هل تدعم إيران ولاية ثالثة للمالكي؟

هل تدعم إيران ولاية ثالثة للمالكي؟

لا أحد يستطيع أن يجيب، بشكل جازم، على هذا السؤال، ولا سيما إن الرؤية الإيرانية حول رئاسة الوزراء العراقية مازالت غامضة. بعد اكتساح رئيس الوزراء العراقي، المنتهية ولايته، نوري المالكي الانتخابات العراقية بفوز لائحته الانتخابية بـ92 مقعداً، من أصل 328 في البرلمان المقبل، بات المالكي أوفر حظاً لتشكيل الحكومة، لكنه مازال يحتاج تحالفاتٍ لتحقيق طموحه بولاية ثالثة.

راهن الكثيرون على أن المقاربة الإيرانية للملف العراقي قد تكون مختلفة عما كانت عليه سابقاً، بعد تسلم حسن روحاني رئاسة إيران الصيف الماضي، والتفاهم الأميركي- الإيراني عقب انتخابه، وما أبدته إيران من محاولة تسوية بعض ملفاتها الشائكة في المنطقة، وما يمكن أن ينعكس جراء ذلك على تصوراتها لمسألة الحكم في العراق.

تغيرت الاستراتيجية الإيرانية تجاه العراق وعلاقتها بالقوى السياسية الشيعية العراقية عمّا كانت عليه في 2006 و2010، إذ كانت إيران حريصة على وجود جسم سياسي شيعي موحّد، تعتقد أن نفوذها في العراق يتأتى من خلاله، وأنه الضامن لهذا النفوذ.

قبيل الانتخابات النيابية سنة 2010، حاولت طهران، بكل الوسائل، الضغط لإنهاء الانقسام الشيعي حتى تدخل التنظيمات السياسية الشيعية الانتخابات ككتلة شيعية واحدة، بعد أن كانت متجهة إلى خوضها بائتلافين، هما "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي و"الائتلاف الوطني". رعت إيران مفاوضات بين الطرفين، لكنها لم تنجح، وخاضت الأحزاب الإسلامية الشيعية الانتخابات، في النهاية، بهذين الائتلافين، ليفشلوا في الحصول على أغلبية لتشكيل الحكومة. لذلك عادت إيران، فضغطت لتوحيد الائتلافين، بعد الانتخابات، في كتلة برلمانية موحدة، أُطلق عليها "التحالف الوطني"، مستغلة مخاوف الأحزاب الدينية الشيعية من تولي علمانيّ، من أصول شيعية، المنصب، بعد أن فاز إياد علاوي وائتلاف العراقية بـ91 مقعداً في البرلمان.

أما اليوم، 2014، فيبدو أن الجسم الشيعي الموحّد أصبح لإيران أمراً ثانوياً، بإزاء دعمها المالكي. والأسباب عدة، فقد وفّر المالكي نفوذاً استثنائياً لإيران في العراق بأشكال عدة، منها دعم العراق لإيران في مواجهة العقوبات الغربية على برنامجها النووي، وتوسيع نفوذ مليشيات عراقية موالية لإيران. ولكن الأهم من هذا هو أن المالكي، مع تطورات "الربيع العربي" والوضع في سوريا بعد الثورة، يبدو أنه قرأ الصراعَ الداخلي في العراق كجزء من صراع أوسع، عابر للحدود، وأن الفاعلين السياسيين العراقيين، وفرقاء العملية السياسية هم معبِّرون وجزء من محاور عابرة للحدود. بموجب ذلك، وجّه العراق إلى أن يختار أن يكون في أحد المحاور أو الخنادق النامية في المنطقة. اختار المالكي لـ”بلاده” أن تكون جزءاً من الخندق الإيراني، في سياق محيط عربي متردّد، أو غير مرحّب، وفي كثير من الأحيان معادٍ، لتجربة العراق ما بعد 2003، التي لعب الشيعة فيها دوراً مركزياً.

أبعد من ذلك، سلّم المالكي، بسبب شعوره بأن العراق لا يزال ضعيفاً ولن يستطيع إدارة هذه المعركة الإقليمية لوحده، بأن تكون القيادة الاستراتيجية لإيران. وهكذا، جاء التدخل العراقي في سوريا، سواء في دعم نظام بشار الأسد أو السماح للمليشيات الشيعية العراقية بأن تقاتل إلى جانبه، تكملة لهذا التصور. لقد كان هذا التدخل إيجابياً للأطراف التي تدخلت، إذ يدور في كواليس الأوساط السياسية الشيعية في المنطقة أن التدخل الإيراني- العراقي- اللبناني في سوريا ونجاحه في تثبيت النظام للوقوف بوجه الدعم الخليجي والتركي لفصائل الثورة، خلق معادلات استراتيجية جديدة، سيُحسَب حسابُها في أي تطور قادم لصراع الخنادق الطائفية في المنطقة.

يبدو لإيران، الآن، أن هذه المكاسب الاستراتيجية ترتبط بالمالكي حصراً، وليس بجسم شيعي موحّد، لم يكن موجوداً إلا لحظة اختيار المالكي لرئاسة الوزراء، فقد تفكك "التحالف الوطني" عملياً، ومضى جزء منه في مشروع لسحب الثقة من الجزء الآخر. لذلك، لا تملك إيران حالياً ضمانة بأن نفوذها في العراق سيستمر، بهذا المستوى، في حالة تولى شخص آخر، أو طرف آخر، رئاسةَ الوزراء. وذلك على الرغم من أن سائر القوى السياسية الشيعية ترتبط بعلاقات مميزة بإيران، والكثير منها أوصل رسائل إليها بأن مصالحها في العراق لن تتزعزع برحيل المالكي.

لكن، ما يغيب عن المقاربة الإيرانية لمسألة الحكم في العراق أن سياسات المالكي الداخلية أوصلت البلاد إلى عتبة حرب أهلية، مع وصول معدلات القتل في البلاد هذا العام إلى ألف قتيل شهرياً، وهي حصيلة مشابهة لعامي 2006 و2007 التي شهدت أخطر مراحل الاقتتال الطائفي.

بات الكثير من الفرقاء العراقيين يتحدثون عن أن بقاء المالكي لولاية ثالثة سيضع البلاد على حافة التفكك؛ فالتنظيمات السياسية الكردية، على الرغم من اختلافاتها العميقة، رفعت في الانتخابات النيابية الأخيرة شعار “الكونفدرالية”، الذي يعني أن الكرد سيمضون إلى اختيار صيغة للعلاقة بباقي البلاد أعلى مستوى من الفيدرالية، مع التلميح بالانفصال. وهذا كله يأتي في سياق علاقة استثنائية لإقليم كردستان العراق والقادة الكرد بتركيا التي يبدو أنها باتت لا تمانع من التفكير بجغرافية سياسية جديدة في المنطقة، تتقبل دولة كردية في إقليم كردستان العراق، ترتبط بها بعلاقة خاصة ومميزة. العرب السنّة، من جهتهم، يقولون إنهم لن يقبلوا بأن تتجدد سياساتُ المالكي الإقصائية إزاء أبناء العراق من السنة، الأمر الذي سيجعلهم يصرون في أقل الأحوال على تأسيس "إقليم سني"؛ شكلاً من أشكال الحل لتوتر علاقتهم بحاكم بغداد.

لذلك، على أصحاب القرار الايراني أن يختاروا أحد طرفي الثنائية الآتية: إما عراقاً موحّداً من دون المالكي، أو عراقاً يحكمه المالكي، سينقاد إلى التفكك، أو في أحسن الأحوال سيعاني من صراع أهليّ دمويّ. عراقاً مستقراً، وإن نسبياً، من دون المالكي، أو عراقاً متفجراً، سيكون عبئاً جديداً على إيران.

المؤشرات المتداولة حالياً تدل على إمكانية أن يكون اختيار إيران مغامرة: الضغط على الأطراف الشيعية للقبول بولاية ثالثة للمالكي، لأن وجوده بالنسبة لها لا يزال ضرورياً لدعم التحالف الاستراتيجي القائم حول سوريا، وأن تسعى في الوقت نفسه للحفاظ على مستوى العنف القائم في العراق، بما يمنع الدولةَ العراقية من الانهيار، وذلك بالضغط على المالكي لتخفيف سياساته تجاه الأكراد، والسنة، وبقية الفرقاء الشيعة، من خلال القبول بتسويات ما، مثل إقرار الأطر القانونية لتوزيع وتقاسم الثروة والعوائد المالية مع إقليم كردستان، ودمج أكبر للسنّة بمؤسسة الحكم، وتوسيع الصلاحيات اللامركزية للمحافظات ذات الغالبية السنية.

هي إذن مغامرة حقيقية، لأن إيران إذا ضمنت المالكي، فإنها لا تستطيع أن تتحكم بسياسات الفرقاء العراقيين، ولا سيما أن قلة باتوا يثقون بالمالكي. بات من الضروري أن تتعامل إيران مع مسألة الحكم في العراق بوصفهاً عنصراً في سياق صراع إقليمي متكامل، لا يلعب العراقُ فيه دور جنديّ ميليشياويّ مأمور فقط، بل دوراً بانياً لتفاهمات سلميّة، إيران أكثر بلدٍ بحاجة إليها.

التعليقات

المقال التالي