مسيحيّو فلسطين في الجيش الاسرائيليّ

مسيحيّو فلسطين في الجيش الاسرائيليّ

الأب جبرائيل ندّاف، كاهن الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية في يافا- الناصرة، أثار ولا يزال يثير، عاصفة من الجدل داخل المجتمع الفلسطيني في اسرائيل بعد تبنيه دعوة لتشجيع الشباب المسيحيين على الخدمة في الجيش الاسرائيلي. دعمت أقلية مسيحية الأب نداف على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنشأت لذلك الدعم نادي محبّي الأب نداف.

اعتبرت هذه المجموعة أن نداف بدعوته هذه يعبر عن مخاوفها وغضبها من تديين الهوية الفلسطينية، وما يتعرض له المسيحيون بشكل عام من تمييز في الوسط العربي، داخل اسرائيل، ذي الأغلبية المسلمة. غير أن الأغلبية المسيحية رفضت دعوة نداف ومناصريه لإعطاء الحرية للشباب الفلسطيني المسيحي بالتطوع في الجيش، أسوة بالشباب الدروز وعرب النقب المسلمين، ملمّحين للعلاقة الجيدة التي تربط الكاهن نداف بالحكومة الاسرائيلية، وبرئيس الوزراء نتنياهو Netanyahu شخصياً.

كانت هذه الحملة قد انطلقت، العام الماضي، بدعم من الحكومة الاسرائيلية لتشجيع الشباب المسيحيين على التطوع في الجيش، حيث أن العرب غير مشمولين بالخدمة الالزامية كسائر مواطني اسرائيل عدا اليهود الأرثوذكس. يشكل عرب الداخل الفلسطيني ما يقرب من 20% من سكان اسرائيل، فيما نسبة المسيحيين 2% من مجملهم.

مقالات أخرى:

"نحن لا نخجل من المسلمين في هذا الخصوص، فنحن الطائفة الوحيدة غير الموجودة في الجيش الاسرائيلي"، قال أحد وجهاء المجتمع المسيحي في الناصرة، والذي طلب عدم ذكر اسمه لرصيف22. أضاف أن هناك أمراً واقعاً بالنسبة لفلسطينيي الداخل لا بد من التعامل معه. فهم وأولادهم ولدوا ونشأوا في ظل دولة إسرائيل،  وإن الوقت قد حان للتعامل مع هذه الحقيقة، من دون استحياء أو تخوين. "نحن فلسطينيون، وهويتنا غير قابلة للنقاش، ولكن في الوقت ذاته لقد تعب الجميع من النقاش حول القضية الفلسطينية. عقود مضت ولا حل، ويجب علينا أن نبدأ بالتعامل بواقعية مع الأمور"، يضيف الوجيه النصراوي.

استجابة لضغط الشارع ولضغوط سياسية، قام المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية مؤخراً بتجريد الأب نداف من صلاحياته الكنسية، ومنعه من ممارسة مهام عمله كراعٍ لكنيسة يافا- الناصرة. وجاء في تفسير هذا القرار أن الكهنوت يتعارض مع الدعوة لتجنيد الشباب المسيحي والعمل بالسياسة.

كانت مصادر الجيش الاسرائيلي أفادت أن أعداد المسيحيين المتطوعين للخدمة في الجيش الاسرائيلي قد تضاعفت قياساً بالعام الماضي. وفي بيان أصدره أوفير جندلمان ‏Ofir Gendelman، المتحدث باسم رئاسة الوزراء الاسرائيلية، بعد لقاء جمع نتنياهو بالأب نداف قال، إن "عدد المجندين المسيحيين الذين ينخرطون في صفوف جيش الدفاع ارتفع من 35 مجنداً العام الماضي إلى 100 مجند هذا العام. والجدير بالذكر أن 500  شاب وشابة من أبناء الطائفة المسيحية يخدمون في إطار الخدمة المدنية ". أضاف البيان نقلاً عن الأب نداف قوله: "هدفنا هو صون الأرض المقدسة ودولة اسرائيل. لقد كسرنا حاجز الخوف، والدولة تستحق أن نلعب دورنا بالعمل وبالدفاع عنها، ومن يعارض دمج الطائفة المسيحية في مؤسسات الدولة لا يمشي على درب المسيحية ".

