تبادل الصحف، بادرة المصالحة الفلسطينية الأولى

تبادل الصحف، بادرة المصالحة الفلسطينية الأولى

 أفاق الغزاويون صبيحة يوم الخميس الفائت على صحف الشطر الآخر من الوطن (الضفّة) وهي تدخل إلى مدينتهم وتصبح في متناول أيديهم. أتى ذلك بعد انقطاع دام سبع سنوات، بسبب انقسام لم يطل فقط المؤسسات الأمنية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل تعدى ذلك إلى النواة الاجتماعية والثقافية والإعلامية لهذين الشطرين الفلسطينيين المتنازعين..

وقد تزينت عربات بائعي الصحف ومداخل المحال التجارية في قطاع غزة بصحيفة القدس التي بدأ إصدارها عام 1951 على يد الراحل محمود أبو الزلف تحت اسم "الجهاد"، ليتغير اسمها إلى "القدس" عام 1967. سمح للصحيفة بدخول القطاع على إثر توقيع الفصائل الفلسطينية ممثلة بحركتي فتح وحماس اتفاق المصالحة الأخير، الذي نتج عن اجتماع لجنة الحريات العامة، إحدى لجان ملف المصالحة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاق القاهرة.

اعلان


وتتابع في الأيام الأخيرة دخول الصحف الأخرى إلى القطاع، ومنها صحيفة الأيام وصحيفة الحياة الجديدة التي سمحت سلطات الاحتلال بدخولها. كذلك، قامت صحيفة الأيام في رام الله بطباعة صحيفة فلسطين الصادرة من غزة، لتدخل بعدها بأيام، إلى جانب صحيفة الرسالة، الضفة الغربية.

جاء هذا الحدث إلى جانب تسهيلات أخرى وقعت عليها لجنة الحريات العامة في القاهرة عام 2009، إذ اتفق الطرفان على تفعيل الاتفاقية بملفاتها الخمسة: الحكومة، والانتخابات، والأمن، ومنظمة التحرير، والمصالحة المجتمعية، ما دفع اسرائيل لإيقاف الدورة الجديدة من المفاوضات. كانت الصحف البداية الفعلية لتطبيق هذا الاتفاق، الذيهلّل له الفلسطينيون، إذ بدا لهم الوطن، ولأول مرة منذ 7 سنوات، كياناً واحداً لا شطرين.

لم تتوقف مظاهر الفرح الفلسطيني على الأرض فحسب، بل انشغل النشطاء بنشرصورهم في أماكن معروفة حاملين الصحف، وانهالت المباركات والتعليقات على صفحةمكتب صحيفة القدس في قطاع غزة على فيسبوك، فراحت هي الأخرى تخاطب جمهورها بما يحتاجونه من معلومات للحصول على الصحيفة من جديد، كآليات وأماكن توزيعها.

على الرغم من النجاح الذي حققته الحركتان بالسماح أولاً للصحف بدخول شطري الوطن، باعتباره الحدث الملموس الذي سيشعر به الشارع الفلسطيني على نحو مباشر، إلا أن هناك مخاوف عديدة من فشل هذه المصالحة خاصة في ظل الاتهاماتالمتبادلة بشأن المعتقلين السياسيين لدى كلا الطرفين، والتقاعس عن الافراج عنهم. ففي تصريح للقيادي في حركة حماس وعضو لجنة الحريات، إسماعيل الأشقر، أكد على أن "اجتماع لجنة الحريات عقب الاتفاق نفسه، ناقش ملف الحريات العامة وحرية الصحافة وأصدر قرارات بوقف الاعتقالات السياسية ومنح الحرية للصحافيين بالعمل" معرباً عن استيائه من استمرار اعتقال كوادر حركة حماس في الضفة.

تصريحات صحفية أكدت أن الأجنحة العسكرية المسلحة ستبقى الملف الشائك في تطبيق بنود المصالحة وتفعيلها على الأرض. ويتضح ذلك تبعاً لما صرَح به أحد مسؤولي حركة حماس، محمود الزهار بقوله " اتفاق المصالحة الفلسطينية لن يجعل حركة حماس تعترف باسرائيل، ولن يخضع أي ناشط في غزة لسيطرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس".

يطرح ذلك تساؤلات عديدة بشأن ما ستودي إليه الأوضاع في فلسطين بعد هذه المصالحة، خاصة في ظل ضغوطات عديدة من قبل اسرائيل وتأييدها لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح مقابل الاعتراف باسرائيل نفسها كدولة يهودية، ما لن ترضى به حركة حماس.

فضلاً عن ذلك، تساؤلات جديدة بدأت تظهر كل يوم فيما يتعلق بمسائل أخرى، كوزارات الحكومة والمناهج الدراسية وتفاصيل الحياة اليومية والثقافة السياسية لدى كل من الطرفين، وغيرها من النقاط التي تحتاج للجهد والوقت كي يُحسَم الرأي بشأنها.

فرح الشارع الفلسطيني بوصول وقراءة الصحف التي انقطع عنها طويلاً، لا يكفي ليضمن مستقبلاً مشرقاً للمصالحة الفلسطينية التي لا زالت تشوبها مجموعة كبيرة من التعقيدات تحتاج هذه التعقيدات لحلول  سريعة وجذرية، ليصبح التواصل بين طرفي خطّ المصالحة أسرع وأسهل وأكثر ديمومة، كما كان الأمر بالنسبة لوصول الصحف الفلسطينية إلى كلّ من الضفة والقطاع دون أي منع.

التعليقات

المقال التالي