تكنوقراطي متردد وشيوعي ساذج ينافسان الأسد على الرئاسة

تكنوقراطي متردد وشيوعي ساذج ينافسان الأسد على الرئاسة

في الرابع من مايو الجاري، أعلنت المحكمة الدستورية العليا في سوريا عن قبول ثلاثة طلبات ترشّحٍ إلى الانتخابات الرئاسية. من بين 24 طلباً، لم ينجح في امتحان المحكمة سوى الرئيس بشار الأسد ومرشّحَين هما: ماهر عبد الحفيظ حجار وحسان عبدالله النوري. فمن هما هذان المرشحان؟

بمعزل عن طبيعة المرشحين للانتخابات، كانت السلطة السورية قد رسمت مشهداً مضحكاً للاستحقاق باستبعادها، لا فقط معارضي الخارج، بل كل من سولت له نفسه يوماً انتقاد النظام بشكل جدّي. النظام قرر انتخابات يحدّد قانونها يوماً للصمت الانتخابي، بينما يستمر صوت القذائف عالياً! المشهد السوريالي اكتمل بهوية المرشحَين اللذين سينافسان الرئيس السوري بشار الأسد.

النوري، تكنوقراطيّ متردّد

سنة 1998، نجح حسّان عبد الله النوري في الانتخابات النيابية، فشغل عضوية مجلس الشعب حتى العام 2003. قبلها، عمل كأمين سر لغرفة صناعة دمشق وذلك بين عامي 1997 و2000. وبعدها، انتقل إلى الحكومة كوزير دولة لشؤون التنمية الادارية واستمر في منصبه هذا حتى العام 2002.

النوري المولود في دمشق عام 1960 متزوج وله خمسة أولاد. الشهادات الحاصل عليها وعدم تداول السوريين إسمه حين الحديث عن رجال السياسة، تجعل منه إحدى الشخصيات التكنوقراطية. بعد حصوله على شهادة بكالوريوس في الاقتصاد والتجارة من جامعة دمشق عام 1982، توجّه إلى الجامعات الأميركية وحصل على ماجستير في الإدارة العامة من جامعة ويسكونسين Wisconsin ثم على شهادة دكتوراه في الإدارة العامة من جامعة كينيدي Kennedy، عام 1989.

مصادر متنوّعة لا يمكن تأكيد معلوماتها تقول إنه حائز أيضاً على دبلوم في الدراسات المعمقة في إدارة الأعمال والعلوم التجارية من جامعة الروح القدس في لبنان، دكتوراه في إدارة الأعمال من الجامعة الأوروبية في سويسرا وإنه مستشار دولي مجاز من معهد المستشارين الدولي في الولايات المتحدة الأميركية. شهاداته الكثيرة تضيف غموضاً على شخصيته، خاصة أنه لم يستحصل عليها من جامعات بارزة وهي تكرر نفسها بطريقة أو بأخرى. بالنسبة لعمله غير الحكومي، نقرأ أنه عميد الجامعة الأوروبية لكلية الأعمال في منطقة الشرق الأوسط، رئيس مجلس إدارة مركز الدراسات التسويقية والإدارية MMC والمدير الإقليمي للمركز الاستشاري للتنمية الإدارية وبناء القدرات MDCCB في جنيف.

على صعيد نشاطه في سوريا، يُقدَّم النوري على أنه رئيس "المبادرة الوطنية للإرادة والتغيير"، وتتحدث بعض وسائل الإعلام عن أن هذه المبادرة هي "تشكيل من المعارضة السورية في الداخل المقبولة من النظام". في الحقيقة، فإن المبادرة المذكورة أطلقها، في أوائل مايو 2012، "مركز الدراسات الإدارية والتسويقية" الذي يرأسه النوري نفسه. تهدف المبادرة "إلى رفع مستوى الأداء الإداري والبشري للمنظمات السورية للوصول إلى الكوادر البشرية القادرة على تطوير أدائها وتنمية مهاراتها الإدارية والقيادية من خلال العمل الجاد مع المؤسسات والمنظمات الوطنية لبناء سورية المتجددة". حين انطلاقتها، أوضح النوري أن المبادرة "ستبحث سبل إخراج بعض المنظمات والمؤسسات من الواقع الإداري الصعب الذي تواجهه نتيجة الأزمة التي تمر بها سورية". باختصار، تدرّب المبادرة الموظفين على كيفية الحفاظ على النظام.

أول نشاطات المبادرة كان تنظيمها، بالتعاون مع كلية الدفاع الوطني، ورشة عمل بعنوان "إدارة الأزمات والتغيير" شارك فيها متدربون من مختلف الوزارات ومؤسسات الدولة على مدى تسعة أيام. شرح النوري للمتدربين "أن التكوين المؤسسي التقليدي القائم على البنية الوظيفية وما يتضمنه من تجزئة للاختصاصات والمسؤوليات وما يتصف به من بطء في الاتصالات يمثل النقيض لإدارة الأزمة" وسجّل "غياب ما يسمى إدارة الأزمة في سورية وأن ما هو موجود عبارة عن انتظار لوقوع الحادثة أو الأمر ليتم التعامل معه بعد ذلك" ودعا إلى "ضرورة إحداث وحدة أزمة في عدد من الجهات العامة والوزارات".

