المصالحة الفلسطينية: ابتزاز إسرائيل بحماس

المصالحة الفلسطينية: ابتزاز إسرائيل بحماس

"عبّر القائدان الفلسطينيان عن إرادتهما الجادة في بناء صفحة جديدة قائمة على أساس الشراكة الوطنية". هذا مما جاء في بيان حركة حماس، حول لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس ورئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل في العاصمة القطرية الدوحة. ولكن الحقيقة أعقد بكثير من هذا البيان الإعلامي الهادف إلى تأمين مادة استهلاكية للجماهير الفلسطينية.

مرّ أكثر من سنة وثلاثة أشهر على آخر لقاء جمع بين عباس ومشعل. لم يفترقا طوال هذه المدّة ولم يكن ليجري ما جرى بين حركتي فتح وحماس، لو كانت "الوحدة الفلسطينية" مسألة بهذه السهولة.

اعلان


المصالحة المفاجئة

في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، استقبل رئيس حكومة حماس المقالة إسماعيل هنية وفداً من منظمة التحرير الفلسطينية، آتياً من رام الله وقال بعد محادثات دامت ساعات قليلة: "نزف إلى شعبنا انتهاء مرحلة الانقسام". اتفق الطرفان على الالتزام بما سبق أن اتفقا عليه في القاهرة والدوحة.

بالنسبة لآليات تنفيذ المصالحة، اتفقا على إعلان الرئيس عباس حكومة توافق وطني خلال خمسة أسابيع، تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية خلال خمسة أسابيع، استئناف عمل لجنة المصالحة المجتمعية ولجنة الحريات، تفعيل عمل المجلس التشريعي، وختاماً إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة وانتخابات جديدة للمجلس الوطني، على ألا تتم الدعوة إليها قبل مرور ستة أشهر على تشكيل الحكومة. بعد أيام من المصالحة، وضع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله استقالته بين يديّ عبّاس تمهيداً لبدء تطبيق الاتفاق.

حماس بديل السلام؟

ليست مصادفة أن تندفع السلطة الفلسطينية إلى عقد مصالحة مع حركة حماس، بعد التعنّت الإسرائيلي الذي أفشل مفاوضات بدا جليّاً أن الجانب الإسرائيلي لا يريدها أن تصل إلى مكان. لهذا السبب، بشكل أساسي، ذهب عباس إلى "عدوّه" الفلسطيني. فمن ناحية أولى هو يرضي الجمهور الفلسطيني الممتعض من الانقسام الداخلي ومن دوران المفاوضات مع إسرائيل في حلقة مفرغة، ومن ناحية ثانية يحاول إجبار إسرائيل على تليين موقفها المتصلّب واضعاً إيّاها أمام بديل لا تريد رؤيته.

في الآونة الأخيرة، ذهب أبو مازن بعيداً في إيقاظ الأشباح التي تخشاها إسرائيل. هددهم في أكثر من خطاب بحلّ السلطة الفلسطينية. قال لهم إن استمرار تصلّبهم سيفضي إلى أن "يتسلموا مفاتيح الحكم، فسلطة من دون سلطة لا يمكن أن تستمر" وأكد أن "تهديداتنا بحل السلطة ليست مزاحاً، ونحن وإياهم والزمن طويل".

منذ حصول فلسطين على وضع "دولة مراقب" في الأمم المتحدة، في نوفمبر 2012، صار حلّ السلطة الفلسطينية يعني أن القوات الإسرائيلية في الضفة لن تعتبر قوات موجودة في مناطق متنازع عليها، بل يعني أنها تحتل أراضي دولة أخرى ولن تستطيع بناء مستعمرات هناك، أو في القدس بموجب معاهدة جنيف الرابعة. وأيضاً، ستضطرإسرائيل لكي تملأ فراغ السلطة إلى "إنشاء شرطة والاهتمام بالتربية والصحة والماء والصرف الصحي. وسيكف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، اللذان يحوّلان اليوم أكثر من ملياري دولار إلى السلطة كل سنة، عن تقديم المنح. وستضطر حكومة إسرائيل إلى سد العوز".

