ما هو وضع اللاجئين في الجزائر اليوم؟

ما هو وضع اللاجئين في الجزائر اليوم؟

ما كاد الخطيب في مسجد "أبو المهاجر دينار" بمدينة ميلة، شرق العاصمة الجزائرية، ينتهي من موعظته حتى علا صوت شابّ سوريّ بالدعاء، طالباً العون والمساعدة من جمهور المصلين. اعتاد الجزائريون منذ سنوات على مشهد هؤلاء الوافدين الجدد من بلاد الشام.

لكن ما حدث في مسجد أبي المهاجر دينار، وهو أول مسجد بناه العرب الفاتحون لشمال أفريقيا قبل تشييد القيروان في تونس الحالية، أن شاباً آخر من مالي الصحراوية قام من بين صفوف المصلين، واتجه نحو السوري ليمنحه بعض النقود، وتلاقت مصائر الرجلين وكلاهما نازح وهارب من جحيم الحرب، وعبّرا لبعضهما عن تضامن ترك الكثير من الحاضرين مندهشين؛ لأن الرجل الأفريقي كان بالكاد يفهم اللهجة التي كان السوري يتحدثها.

تحصي الجزائر، وهي أكبر بلد أفريقي مساحة، ما يقارب 400 ألف لاجىء على أراضيها، أغلبيتهم من دولتي مالي والنيجر المجاورتين في الجنوب، كما قصدها ما يقارب مئة ألف هارب من جحيم الحرب السورية. تختلف تركيبة النازحين نحو الجزائر عنها في بقية الدول العربية، بسبب الامتداد والعمق الأفريقي للبلاد وجوارها لبلدان الساحل الفقيرة والمضطربة.

وجد اللاجئون والنازحون في الجزائر موطناً للعيش، رغم أنهم يعانون الكثير من الصعوبات، فالقادمون من النيجر ومن مالي يتكدسون بالعشرات كلّ ليلة في محطات النقل البري، في مختلف المدن، وحول العاصمة حيث صارت لهم مدينة من الصفيح في ضاحية بوفاريك.

تتغاضى السلطات عن تحركات هؤلاء العابرين للصحراء الكبرى نحو الشمال، خاصة بعدهلاك العشرات منهم عطشاً في الصحراء، بسبب تخفّيهم وتيههم خشية الوقوع بين يدي قوة حرس الحدود.

يفترش الأفارقة قطع علب الورق المقوّى، وينامون في العراء حين يكون الطقس مواتياً. في النهار يتوزعون، وأغلبهم نساء وأطفال على شوارع المدن متسولين، وتجدهم عند مفترقات الطرق يستجدون المارة، بينما يتم استخدام البعض منهم في الأشغال اليدوية الشاقة، مقابل أجر زهيد.

اللاجئون السوريون كانوا أكثر سرعة في الاندماج داخل النسيج الاجتماعي، يبحثون عن وظائف خفيفة يعملون بها، في حين يلجأ البعض منهم إلى الشوارع الرئيسية حيث حركة السيارات الكثيفة حاملين أوراقاً عليها بياناتهم وطالبين العون.

لا معطيات وبيانات رسمية دقيقة حول أعداد المهاجرين الأجانب اليوم، بحسب الباحثة فريدة مرابط، رئيسة مخبر البحث في علم الاجتماع الاقتصادي والحركات الاجتماعية بجامعة قسنطينة 2، لكن لا شكّ أن الجزائر تحولت أرضاً لاستقبال المهاجرين الأجانب، لاسيما القادمين من مناطق جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط وآسيا.

تواجه السلطات الجزائرية صعوبات في إحصاء ومتابعة المهاجرين من دول جنوب الصحراء، ففي تمنراست بأقصى الجنوب الجزائري يتواجد الآلاف من المهاجرين من عرقيات شتى بصورة شبه طبيعية، متنقلين بين أربع دول، هي مالي والنيجر والجزائر وليبيا بحرية تامة ودون وثائق ثبوتية.

الوضع الأمني والاجتماعي أجبر الكثيرين منهم على المكوث داخل الجزائر قريباً من الحدود في وضع قانوني غير واضح، فلا هم لاجئون سياسيون ولا مهاجرون رسميون، وتصفهم السلطات بأنهم "نازحون" بفعل الحرب التي شنتها فرنسا في شمال مالي ضد الانفصاليين من حركة "أزواد" و جماعة أنصار الدين المتشددة. تتيح صفة النازحين لهؤلاء الأفارقة التحرك بحرية في الجزائر على مساحة تتجاوز 2.38 مليون كيلومتر مربع، وغالباً ما يتم استخدامهم في أعمال السخرة. بدأ سكان الشمال مع ذلك يتخوفون من التعامل معهم للاشتباه في إصابتهم بأمراض معدية، وخاصة بعد كشف حالات من الإصابة بفيروس إيبولا القاتل في مالي. ينعكس ذلك سلباً على أوضاعهم، إذ يواجهون حالات صدّ متزايدة. على النقيض من ذلك، يحظى السوريون بمعاملة خاصة، ويتعاطف معهم السكان المحليون، لأنهم يعتبرون محنتهم شبيهة بتلك التي عانى منها الجزائريون بداية التسعينيات، الذين هرب الكثير منهم حينها نحو سوريا. لكن تمكُّن اللاجئين السوريين من الانخراط في البيئة الجزائرية لا يمنع وجود تجاوزات عدّة تطالهم، إن كان على الصعيد المجتمعي أو الرسمي، لا سيما بعد الاتهامات المتبادلة بين الجزائر والمغرب، بترحيلها للعديد منهم.

التعليقات

المقال التالي