يصعب العثور على كلام سياسيّ أدلى به هذا التكنوقراطيّ. فلننظر إلى تعريفه الأكاديمي للأزمة لأنه يعكس قراءته لما يجري في سوريا. يقول النوري إن الأزمة "لها عدة مراحل تمر بها وهي الولادة حيث إنها لا تنشأ من الفراغ، ثم مرحلة النمو والاتساع ذلك أن عدم معالجتها في الوقت المناسب يؤدي إلى نموها واتساعها، وتدخل في مرحلة النضج وهي أخطر مراحل الأزمة ويندر أن تصل إلى هذه المرحلة إلا إذا قوبلت باللامبالاة من قبل متخذي القرار في مراحلها الأولى والأمر الذي يؤدي للصدام". يُقال إن النظام أجبره على خوض الانتخابات.

حجّار، كاريكاتور الانتخابات

على عكس النوري، فإن ماهر عبد الحفيظ حجار لا يمكن اعتباره بأي شكل من الأشكال إحدى الكفاءات السورية. قراءة المعلومات الشخصية التي تتحدث عنه تؤكد على أمرين: هو شخصية سياسية درجة ثالثة أو رابعة، وهو شخص وصولي أقرب إلى الكاريكاتور منه إلى رجل السياسة.

إبن شهدية أنيس المولود والمترعرع في حي البياضة في حلب، عام 1968، حاصل على دبلوم دراسات لغوية عليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة حلب. هذه الدراسة لم تمكّن هذا الشاب، المتزوج والأب لطفلة وحيدة، من كتابة جملة عربية صحيحة على ما يظهر من كتاباته على صفحته الخاصة على الفايسبوك.

كيف يمكن أن نموضع حجّار على الخارطة السياسية السورية؟ إبن حلب انتسب حين كان طالباً جامعياً، عام 1984، إلى الحزب الشيوعي السوري (حزب خالد بكداش)، أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب البعث. عام 2000، نشأت خلافات بينه وبين حزبه دفعته إلى المشاركة بعد ثلاث سنوات في تأسيس "اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين" وهي مجموعة تعرّف عن نفسها بأنها ماركسية لينينية تحلقت حول القيادي الشيوعي قدري جميل، وصار إسمها في ديسمبر 2011 "حزب الإرادة الشعبية".

عندما أسس الحزب، أراد قدري جميل، الشخصية القوية، عدم الهيمنة عليه فكان أن اتفق الرفاق على تشكيل هيئة أمناء للحزب مكونة من سبعة أعضاء، إضافة إلى مجلس قيادي مكون من 60 عضواً. هكذا يمكن أن نفهم حقيقة تعريف وكالة "سانا" ومَن نقل عنها للحجار على أنه "أمين مجلس هذا الحزب".

في السياسة، دعا الحزب إلى "الانعطاف باتجاه برنامج اقتصادي اجتماعي ديمقراطي ثوري يجتث قوى الفساد الكبرى ويخفف وطأة الحصار الاقتصادي". وقال قائده قدري جميل: "نحن المعارضة الأكثر جذرية للنظام الاقتصادي والاجتماعي القائم". الكلام الصادر فور تأسيس الحزب منمّق. ولكن عملياً ماذا يريد هذا الحزب؟ كل تصريحات مسؤوليه شبيهة بتصريحات قيادات النظام. لنقرأ قليلاً في "مشروع برنامج حزب الإرادة الشعبية" الذي أقره مجلس الحزب بتاريخ 31.8.2013. يرد في البرنامج المقطع التالي: "يتبوأ الجيش العربي السوري موقعاً هاماً ضمن هذه المعادلة (معادلة منطق التاريخ التي تفرض الإجهاز على القطب الإمبريالي العالمي والكيان الصهيوني) بصفته ضامناً للوحدة الوطنية، الأمر الذي يتطلب حمايته ورصّ صفوفه بشكل مستمر ومنع أي جهة كانت من تفتيته أو إضعافه".

في سوريا شارك "حزب الإرادة الشعبية" في تكتّلين: الأول هو "الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير" التي تأسست في 9 يوليو 2011 في دمشق، وهي ائتلاف يجمعه بالحزب السوري القومي الاجتماعي (الانتفاضة) وشخصيات "مستقلة". الجبهة اتفقت في وثائق مؤتمرها الثاني المعقود في أكتوبر 2013 على أن "المهمة الأكبر أمام الشعب السوري الآن هي توحيد صفوف السوريين لاجتثاث المسلحين غير السوريين ومن في حكمهم، لكونهم رأس حربة المخطط (الأميركي – الصهيوني – الرجعي العربي) لتفتيت سورية. وهنا يتبوأ الجيش العربي السوري الموقع الأهم في هذه المعادلة". بإسم هذه الجبهة ترشّح حجار عام 2012 وفاز بمقعد نيابي عن مدينة حلب.