مما يسلط الضوء أكثر على أسباب هذه الدعوة من قبل الأب نداف، وتجاوب بعض المسيحيين معها، هو مشاركته في مظاهرة أمام سفارة الاتحاد الأوروبي للاحتجاج على قتل المسيحيين في سوريا. تبدو هذه الفعالية كاشفة لخوفٍ مسيحيّ من تزايد التطرف الإسلامي في المنطقة العربية، والذي أحرق بنيرانه العديد من الطوائف المسيحية المتعددة في كل من العراق وسوريا، وتسبب في نسبة هجرة غير مسبوقة في الشرق الأوسط.

ربما كان هذا من الأسباب التي دفعت كاهناً مثل جبرائيل نداف إلى اتخاذ مواقف حادة تجاه ما يراه طغياناً للهوية الإسلامية على الحضور المسيحي التاريخي، حتى بين أبناء البلد الواحد. ودفعه هذا إلى إطلاق تصريحات تخلق حدوداً وتبعد المسافات بين الفلسطينيين بناءً على الهوية الدينية واستدعاء التاريخ القديم. فقد اعتبر أن الزيادة في عدد المسيحيين المجندين في الجيش الاسرائيلي بشارة لتزايد مستقبلي واندماج أكبر مع وسط يعتبره الأقرب إليهم تاريخياً ودينياً. يعتبر نداف أن المسيح كان آرامياً وتنحدر جذوره من اليهودية: "نحن نريد العودة إلى جذورنا، والمسيحيون ليسوا بعرب، لكنهم أجبروا على تكلم العربية مع بدء الاحتلال الإسلامي"، على حد تعبير الأب نداف، كما تساءل، في استنكار، "لماذا ينتقدون المسيحيين اذا تجندوا في جيش اسرائيل، ولا ينتقدون المسلمين البدو أو الدروز الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي؟".

على الجانب الآخر، هناك أغلبية مسيحية لا يستهان بها، إضافة للمسلمين من عرب الداخل تناهض بشدة دعوات نداف، ومن يؤيده، وتعتبرها محاولة اسرائيلية لشق الصف الفلسطيني. تستشهد على هذا بالقانون الذي أقره الكنيست مؤخراً، والذي يعرّف المسيحيين الفلسطينيين على أنهم مسيحيون وليسوا فلسطينيين. هذا القانون لقي استنكاراً واسعاً من الأوساط المسيحية، ومن مجلس الكنائس العالمي الذي اعتبر أنه يميز بين السكان الأصليين بناءً على الدين، وأن "هذا التمييز يؤدّي إلى قطيعة غير مقبولة عن مجتمعات بأكملها مع هويتها الثقافية".

أعلن الجيش الاسرائيلي في إبريل الماضي عن البدء بإرسال أوامر التجنيد الاختياري إلى الشباب المسيحيين. وأثار هذا الخبر تعليقات حادة في أوساط عرب الداخل، حيث صرح النائب العربي المسيحي في الكنيست، باسل غطاس، أنه يطلب من الشباب المسيحي "إعادة هذه الأوامر بالبريد لمرسليها، أو حرقها علناً في طقوس تعبر عن حالة رفض شعبي لتجنيد المسيحيين".

فلسطين المثقلة أصلاً بأحمال الماضي الديني والتاريخي، والذي كان سبب المأساة الفلسطينية من الأساس، تعود مرة أخرى لاستدعاء الماضي والدين، هذه المرة بين المسلمين والمسيحيين. لا يبدو أن فصل الأب نداف من عمله الكنسي سينهي الجدل المحتدم الآن حول موضوع التجنيد، بل يبدو أن الموضوع مرشح لمزيد من التصاعد في المستقبل. ربما كان تزايد أعداد المسيحيين المنخرطين في الجيش أو الخدمة المدنية مؤشراً على ما قد نراه مستقبلاً.

يبدو بالفعل أن اسرائيل تحاول استغلال الوضع الحالي لمكاسب مستقبلية. ولكن السؤال الملح هنا: هل هي تعمل من فراغ، أم أنها تستغل ظروف انشقاق وتمييز خلقهما أبناء الوطن الواحد، باعتمادهم مبدأ الهوية الدينية عوضاً عن الهوية الوطنية؟ هل كان يمكن لإسرائيل أن تخرق الجدار لولا أنها وجدت فيه شقوقاً ذاتية تتسع يوماً بعد آخر.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي