السيسي خاتم الثورات المصرية

السيسي خاتم الثورات المصرية

الأصوات التي سيحصدها المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي، يومي الإثنين والثلاثاء المقبلين، تكفي لأكثر من تحقيق فوز. هذه الكتلة الناخبة ستمكنه من سحق خصمه حمدين صباحي. المشير يأتي إلى المصريين من منصبه العسكري السابق، من الشاشات، وحتى من قطع الشوكولا التي يتناولونها.

غداً سيحلّ الصمت الانتخابي. قبل الخامس من الشهر القادم ستعلن النتيجة العامة لجولة الانتخابات الأولى. وبما أن جماعة الإخوان المسلمين قرّرت مقاطعة الاستحقاق، لن يحتاج السيسي إلى جولة إعادة لكي يترأس مصر. وزير الدفاع السابق يترأس "هبة النيل" عملياً منذ 3 يوليو 2012، ولكن قريباً سيتحوّل من رئيس الظلّ إلى الرئيس الفعلي لمصر.

رئيس بالشوكولا

خلال يومي الإثنين والثلاثاء القادمين، سيتقاطر المصريون إلى مراكز الاقتراع لكي يختاروا الرئيس السادس لدولتهم. ستتعادل الأرقام. ثلاثة رؤساء فرضوا أنفسهم عليهم وثلاثة تم اختيارهم بواسطة الانتخابات. ما تعاقب من أحداث بعد 25 يناير امتصّ رغبة الشعب المصري في الحلم. اللااستقرار الذي عاشوه حوّلهم، من جديد، إلى أنصار للدولة القوية. لذلك لن تكون الانتخابات لصالح أنصار شعار "هنكمّل حلمنا" بل ستكون لصالح جماهير "تحيا مصر".

في جديد الفانتازيا الشعبية الداعمة للسيسي وزعت حركة "سياحيون من أجل مصر" قطعاً من الشوكولا طبعت على غلافها صور المشير بالزيّ المدني. استخدمت الفكرة التي ظهرت في مصر بعد 3 يوليو. تم ذلك خلال رحلة نيلية لدعم "النجمة". صور السيسي تنتشر في كل مكان: على السيارات، على المراكب البحرية، على الحلوى المعروضة في المتاجر... ووصلت حتى إلى الثياب الداخلية النسائية. ما يحصل على الأرض يحصل أيضاً في السماء. قبل أيام، حلقت طائرة "تيار الاستقلال" في سماء محافظات الصعيد، وعلى متنها عدد من السياسيين والإعلاميين وقامت بإلقاء عشرات الآلاف من صور السيسي وأعلام مصر على أبناء الأرض.

قبل أيام أيضاً، تجمّع المئات من أبناء الطرق الصوفية في منطقة السيدة زينب للاحتفال بذكرى ولادتها. إلى مدائح آل البيت والأناشيد الإسلامية، أنشد المدّاحون أغاني "تسلم الأيادي" ورفعت الحشود لافتات داعمة للسيسي.

من جانبه، أصدر خالد زيدان، منشد حزب النور السلفي، نشيد "حرّاس صاحيين". في كلمات النشيد، يقول كاتبه عبد الحميد جمعة: "اليوم رئيس لينا بنختار/ السيسي أنسب خدنا قرار/ عشان نحقق الاستقرار/ وإحنا معاه طبعاً ناصحين". بحسب كلمات النشيد فإن حزب النور قرّر دعم السيسي، لأنه قوي وقادر على حماية البلاد "وده اللي يؤمر بيه الدين".

عقم السياسة في مصر

ستنظم الإنتخابات الرئاسية المصرية في ظل مناخ من الإنقسام الحاد الذي تولّد بعد إقصاء الرئيس محمد مرسي، وما صاحبه من قمع طال جماعة الإخوان المسلمين بهدف إخراجها من المشهد السياسي.

هذا الإنقسام انعكس حرباً بالفتاوى بين طرفي الصراع الرئيسيين. ففي حين أصدرالشيخ يوسف القرضاوي، "مفتي الإخوان" المقيم في قطر، فتوى وقّعها 160 شيخاً من جنسيات مختلفة حرّمت المشاركة فى الانتخابات الرئاسية، ردّ الأزهريون، فقهاء السلطة، والسلفيون، حلفاء السلاطين عبر التاريخ بفتاوى تدعو إلى العكس. وكيل وزارة اﻷوقاف، الشيخ صبري عبادة، اعتبر أن القرضاوي "فقد كل ما لديه من عقل وبصيرة نتيجة حبه للجماعة الإرهابية" وأن كلامه "لا يمت للإسلام بصلة". مفتي الديار المصرية السابق، الدكتور علي جمعة، شنّ هجوماً على القرضاوي ووصفه بأنه "أصيب بالألزهايمر وأصبح خرفاً، وهو رجل مسكين لا أظنه قادراً على إدراك الواقع المصري أو إصدار الفتاوى، وفي الحقيقة هذه الفتاوى تكتب له ومعروف عنه أنه قَطري الهوى ويتم استخدامه كآلة". أما نائب رئيس الدعوة السلفية، الدكتور ياسر برهامي فاكتفىباعتبار فتوى القرضاوي "فتوى باطلة".

مشهد الانتخابات في مصر يؤكد بأن ثورة 25 يناير لم تأت بجديد سياسي. الاستقطاب الحالي هو نفسه الذي رسم مسار الحياة السياسية في مصر منذ ثورة 1952: إسلاميون في مواجهة العسكر. وبعيداً عن هذا الإنقسام، وفي داخل ساحة المتنافسين، نرى تنافساً بين مرشح ناصري الهوى ومرشح آخر يجسّد شخصية عبد الناصر نفسه. هذا يعني أن الشعب المصري لا يزال عالقاً بين فكّي النموذج القديم للأفكار القومية الشعبوية التي لا تنتج شيئاً سوى بيع أوهام العظمة لجمهور من الفقراء المسحوقين. الشباب المصري بعضه فضّل مقاطعة مسرحية الانتخابات كشباب حركة "7 أبريل"، أما البعض الآخر فقد قرّر لعب دور "الكومبارس" لأحد المرشحين، دور يتبدّى مع رئيس حركة تمرّد، محمود بدر، بشكله الأكثر كاريكاتورية. في النتيجة، الشباب المصري لم يولد سياسياً حتى الآن، والطاقة الإيجابية التي بثها في الحياة منذ قيامه بالثورة على نظام الرئيس حسني مبارك لا تزال هزيلة أمام الطاقة السلبية التي يمثلها أنصار الاستقرار ممن اصطلح المصريون على تسميتهم بـ"حزب الكنبة".

المرشح المتعالي

في أول إطلالة تلفزيونية بعد إعلانه ترشحه للرئاسة، قال عبد الفتاح السيسي: "برنامج حاسم معنديش"، في إجابته على سؤال عن مشكلة الطاقة. وفي حواره التلفزيوني الثاني قال: "مينفعش نقول تفاصيل كتيرة". لا يعتبر المشير نفسه مرشحاً على طراز مرشحي الديمقراطيات الحديثة الذين يصلون إلى السلطة كمسؤولين عن تنفيذ برنامج سياسي ينال تأييد شريحة شعبية معيّنة. فهو قد صرّح علناً أن الديمقراطية لا تناسب مصر وأنها لن تكون فكرة مجدية قبل ربع قرن على أقل تقدير.

لذلك، ليس غريباً أن يرفض السيسي الإستجابة لطلب منافسه بإجراء مناظرة علنية بينهما وليس غريباً ألا يقدّم برنامجاً انتخابياً. مصر ليست الولايات المتحدة الأميركية. "لسه منعرفش السيسي أوي، لسه في أجزاء غامضة جداً"، قال الإعلامي عمرو أديب تعليقاً على ما أدلى به رئيس مصر القادم في مقابلات تلفزيونية. ولكن هذا الجهل يترجم في بلاد النيل أصواتاً انتخابية كثيفة. أديب نفسه هو من أشد المتحمسين للمشير.

"المصريون استدعوني ولبّيت النداء"، قال السيسي. هذه هي قصة الانتخابات المرتقبة. الجماهير استدعته للكاريزما التي يتمتع بها. "الكثير من الناس يمكنهم تزيين الكلمات، واللعب على مشاعر المواطن" قال وزير الدفاع السابق وأضاف: "لكنني أحب الصدق، لأن الله يحبه". الفترة القادمة "فترة أفعال لا أقوال، ولا مكان فيها للكلام المعسول"، قال الدكتور عبدالله المغازي، المتحدث باسم الحملة الرسمية للمشير السيسي. إذن البرنامج الانتخابي ليس مسألة غير ضرورية فقط بل هو مسألة محتقرة.

جدوى السجال حول غياب برنامج السيسي لخصها الفنان محمد صبحي. قال: "هنقعد نتكلم ونقول برنامج السيسي، برنامج السيسي فين؟ بصراحة لا النخبة ولا المثقفين هيقرأوا برنامج، مش هنضحك على بعض، إحنا بنوصل للبسطاء عن طريق الشاشة، قولي بس رؤيتك للقادم إيه، قولي إيه رأيك، إيه فكرتك، محدش هيقعد يركز في تفاصيل برنامج انتخابي" وأردف: "المرشح بعد ما يكون رئيس الناس هتقوله عملت إيه؟ مش هتقوله برنامجك إيه؟... الآذان بتحب تسمع الأحلام".

بالأرقام

في انتخابات المصريين المتواجدين خارج البلاد، شارك 318 ألفًا و825 مواطناً. حصد السيسي 296 ألف و628 صوتاً ولم ينل صباحي سوى 17 ألف و207 صوت أي 5،4% من الأصوات. الفارق شاسع بين المتنافسيْن. جماهير المشير لم تنتظر إعلان النتائج الرسمية. احتفلوا في مناطق عدّة بالفوز قبل صدور النتائج.

هل ستكون النسب مشابهة في انتخابات الداخل؟ في استطلاع رأي قام به المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة"، قبل أربعة أيام، أعرب 69% من المصريين عن نيّتهم التصويت للسيسي مقابل 2% فقط من المتأكدين من أنهم سيصوتون لصباحي. الملفت هو أن 62% ممن حسموا خياراتهم الانتخابية لم يقرأوا أو يشاهدوا أو يسمعوا عن البرنامج الانتخابي للمرشح الذي سينتخبونه. وفقط 21% من مؤيدي صباحي سينتخبونه، لأن لديه برنامجاً انتخابياً جيداً. صدقت قراءة المشير. البرنامج الانتخابي لا يعني شيئاً في مصر.

الانتخابات النزيهة

على الرغم من أن بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الأوروبي أرسلت 30 مراقباً أوروبياً قبل حوالى 50 يوماً من موعد الانتخابات، إلا أنه طرأت مشكلة تقنية كادت توقف عملها. رفضت مصر السماح لها بإدخال بعض المعدّات بحجة أنها تؤثر في سيادة مصر. ولكن المشكلة سرعان ما حُلّت وأعلنت اللجنة القضائية العُليا المشرفة على الانتخابات الرئاسية في مصر أنها "أزالت جميع العقبات التي كانت تحول دون قيام البعثة المكلفة من الاتحاد الأوروبي بمتابعة الانتخابات".

السلطات المصرية فهمت أن عدم تسهيل عمل البعثة سيقضي على شرعية الانتخابات خاصة وأنه سبق للمنظمات الأميركية أن رفضت مراقبتها. السيسي نفسه يعرف أهمية دور هذه البعثات التي يقتصر عملها على إعطاء الشرعية للإنتخابات، بعد وضع بعض الانتقادات في تقاريرها. فهو كان قد رحّب قبل الأزمة بعمل البعثة "لنقل رسالة واضحة إلى مختلف دول العالم تؤكد على إجراء انتخابات الرئاسة وسط أجواء ديمقراطية، وفق معايير الاتحاد الأوروبي".

إلى البعثة الأوروبية، سيراقب الانتخابات الرئاسية المصرية وفد من البرلمان العربي، بعثة من جامعة الدول العربية، بعثة من الاتحاد الإفريقي وغيرها. مركز جيمي كارتر رفض توجيه مراقبيه إلى مصر. في بيان أصدره اعتبر "أن الفترة التي تلت الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، في يوليو الماضي، اتسمت بالصراع السياسي الحاد والمتصاعد، والاستقطاب، وعدم تحقيق المصالحة الوطنية... هذا بالإضافة لإقصاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها، والحملة الشرسة على المعارضة من مختلف ألوان الطيف السياسي من وسائل الإعلام، وتوسيع للقيود على الحريات السياسية الأساسية في تكوين الجمعيات والتعبير، والتجمع السلمي".

مرّت عقود على تولّي الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر رئاسة مصر. عبد الناصر أسس ديكتاتورية تولي أهمية للجانب الإقتصادي– الإجتماعي. انتظر المصريون طويلاً قبل أن يثوروا على نظام راح كل رئيس يمسخ شيئاً فيه. وفي النهاية ها هم سيقررون إستعادة الديكتاتورية المؤسسة لمصر، ولكن بعد تحريرها من الإهتمام بأوضاعهم المعيشية.

التعليقات

المقال التالي