ليبيا، الثورة الثانية؟

ليبيا، الثورة الثانية؟

تعاني ليبيا من فوضى غير مسبوقة منذ رحيل نظام معمر القذافي. انتهت ولاية المؤتمر الوطني العام (البرلمان) منذ فبراير الماضي، ولم يُحدّد موعدٌ للانتخابات بعد. رئيس الوزراء السابق، علي زيدان، يتّهم الإسلاميين بأنهم وراء اختطافه ثم إقالته من منصبه، وتعطيل المؤسسات، فيما الجيش مفكك، والميليشيات تسيطر على الأرض.

اللواء المتقاعد خليفة حفتر، القائد السابق للقوات البرية خلال حكم نظام القذافي والمنقلب عليه خلال الثورة، يتحالف مع مليشيات وقبائل للقضاء على الإسلاميين، فيما تدعو الحكومة الجميع إلى الحوار، وتصف تحرّكه بالانقلاب.

اعلان


في المشهد الليبي اليوم ثلاثة لاعبين. ليس للحكومة الانتقالية قرار موحّد؛ فهي ضعيفة ومنقسمة فيما بينها بسبب الخلافات السياسية الحادة بين مكوناتها المختلفة، لكنها تملأ فراغاً إدارياً في البلاد. وفي ظل ضعف الجيش وتفككه، تبسط المليشيات والقبائل المسلحة سلطتها على الأرض على حساب قوات الأمن المركزي والشرطة و"قوات الصاعقة" المتبقية من الجيش الرسمي بقيادة العقيد ونيس بو خماده وقوات "الغرفة الأمنية المشتركة" التي تضم مجموعة من ستة آلاف عنصر. وفيما تعاني القوات الحكومية بسبب ارتباك السلطات الرسمية وغياب الرؤية الموحدة، سيطرت التنظيمات الإسلامية المتشددة في ليبيا في الآونة الأخيرة على المشهد الأمني؛ فاعتدت على مديرية أمن بنغازي في 2 مايو الجاري. أسفر ذلك عن اشتباكات دامية، دفعت برئاسة الأركان العامة للجيش الليبي إلى اتخاذ قرار يقضي بإخلاء مقري كتيبة شهداء 17 فبراير وكتيبة راف الله السحاتي المعروفتين بقربهما من جماعة الإخوان المسلمين الليبية في غضون 72 ساعة في 15 مايو، لكن التنظيمين لم يمتثلا للقرار.

اللاعب الثالث الذي عاد إلى المشهد بقوة هو اللواء المتقاعد خليفة حفتر. يلعب اللواء دوراً شبيهاً بدور عبد الفتاح السيسي في مصر، مواجهاً التيار الإسلامي المتشدد للـ"قضاء على الإرهاب" مدعوماً من عدة دول، منها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، فيما قد تصح تسميته بـ "الثورة الثانية" في ليبيا. فبعدما أطاح الإسلاميون برئيس الوزراء المدعوم من الليبراليين علي زيدان للـ"استيلاء على الحكم" حسب وصفه، قام حفتر في فبراير من هذا العام بإعلان تجميد عمل كلّ من المؤتمر الوطني والحكومة الليبية، وإلغاء الإعلان الدستوري، كما طرح خارطة طريق مؤلفة من خمسة بنود.

قوات حفتر تخوض "حرب وجود"، كونها متهمة من قبل الثوار بموالاتها لنظام القذافي، ما دفع رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي لرفض دمجها في الجيش. انضمت هذه القوات إلى حفتر للتصدي للمتطرفين، مع العلم بميوله الانقلابية المستمرة منذ ثلاثة عقود، والتي دفعت القذافي حينها إلى تركه من دون عتاد ليسجن مع جنوده في تشاد، بعد تدخل فرنسا لنصرة تشاد خلال حرب ليبيا عليها أواخر الثمانينات.

منذ إعلان حفتر، والأزمة السياسية الليبية تتفاعل. بعد تغيير ثلاثة رؤساء وزارة منذ شهر مارس، انعكست الأزمة السياسية في البلاد على الأمن، واشتدت هذا الأسبوع مع اندلاع اشتباكات في ساعات مبكرة من صباح الإثنين في بنغازي شرقي ليبيا، نتيجة قيام مجهولين بإطلاق صواريخ غراد على قاعدة طيران تابعة للجيش. تفاعلت الأزمة في العاصمة طرابلس حيث قامت مجموعة مسلحة، يقودها حفتر، بهجوم على مقرّ المؤتمر الوطني العام في طرابلس، وأغلقت الطرق المؤدية إليه.

أظهرت ردود الفعل بأن الشارع الليبي، وقوى الثوار المناهضة للإخوان، مثل ثوار سوق الجمعة وتاجوراء وثوار الزنتان، كانت مؤيدة للتحرّك، ليس بالضرورة دعماً لشخص حفتر، إنما بهدف القضاء على سلطة الإسلاميين. من جهته، أعلن قائد قاعدة بنينا الجوية العسكرية في بنغازي بشرق ليبيا، العقيد سعد الورفلي، لـ"وكالة فرانس برس" أن "مسلحين شنّوا ليل الأحد - الاثنين هجوماً بالصواريخ على القاعدة، من دون أن يسفر هجومهم عن وقوع ضحايا،" وذلك رداً على غارات جوية شنتها الجمعة طائرات يقودها ضباط في سلاح الجو ضد مواقع عسكرية تابعة لجماعات إسلامية متشددة في عاصمة الشرق الليبي.

وصف رئيس الوزراء أحمد معيتيق قوة حفتر بأنها "مجموعة خارجة عن القانون"، مؤكداً أن الجيش "يسيطر على الوضع على الأرض"، وداعياً إلى ضبط النفس، فيما ينتظر الليبيون كيف ستردّ الحكومة على ما وصفته بالـ"انقلاب".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي