مبارزة على الرئاسة المصرية

مبارزة على الرئاسة المصرية

النسر استجمع ما يمتلكه من شجاعة وقرّر مبارزة الشمس. تلخّص هذه الصورة الانتخابات الرئاسية المصرية القادمة، والتي ستنحصر بين مرشّحَين: عبد الفتاح السيسي (رمزه الشمس) وحمدين صباحي (رمزه النسر).

تغيّرت مصر كثيراً في الأشهر القليلة الماضية. قبل فترة قصيرة لم يكن ممكناً لأحد أن يتوقع انتخابات رئاسية يتواجه فيها صباحي مع المؤسسة العسكرية. كان حمدين يضرب الإخوان المسلمين بلسانه ويطالب الجيش بأن يضربهم بسيفه. الكلام عن هكذا مواجهة كان ليكون نوعاً من السوريالية. ولكن أحداث 3 يوليو وما أعقبها قلب المعادلات.

اعلان


"السيسي رئيسي"

"السيسي رئيسي" هي العبارة الأكثر ترداداً على لسان مؤيدي المشير. السيسي نفسه لا يتعاطى مع الأمور على أساس أنه مرشح للرئاسة. كل ما يقوم به يؤكد على يقينه من أنه رئيس مصر القادم. ليس هو فقط. العالم كله يتصرّف بالطريقة نفسها.

عندما زارت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون مصر التقت السيسي ووصفت قرار ترشحه للرئاسة بـ"القرار الشجاع". لم تلتق منافسه. تحدثت حملة الأخير عن "الزحام المروري" الذي أخرّها عن موعدها. ممكن. ولكن ليس من الممكن تخيّل "زحام مروري" يمنعها من لقاء السيسي رغم أن جدول مواعيد الأخير عامر باللقاءات بشخصيات دولية ومحلية.

عرض قوة للسيسي

كيفما تحرّك المشير يمكنك التقاط إشارات عن اقتران حركته بعرض للقوّة. في قدّاس عيد القيامة، برئاسة بطريرك الكرازة المرقسية البابا تواضروس الثاني، استُقبل حمدين صباحي برفع عشرات الأقباط لافتات مكتوب عليها: "السيسي رئيسي". الحاضروناستقبلوا السيسي كبطل شعبي وصفّقوا بحفاوة حين ذكر تواضروس اسمه، ولم يتحمسوا حين ذكر اسم صبّاحي.

بحسب القانون الانتخابي، على المرشح تقديم، من ضمن الأوراق المطلوبة لقبول طلبه، 25 ألف توكيل من ناخبين موزعين على 15 محافظة، وأن لا يقل عدد التواكيل من كل من هذه المحافظات عن ألف. ماذا فعلت الحملة الانتخابية للسيسي؟ بسرعة، قدّمت حوالى 200 ألف توكيل ووزعت صوراً لموظفي إحدى شركات الأمن الخاصة وهم يحملون صناديق التوكيلات وإلى جانبهم آخرون مدججون بالسلاح.

حين قامت الحملة بعرض العضلات المذكور لم يكن صبّاحي قد استوفى شرط توكيلات الناخبين القانوني. عملت حملته مطولاً، خمسة أيام أكثر من الحملة المنافسة،لتجمع 31 ألفاً و555 توكيلاً. انتشرت المقارنات حول ما حصل، فخرج المستشار القانوني لحملة السيسي المحامي محمد أبو شقة ليقول: "الحملة تلقت نحو نصف مليون توكيل... لكنها فضلت التقدم للجنة الانتخابات بـ200 ألف تيسيراً عليها" وليؤكد أن "الحملة جمعت في أول يوم لتحرير التوكيلات ثلاثة أضعاف العدد المطلوب من النماذج"!

عندما طلب صبّاحي مناظرة السيسي مباشرة أمام جمهور المصريين، ردّت حملة الأخير بأنها تقبل بإرسال ممثل عن مرشّحها. في ما بعد قالت إنها ليست بحاجة إلى مناظرات لكسب الناخبين!

هل يتحقق شرط الحياد؟

بعد 3 يوليو، التحم الجيش مع القطاع الرسمي مع القضاء في صفّ واحد لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين. السيسي هو ابن هذا الجيش، بل ممثله في الوجدان الشعبي، ومن هنا السؤال: هل يتحقق حياد السلطة في الانتخابات القادمة؟

منذ فترة، رصدت حملة صباحي مواقف وتصريحات لمسؤولين، بينهم ثلاثة وزراء، معتبرة أنها تظهر "تحيزاً واضحاً" للسيسي. حاولت تقديم شكوى إلى رئيس الوزراء إبراهيم محلب، لكن قلم المجلس رفض استلامها. إنْ حقّ كلامُ الحملة، فإنّ في هذا تجاوزاً لحدّ السلطة.

بعدها شكت الحملة من "اعتداء عدد من البلطجية على أعضاء الحملة أمام مقر الشهر العقاري (مكتب التوثيق) في مدينة شبين القناطر في محافظة القليوبية"، وقالت إن "الذين هاجموا أعضاء الحملة بالأسلحة البيضاء معروفون بانتمائهم إلى الحزب الوطني المنحل الذي كان يستخدمهم لترهيب المواطنين، وارتكاب أعمال مخالفة للقانون خلال الانتخابات قبل الثورة".

في ما يخصّ حملات تجميع التوكيلات الانتخابية، اشتكت حملة صباحي من تجاوزات "مثل تحرير 500 توكيل جماعي للمرشح المنافس، من دون حضور أصحابها وحشد الموظفين بباصات من أجل عمل التوكيل لمصلحة مرشح معين، ورفض مديري وموظفي التوثيق في عدد من مكاتب الشهر العقاري على مستوى الجمهورية تحرير توكيلات لمصلحة صباحي". في حديث إلى صحيفة "الرأي الكويتية"، قال صباحي: "لدينا دليل كامل على مشاركة رموز الحزب الوطني في جمع توكيلات للسيسي، إضافة إلى وجود سيارات حكومية شاركت في تسهيل الحصول على التوكيلات".

في المقابل، جاء أبرز انتقاد لصباحي وحملته على لسان المرشح المنسحب من السباق، مرتضى منصور. رئيس نادي الزمالك قال: "على مسؤوليتي... صباحي كان يدفع أموالاً للناس كي تعمل له توكيلات".

سياسة المرشحَيْن

يأتي المرشّحان من خندق سياسي واحد هو خندق القوى المصرية التي تعاضدت لإقصاء الإخوان المسلمين عن المشهد السياسي. في هذا الجانب خطابهما لا يختلف كثيراً، مع فارق أن صبّاحي يتبنى خطاباً أكثر ليونة، أو قلْ أكثر ميوعة، علّه يحصد بعض أصواتهم. لا يتجرأ صبّاحي على الذهاب أكثر من القول إنه سيسمح لهم بالتظاهر دون عنف، كي لا يخسر جزء من قاعدة كان قد شارك في شحنها ضد خصوم البارحة. شيء واحد يميّز السيسي عن منافسه: إنه أقوى منه وعندما يدور محور السياسة المصرية حول إقصاء الإخوان، فإنه أقدر على إشعار الجماهير المصرية بأنه سيفعل ما يقوله.

بالنسبة للوعود الفضفاضة، كلاهما يعد المصريين بتحسين أوضاعهم الاقتصادية. كلاهما يعتبر نفسه استمراراً لخط ثورتي 25 يناير و30 يونيو. فالسيسي يشدد على أنه "لن يستطيع أحد استدعاء ما قبل ثورة 25 يناير، ولن يسمح بذلك مهما كانت الظروف والتحديات". وصبّاحي يؤكد: "أخوض الانتخابات لرفض عودة نظام حسني مبارك".

مكمن الخلاف الأساسي والوحيد هو على بعض الحريات التي اكتسبها جزء من الثوار بعد 25 يناير، قبل أن تسحبها منهم السلطة بعد 3 يوليو. من هنا يتعهّد صبّاحي بإلغاء قانون التظاهر والعفو عن المعتقلين السياسيين "وألا تكون السجون في مصر أبداً مكاناً لأصحاب الرأي" بينما يصمت السيسي حول هذه المسائل. ولكنّ صديق معمّر القذافي وصدّام حسين لا يطوّر خطابه ليتحوّل إلى خطاب حريات مع أنه يطرح نفسه ممثلاً وحيداً للثورة، ويعتبر أن فشله في الوصول إلى السلطة سيكون فشلاً للجماهير الثورية وللثورة نفسها.

صبّاحي قادر على كسب أصوات الليبراليين المعارضين لـ"حكم العسكر" وأصوات كثير من الناصريين وبعض اليساريين. أما السيسي فهو المرشح المفضل لبعض الأحزاب الكبيرة ولـ"فلول" النظام السابق، وهو قادر على بزّ خصمه في قواعد الناصريين الشعبية. فإنْ كان صباحي ناصريّ الهوى، فإنّ السيسي هو نموذج حديث عن عبد الناصر نفسه. وفي البيئات الشعبيّة غير المسيّسة، السيسي هو البطل.

سيناريوهات انتخابية

تقام الجولة الأولى من الانتخابات يومي 26 و27 مايو المقبل. إنْ لم يحصل أحد المرشّحَيْن على نسبة تفوق الـ50 بالمئة من المقترعين، ستنظم جولة إعادة يومي 16 و17 يونيو.

للوهلة الأولى، وبما أن المعركة ستنحصر بين مرشحَيْن، يتبادر إلى الذهن أنه من الطبيعي أن يحصل أحدهما على نسبة تفوق الـ50 بالمئة. لكن يمكن للأوراق البيضاء وتلك الملغاة أن تسحب بعض الأصوات، وتلعب دور المرشح الثالث.

الفائز سيضع نصب عينيه عدد الأصوات التي حصل عليها الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وهو يقارب الـ13 مليون صوت. إن لم يفز بعدد أكبر، سيواجه مشكلة شرعية.

بناء على هذين العاملين، سيحدد الإخوان المسلمون طريقة تعاطيهم مع الاستحقاق. يستطيعون الامتناع عن التصويت ما سيؤدي إلى خفض نسبة الاقتراع وبالتالي نسبة الشرعية. ويستطيعون المشاركة بكثافة والاقتراع بورقة بيضاء لكي يفرضوا جولة إعادة. لا شك في أنهم الآن يتدارسون الخيار الأفضل. إنْ كانوا على ثقة بحجمهم الجماهيري، فمن الأفضل لهم اعتماد الخيار الأول. أما إذا رأوا أن حجم شعبيتهم تراجع كثيراً، فمن الأفضل لهم الالتحاق بركب ميول الفئات المدنية المعارضة للمرشحين. هكذا تضاف أعداد هؤلاء الأخيرين، إما على نسبة المقاطعة أو على عدد الأوراق البيضاء الموضوعة في صناديق الاقتراع. دون أن ننسى إمكانية إعطاء صبّاحي بعض الأصوات نكاية بالسيسي.

رغم إمكانية تحقّق أيّ من هذه السيناريوهات، إلا أنه من المرجّح أن يحسم السيسي الانتخابات من جولتها الأولى، وأن يسحق خصمه. حالياً النيل يحمل صوره مرفوعةً على المراكب الشراعية وفي كل مناسبة، يلاحظ انتشار صوره بكثافة. السيسي هو الأقدر، خاصة وأن المؤسسات الرسمية ميّالة إليه وأن معظم وسائل الإعلام تدعمه.

الشمس رمزٌ له أهميته في التاريخ المصري. الفرعون الشهير أخناتون قرّر توحيد الآلهة المصرية بإله واحد هو إله الشمس (آتون). فرعون مصر القادم سيعمل على توحيد آلهة المصريين (القوى السياسية)، باللين أو بالقوة. لن يكتفي بأن يكون روح الإله آتون (معنى كلمة أخناتون). سيكون أكثر من ذلك. سيكون الشمس نفسها.

التعليقات

المقال التالي