ضريبة الرَدّة في العالم العربي

ضريبة الرَدّة في العالم العربي

في اللغة، تعني الردّة الرجوعَ عن الشيء، واصطلاحاً، هي الرجوع عن المعتقدات والمبادئ. بدأ استخدام هذا المصطلح بالمعنى الديني، عندما قام أبو بكر الصديق بحروب الردّة ضد القبائل العربية التي خرجت عن سلطة الخلافة وامتنعت عن دفع الزكاة والفرائض. منذ ذلك الوقت، استُخدِم المصطلح بمعنى الخروج عن الدين بشكل عام، ونظراً للارتباط الوثيق في الدول العربية بين الأديان والثقافة المجتمعية المتوارثة، فإن مفهوم الردّة يتضمن أيضاً الخروج عن الأعراف والقيم السائدة.

صحيح إن غالبية القوانين لا تنصّ على جواز تغيير الدين صراحةً أو ضمناً، ولا مقابلها من العقوبات، إلا أن هناك ضريبة قانونية و"شبه قانونية" قاسية "تشرّعها" بعض البلدان، مثل السعودية التي ينص قانونها الجنائي المستمد من الشريعة الإسلامية على إقامة حدّ "القتل" على المرتدّ. فضلاً عن ذلك، هناك المضايقات التي قد يتعرض لها المرتد على مستوى حرية التعبير والتفكير، من خلال العمل على تهميشه وعدم تمكينه من الحصول على المكانة الوظيفية أو الأكاديمية التي يستحقها. يمكن كذلك أن يتعرض المرتدّ للحرمان من بعض الحقوق كالميراث والزواج .كما أنه قد يكون معرّضاً أحياناً، في بعض الدول، إلى السجن أو التهديد بالقتل، وحتى القتل عمداً، كما حصل في عدد من الحالات في السعودية ومصر. نذكر هنا ما حدث للمفكر السعودي عبد الله القصيمي، الذي عُرفَ بردّته الصريحة واتجاهه نحو الإلحاد، ما سبّب صدور حكم قضائي غيابي بإعدامه، فأمضى معظم حياته بعيداً عن بلده، كما تعرض للسجن والنفي وعدة محاولات اغتيال، في الدول التي تنقل بينها بقية حياته. أما المفكر المصري فرج فودة، فقد اشتهر بجرأته في نقد الدين والمطالبة بفصله عن الدولة، وهذا ما سبب له كثيراً من المضايقات والتهديدات انتهت باغتياله.

بما أن القوانين في الدول العربية لا تنص على حرية تغيير الدين صراحة ولا ضمناً، فإن من يقوم بذلك معرّض لملاحقات قضائية يحرّكها بعض المتشددين في الغالب، أو بعض الهيئات والجهات الدينية كما هو الحال في السعودية. لقد تعرّض كثير من الناشطين والمفكرين إلى الاعتقال والمحاكمة بهذه التهمة، كما حدث مؤخراً مع المدوّن والناشطرائف بدوي، الذي اعتقلته السلطات السعودية بعد مشاركته في تأسيس "الشبكة الليبرالية السعودية" على شبكة الإنترنت. وفي قضية مشابهة، أصدرت لجنة البحوث العلمية والإفتاء السعودية العام الماضي فتوى بتكفير الصحفي والمدوّن حمزة كاشغري، وطالبت بمحاكمته بتهمة الإساءة للنبي محمّد عبر تغريداتٍ كتبها في موقع تويتر. واضطر بعد ذلك للهرب إلى ماليزيا حيث سلّمته الشرطة للسلطات السعودية، رغم مطالبات العديد من منظمات حقوق الإنسان بعدم تسليمه لإمكانية مواجهته خطر عقوبة الإعدام. لم تقتصر المشاكل التي واجهها كاشغري على الناحية القانونية، بل عانى أيضاً كثيراً من الضغوط الاجتماعية والإعلامية، وانطلقت حملات على شبكات التواصل الاجتماعي تطالب بمحاكمته بتهمة الردّة وتطبيق عقوبة الإعدام بحقه. كما عرض ناشطون تسجيل فيديو على موقع يوتيوب تتبرأ فيه والدته مما قاله واصفةً إياه بـ"الصدمة والمصيبة العظيمة". يذكر أنه ما زال معتقلاً حتى الآن رغم إعلانه الاعتذار والتوبة.

وقد شهد لبنان في الأشهر الماضية نقاشاً ساخناً حول الزواج المدني، إثر إعلان شاب وفتاة من طائفتين مختلفتين زواجهما مدنياً مع مواقفة وزير الداخلية ورئيس الجمهورية، في حادثة هي الأولى من نوعها. إلا أن مفتي الجمهورية، محمد رشيد قباني، دخل بقسوة على خط النقاش، قائلاً "إن كلّ من يوافق من المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية في لبنان، على تشريع وتقنين الزواج المدنيّ، هو مرتدّ وخارج عن دين الإسلام، ولا يغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه".

يبدو أن مشكلة تغيير الدين في العالم العربي لا تقتصر على الناحية القانونية أو الشرعية، وإنما هي جزء لا يتجزأ من الموروث الفكري الجمعي، نتيجة "أدلجة" الدين ومحاولات استثماره لأغراض سياسية وتسخيره لمصالح شخصية أو فئوية. لذلك، فإن حل المشكلة يجب أن يكون متكاملاً، بدءاً من تعديل المناهج الدراسية بما يتلاءم مع روح المساواة بين جميع الأديان، مروراً بتصحيح مسار الإعلام العربي والعمل على إنتاج خطاب معتدل يساعد على إرساء مناخ من التعايش والتسامح الديني، انتهاء بتشريعات دستورية وقانونية تكرّس مبدأ المواطَنَة وتصون الحرية الشخصية، بما يتوافق مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكفل الحرية الكاملة في التفكير والتعبير والاعتقاد الديني.

نشر على الموقع في تاريخ 13/01/2014

التعليقات

المقال التالي