الأسد لا يتطلعون الى تسوية الوضع في اليرموك قبل التوصل إلى اتفاقية تضم جميع بلدات جنوب دمشق (القدم، العسالي، الحجر الاسود، التضامن) والتي تنشغل الوفود بالمفاوضات حولها. برأيه، فإن النظام لا يرغب أن يُوقع أي اتفاق للمخيم حتى تكون خاتمة الهدن في المنقطة؛ إذ يعوّل على المليشيات الفلسطينية الموالية له لتخريب أي اتفاق. في المقابل، فالطرف الآخر المسيطر على المخيم، بحسب قوله، أغلبه من عناصر جبهة النصرة والجبهة الاسلامية، وعناصر جبهة النصرة بأغلبهم من سكان المخيم الأصليين. كل ذلك، يصعّب مسألة التوصل إلى اتفاق حول وضع مخيم اليرموك.

برزة

حيٌ شمالَ العاصمة، كان سكانه من أوائل المتظاهرين ضد النظام. توصل الحي إلى هدنة في يناير 2014 بعد حصار مطبق وقتال عنيف استمر لأكثر من 10 شهور. يقول "أبو طارق" المتحدث باسم المجلس المحلي في برزة، "ان الحي الذي كان يضم قرابة 35,000 نسمة، كان محاصراً بشكل كلي وكان الثوار يسيطرون على طريقين مهمين جداً فيه". لم يعد النظام فقط بوقف القصف على برزة وبمنح العفو العام، بل وعدَ أيضاً بإطلاق المعتقلين والسماح بعودة المدنيين وفك الحصار واعادة الخدمات وتأهيل البنى التحتية مقابل وقف العمليات العسكرية من قوات المعارضة وفتح الطرقات التي تسيطر عليها. هكذا، وضع المعارضون للنظام حواجز على حدود البلدة وشيدت حواجز اخرى للنظام بعد بضعة أمتار منها. بموجب الهدنة، أطلق سراح أكثر من 20 معتقلاً. كانت هدنة برزة من "أنجح الهدن وأكثرها ثباتاً وفيها مصلحة للجميع" بحسب "أبي طارق"، لكنه يضيف: "النظام لم يحترم كامل الشروط، وخاصة بند المعتقلين وانسحاب الجيش الكامل من أراضي برزة. المسلحين من أهل الحي أيضاً، ما زالوا في الحي ولم يسلموا أي رصاصة أو سلاح للجيش، لا ثقيل ولا خفيف، ولم ينضموا لأي تشكيل يتبع للنظام السوري".

يلدا، ببيلا وبيت سحم

في جنوب العاصمة، وبعد حوالي سنة من الحصار، دخلت المساعدات الإنسانية الى تلك البلدات بواسطة الهلال الأحمر، وغيرها من الجمعيات في نهاية شباط 2014. حكى، "أبو ناصر"، عضو اتحاد تنسيقيات الثورة السورية في جنوب دمشق، عن الهدن التي جرت في محور يلدا- ببيلا- بيت سحم قائلاً: "ان الاتفاق بين النظام والمعارضة على هذا المحور هو اتفاق مصالح فرضته قوات الأسد بسبب الانتخابات القادمة من جهة، وكي تتفرغ قواته المنهكة في الجنوب لجبهة القلمون". يضيف "أنه اتفاق مؤقت لا شكّ، إذ باستطاعة أي فصيل عسكري رمي الاتفاقية في مهب الريح، ولكن الجميع يلعب على الوقت". السلاح الثقيل للمقاتلين، الذين لا زالوا في مواقعهم، لم يسلم منه إلا الشيء البسيط. في المقابل، حتى هذه اللحظة، يؤكد "أبو ناصر"، لم تفتح الطرقات بشكل طبيعي، ولم يرفع الحصار كاملاً ولم تدخل أية مواد طبية أما الوعود بإطلاق سراح المعتقلين فتبقى في عداد الموتى. بل على العكس، تم تسجيل اعتقالات أخرى. فضلاً عن ذلك، يقول "أبو ناصر"، تعرضت كل من ببيلا وبيت سحم ويلدا لقصف الهاون والمدفعية مراراً من قبل قوات النظام.

قد يكون غياب طرف دولي مراقب للهدن، كالصليب الأحمر او منظمات الأمم المتحدة مثلًا، هو ما يترك المجال الواسع لخرقها. يحكى اليوم الكثير عن المصالحة التي تدور في جوبر والزبداني وكامل حرستا (طبّقت الهدنة فقط غربي الأوتستراد من جهة بساتين برزة) ودوما وجنوب دمشق، ويحكى أيضاً عن انهيارات محتملة للهدن القائمة، فهل تتسع دائرة الهدن مستقبلاً أم تضيق؟

التعليقات

المقال التالي