يريد عباس أن يقايض التقارب مع حماس بقبول إسرائيل ببعض الشروط. إذا لم توافق إسرائيل على بعض مطالبه في الأسابيع القادمة، سيتمكّن من الظهور في سبتمبر القادم في الأمم المتحدة كقائد وطني فلسطيني. شروط أبو مازن للعودة إلى المفاوضات هي التزام إسرائيل بوقف الاستيطان بشكل كامل، وإطلاق سراح الأسرى وقبول مبدأ التفاوض على مصير القدس، و"الموافقة على بحث موضوع خرائط الحدود في ثلاثة أشهر".

حماس تريد التنفّس

من جانبها، تحاول حركة حماس أن تفكّ الحصار الدولي والعربي عليها من خلال التقرّب من السلطة الفلسطينية المرضي عنها. لن تتخلى حماس، بسهولة، عن فخرها، نموذج الحكم الإسلامي في غزّة، ولكنها في موقف يضطرّها إلى التفاوض.

فالحركة تعاني حالياً من حصار دولي وعربي يجعلها معزولة داخل القطاع، ومن تضييق كبير على حركة ناشطيها في الضفة، وتعاني من أزمة اقتصادية حادة سيخففها التقرّب من سلطة تحصل على مساعدات مالية لا بأس بها. ربما تطمح حماس إلى إدخال جزء من مقاتليها إلى أجهزة أمن السلطة، فتخلق توازناً داخلها وتُعفى من تحمل تكلفة تشغيلهم.

إسرائيل: على عبّاس الاختيار!

"بدل أن يتقدم (عبّاس) في مفاوضات السلام مع إسرائيل تقدم للسلام مع حماس"، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو Netanyahu، تعليقاً على نبأ المصالحة. برأيه، يستحيل أن يحقق أبو مازن الأمرين معاً، وإنْ قرّر التقرّب من حماس سيعني ذلك "أنه غير مهتم بالسلام مع إسرائيل".

بعد وقت قليل، عقد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر اجتماعاً طارئاً قرّر خلاله تجميد المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وأقرّ عقوبات اقتصادية وسياسية ضد السلطة الفلسطينية ستربك الخزينة الفلسطينية، وستحرمها من إمكانية دفع رواتب الموظفين، خاصة أن إسرائيل تقوم بجباية الضرائب لمصلحة السلطة. هذه التطوّرات أفرحت اليمينيين المتشددين. "أسبوع فرح مر على أصدقائنا في اليمين الإسرائيلي. كان هذا هو الأسبوع الأول في الشهور التسعة الأخيرة، لم تحلق فوق رؤوسهم غمامة مفاوضات السلام مع الفلسطينيين"، كتب يوسي فيرتر Yossi Verter في صحيفة "هآرتس".

ما الحلّ بنظر إسرائيل؟ "إما أن تتخلى حماس عن (مبدأ) تدمير إسرائيل وتتبنى السلام وتتخلى عن العنف، أو ينبذها (الرئيس محمود) عباس"، قال نتنياهو لشبكة "سي أن أن"، وأضاف: "آمل في أن ينبذ (عباس) حماس ويعود إلى طاولة المحادثات كما قلت. الكرة في ملعبه". هل ستكتفي إسرائيل بذلك؟ لا بل هي ستقوم بالتصعيد على طريقتها. نتنياهو أعلن أنه سيتقدّم بقانون إلى الكنيست ينص على أن إسرائيل هي "الدولة القومية للشعب اليهودي". هكذا قانون سيعقّد مسار أيّة مفاوضات مقبلة.

موقف المجتمع الدولي يتقاطع جزئياً مع القراءة الإسرائيلية للأحداث. مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، آن باترسون Anne Patterson، أكّدت أنه "لن تذهب أية أموال من الحكومة الأميركية إلى أية حكومة تضم حماس، إلا إذا قبلت حماس بشروط الرباعية، وهي نبذ العنف والاعتراف بالاتفاقيات السابقة، والأهم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود". هذا يعني أن أميركا ترفض سياسات حماس، ولكنّه يعني في المقابل أنها لن تقاطع حكومة الوحدة الوطنية لمجرّد مشاركة حماس فيها.

