استعراض السعودية العسكري، دبلوماسية التحدي؟

استعراض السعودية العسكري، دبلوماسية التحدي؟

مشهد القائد العربي وهو يستعرض عضلاته ليس جديداً، سواء كان ذلك بالخطابات الطنانة أو بالقصور الفارهة. وربما يكون الاستعراض المفضل لدى القادة العرب هو الاستعراض العكسري، بكل ما فيه من زهو وادعاء بالقوة.

عادة ما كانت تلك الاستعراضات تقع في الجمهوريات التي قادها عسكريون انقلابيون، إلا أنه في الآونة الأخيرة، أخذت تظهر بشكل متزايد في المملكات العربية. آخرها كان الاستعراض السعودي في تمرين "سيف عبد الله" نهاية أبريل  الماضي، الذي وصفته وكالة الأنباء السعودية بأنه أكبر استعراض للقوات السعودية واستمر عدة أيام، قبل أن يختتمه ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز. لم يحضر ولي العهد السعودي بمفرده، بل دُعي العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، ونائب رئيس الوزراء الكويتي وزير الدفاع الشيخ خالد الجراح الصباح وأمين عام وزارة الدفاع العمانية محمد بن ناصر الراسبي، ليكون الغياب القطري دليلاً واضحاً على استمرار الشرخ بين الرياض والدوحة.

الاستعراض العسكري جاء ليختتم تمريناً عسكرياً استمر أسبوعاً في شمال وشرق وجنوب السعودية، وكانت المشاركة الأهم فيه لصواريخ بعيدة المدى ظهرت للمرة الاولى أمام عدسات الكاميرات. هذه الصواريخ، من طراز "دي إف 3"، اشترتها الرياض من الصين ثمانينيات القرن الماضي. بقيت الصواريخ  مخبأة منذ عام 1987 جنوب العاصمة الرياض وفي موقع يمكنها منه استهداف إيران. إظهار الصواريخ، بالإضافة إلى دعوة قيادات عسكرية من باكستان ومصر، حملت رسائل عدة موجهة إلى طهران، على رأسها إمكانية بناء تحالف سياسي بين السعودية وتلك الدول ذات الغالبية السنية لمواجهة إيران.

في تحليل كتبه عن المناورات السعودية، قال سايمون هندرسون Simon Henderson المحلل الأميركي من "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" إن وجود قائد الجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف قد يدل على استعداد السعودية لشراء سلاح نووي من باكستان للرد على البرنامج النووي الإيراني. هندرسون، المعروف بميوله اليمينية، اعتبر أن أنظمة الصواريخ السعودية "قد تطور بسهولة لحمل رؤوس حربية نووية باكستانية".

يبقى الخيار الباكستاني والتسريبات في الإعلام الغربي حول إمكانية تطوير الترسانة السعودية لتشمل أسلحة نووية في إطار "دبلوماسية التحدي" التي تتبعها الرياض في السنوات الأخيرة وخاصة بعد الدفء المفاجئ بين إيران والولايات المتحدة منذ انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2008 والذي توج بانتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني. كان العرض العسكري الأخير رسالة ليس فقط إلى إيران، بل للولايات المتحدة. السعودية بدأت تعمل  باتجاه تقوية تحالفات عسكرية استراتيجية بعد القرار الأميركي بالانسحاب العسكري من المنطقة من جهة، ونتيجة لتخبط واشنطن في وضع السياسات الخارجية منذ الانتفاضات العربية عام 2011.

قد يكون العتاد العسكري السعودي أميركي بالدرجة الأولى، والتحالف الأميركي-السعودي غير مهدد بالإنهيار في المستقبل المنظور (مع حاجة العالم للنفط المتدفق من الخليج) إلا أن التغييرات الأخيرة أظهرت اعتماد السعودية "دبلوماسية التحدي" في تعاطيها مع الولايات المتحدة. تبلورت هذه السياسة من خلال خطوات عدة، من بينها إعلان السعودية العام الماضي منحة بقيمة مليار دولار للجيش اللبناني، ولكن بعتاد من الجيش الفرنسي. كما شملت جولة ولي العهد السعودي، الذي يشغل حقيبة وزير الدفاع أيضاً، إلى آسيا بداية العام، نقاشات مع حلفاء آسيويين على رأسهم الصين حول التعاون العسكري.

يأتي العرض العسكري ضمن إطار التصعيد السعودي في وجه التطورات السياسية والأمنية في المنطقة، ولكن في واقع الحال، تبقى الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الأقوى للسعودية. أصبح "استعراض العضلات" تكتيكاً تتبعه تلك الأخيرة وسط التغييرات السياسية في المنطقة، من دون معرفة حقيقة تلك العضلات في حال استدعى الأمر استخدامها، بدلاً من مناورات سياسية.

التعليقات

المقال التالي