وأيضاً، شارك "حزب الإرادة الشعبية في تأسيس "ائتلاف قوى التغيير السلمي" في مايو 2012، إلى جانب الحزب السوري القومي الاجتماعي، وآخرين. عضو الائتلاف المهندس فاتح جاموس شرح أن الاختلاف مع تيارات من مثل "تيار بناء الدول السورية" و"هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي"، أي معارضة الداخل، هو "في الموقف من استراتيجية مسألة إسقاط النظام" وهذا ما "حال دون انضمامها إلى الائتلاف الحالي".

كل هذه التحالفات ليست سوى تحالفات وهميّة بدليل أنه، منذ أسابيع قليلة، حلّ"ائتلاف قوى التغيير السلمي" نفسه. ومنذ أيام قليلة، أعلن رئيس "الحزب السوري القومي الاجتماعي" علي حيدر، انسحاب حزبه من "الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير" نتيجة التباين الواضح في المواقف من الاستحقاق الرئاسي فهو قرّر دعم المرشّح بشار الأسد.

الأجمل في الآونة الأخيرة هو نفي "حزب الإرادة الشعبية" أي صلة له بحجّار. فقد أكد ناطق رسمي باسم الحزب في بيان نشرته جريدة "قاسيون" (الموقع الرسمي للحزب)، أن "عضو مجلس الشعب السيد ماهر حجّار ليس عضواً في أي هيئة قيادية أو قاعدية في الحزب، الذي لم يحضر مؤتمره العام الأخير الذي انعقد في حزيران 2013 رغم دعوته إليه". يبدو أن حجّار ترك الإطار الذي أوصله إلى مجلس الشعب فور تحقيق مبتغاه.

كل ما سبق ذكره بسيط أمام كاريكاتورية هذا المرشّح التي أظهرتها صفحته الخاصة على الفايسبوك. كتب حجّار، ولن نصحح أخطاء صاحب دبلوم الدراسات اللغوية العليا: "لو لاحظتم التعليقات عندما اقترحت إخراج المسلحين من حمص وتأمين ممر أمن لهم منذ اكثر من عشرة أيام هاجمني الجميع. اليوم الكل يهلل ويصفق للخطوة الحكيمة التي تنم عن النظرة الثاقبة للقيادة الذكية. ملاحظة: كل ما اذكر شيئاً من برنامجي الإنتخابي القيادة الحالية تحاول تطبيقه. لو كنت أعلم بذلك لكتبت هذا المنشور منذ 3 سنوات ولما وصلنا إلى ماوصلنا إليه".

أما عن آرائه السياسية فحدّثْ ولا حرج. في برنامجه الانتخابي يَعد بـ"إحلال السلام وإيقاف حمام الدم خلال سنة" ولكنه يوضح أن "إحلال السلام هنا لا يعني بالضرورة التوصل إلى حل سياسي كامل تماماً بل فقط وقف لإطلاق النار ومحاولة تهيئة الجو المناسب لإطلاق عملية سياسية". لم يترك أحداً من شرّ "بوستاته". أثار امتعاض المسيحيين بقوله: "المسيحون في سوريا كانو حياديين ولم يقدمو أي شي لهذا الوطن في مواجهة المؤامرة (بشكل عام وليس الجميع) وبالتالي لايمكنهم المطالبة برئيس مسيحي". وأثار امتعاض الأكراد بقوله: "تباً للمرتزقة بالفعل إن لم تستح فاصنع ما شئت. هل هذا جزاء من اعطاكم حقوقكم اللغوية والاثنية !!!"، رداً على تصريح لقيادي في "وحدات حماية الشعب" أشار فيه إلى رفض إجراء الانتخابات في الأقاليم الكردية الثلاثة ذاتية الحكم.

حجّار يعاني من عدم تعاطي السوريين معه بجدّية. كتب: "من الملاحظ في الفترة الأخيرة أن العديد من المؤيدين لبشار الأسد يقومون بتسخيف موضوع الترشّح لرئاسة الجمهورية العربية السورية". إلى صفحته الفايسبوكية أطلق هاشتاغ#ماهر_رئيسا_لسوريا فتحوّل إلى تجمّع لتغريدات تشتمه أو تسخر منه.

إنْ حصلت الانتخابات السورية في 3 يونيو القادم، ستكون أول انتخابات رئاسية تعددية تشهدها سوريا منذ وقت طويل جداً. ولكن، بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد من الممكن اعتبار هذا الحدث إنجازاً، خاصة وأنه يفتح الأزمة على مزيد من التعقيدات السياسية ويؤخر الحلّ. فكيف إذا كانت هوية منافسَي الأسد كما رأينا.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ  09.05.2014

التعليقات

المقال التالي