المصالحة الصعبة

حين استقبل رئيس حكومة حماس المقالة، إسماعيل هنية، وفد السلطة الذي وقّع معه على اتفاق المصالحة، قال: "لن نتخلى عن حق العودة والأسرى وحماية المقدسات، وأيضاً لا مجال للفشل هذه المرة في إتمام المصالحة". أما عبّاس فقداعتبر أنه "لا تناقض بتاتاً بين المصالحة والمفاوضات، خاصة أننا ملتزمون بإقامة سلام عادل قائم على أساس حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية".

من رام الله أكّد عباس أنّ حكومة التوافق الوطني سترفض العنف وتلتزم بالاتفاقيات القائمة. "الحكومة المقبلة ستأتمر بسياستي" قال وأضاف: "أنا اعترف بدولة إسرائيل وأنبذ العنف والإرهاب ومعترف بالشرعية الدولية وملتزم بالالتزامات الدولية والحكومة ستنفذها". وإن حاول عبّاس تمرير الكرة إلى حماس، من خلال تذكيره بأن المفاوضات مع إسرائيل ليست من مهمات الحكومة، بل هي من مهمات منظمة التحرير، إلا أن الحركة تطالب، من ضمن شروط المصالحة، بتمثيلها بشكل جيّد في المنظمة. هل تستطيع حماس احتمال هكذا سياسات تتناقض مع مبررات وجودها؟ هناك شك في ذلك، خاصة أنها تعتبر "أن المفاوضات فشلت".

الملفات الخلافية بين حماس وفتح كثيرة. في سجون غزّة لا يزال يقبع عشرات الفتحاويين أطلق سراح بعضهم في الآونة الأخيرة. المصالحة ستعني أيضاً سماح الحركة بعودة آلاف رجال أجهزة السلطة الأمنية إلى قطاعها بعد أن طردتهم منه. كيف سيتعامل هؤلاء مع أجهزة حماس؟ من سيمسك المعابر الحدودية؟ أسئلة كثيرة يكفي أيّ منها لتفجير المصالحة.

أما الملف الأصعب فهو يتعلق بتوقف كل من الحركتين عن استهداف مقاتلي ونشطاء خصمها في مناطق سيطرتها. الشق المرتبط بالضفة الغربية من هذه العلاقة المتبادلة سيؤدي إلى اصطدام السلطة الفلسطينية بالإسرائيليين. "العلاقات الأمنية بين إسرائيل والسلطة قد تتغير تماماً. وستفقد إسرائيل إحدى أدوات الحكم الهامة التي كانت لها في الضفة: التنسيق مع أجهزة الأمن الفلسطينية"، كتب أليكس فيشمان Alex Fishman في صحيفة "يديعوت أحرونوت". فيشمان أوضح تعقيدات هذه المسألة: "لا تبني إسرائيل على أجهزة الأمن الفلسطينية في كل ما يتعلق بمحاربة الإرهاب، لكن 40 ألف عضو في مختلف أنواع الأجهزة هذه يعملون إزاء المجتمع المدني الفلسطيني في مجال الحفاظ على الأمن العام، ومنع الاحتكاك مع الحواجز والمستوطنات اليهودية. والجيش الإسرائيلي يقيم تنسيقاً أمنياً مع الأجهزة خلال نشاطاته العملياتية والاعتقالات في القرى والمدن الفلسطينية. تعمل الأجهزة الأمنية على كبح تنامي القوة السياسية لحماس في الضفة الغربية ومنع نقل الأموال لحماس والجهاد. وللطرفين مصلحة في عدم عودة حماس لمواقع القوة في الضفة: أبو مازن للحفاظ على نظامه، وإسرائيل لنيل الهدوء الأمني".

لدى عباس أسابيع عدّة يستطيع خلالها ابتزاز إسرائيل بالمصالحة. اللعبة التي يلعبها ليست بسيطة. إن لم يلِن الموقف الإسرائيلي من المفاوضات، لن يستطيع أبو مازن العودة إلى الوراء. وإذا كان مرجّحاً أن ينفرط عقد المصالحة، إلا أن الأيام المقبلة قد تشهد تغيّرات دراماتيكية على الساحة الفلسطينية.

التعليقات

المقال التالي