هل ستغير الانتخابات القادمة الوجه السياسي للعراق؟

هل ستغير الانتخابات القادمة الوجه السياسي للعراق؟

أيام ويتوجه العراقيون إلى مراكز الاقتراع في أول انتخابات برلمانية تتم بعد جلاء القوات الأميركية إثر غزوها للبلاد عام 2003. يتلوها انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب بأغلبية الثلثين، وهو منصب شرفي. بعدها يقوم رئيس الجمهورية بتكليف رئيس أكبر الكتل البرلمانية بتشكيل الحكومة، وتتولى الحكومة مهامها رسمياً بعد نيل الثقة البرلمانية بالأغلبية المطلقة.

وفق الدستور العراقي، فإن رئيس مجلس الوزراء (وهو منصب من حصة الأغلبية الشيعية) هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، مما يمنح هذا المنصب أهمية قصوى في توجيه دفة السياسة العراقية.

اعلان


المشهد السياسي الآن بالغ التعقيد، والعنف اليومي في تصاعد مستمر. حلفاء الأمس أضحوا أعداء اليوم. فالتحالف الشيعي الذي ضم قوائم "دولة القانون" للمالكي، و"الأحرار" للصدريين، و"المواطن" لعمار الحكيم في انتخابات 2010 انفرط عقده. لم تفلح كل جهود الوساطة الداخلية أو الايرانية في رأب هذا الصدع. فما يراه كل من الصدريين والمجلس الأعلى الإسلامي تفرداً من المالكي في اتخاذ القرار ومحاولة للسيطرة على مفاصل الحكم، دفعهم إلى رفض التحالف مع المالكي. وفي هذا السياق صرح مقتدى الصدر، الذي أعلن اعتزاله العمل السياسي، أن إيران لا يمكنها أن تجبره على دعم ولاية ثالثة للمالكي.

كما يعتبر عمار الحكيم، زعيم المجلس الأعلى الإسلامي، أن حزب الدعوة قد مُنح ثلاث فرص لتشكيل حكومات متعاقبة في العراق هي حكومة الجعفري، وحكومتان للمالكي وهذا يكفي، ويجب الآن إعطاء فصيل شيعي آخر حقّ تمثيل الشيعة في رئاسة الحكومة.

يتبنى كلّ من الصدريين والمجلس خطاباً معتدلاً تجاه الأكراد والسنة، معتبرين أن هذا يرتب لهم أوراق المشاركة في السلطة بعد الانتخابات. أما المالكي الذي أيقن أن أي تقارب مع حلفاء الأمس أصبح بعيد المنال، فقد مضى بعيداً في خطاب انتخابي مشحون بالاتهامات محاولاً إذكاء الروح الوطنية وتشجيع العراقيين ليلتفوا حول قائمته. ففي خطاب له مؤخراً، وصف المالكي القيادة السعودية بأنها مسؤولة عن دماء المسلمين، ودعاها لتغيير نهجها في التدخل في شؤون الدول المجاورة، مشيراً بذلك إلى العراق وسوريا.

يبدو المالكي في هذا التكتيك مشابهاً لجورج بوش في انتخابات التجديد عام 2004، إما أنا أو الإرهاب. فهو يعتمد مبدأ تخويف العراقيين من أن خروجه من رئاسة الوزراء يعني سيطرة الإرهاب على الوضع في العراق خصوصاً بعد أن استفحل خطر داعش في الأنبار.

لقد فشلت القوات الحكومية حتى الآن في تحقيق نصر حاسم على مجاميع التكفيريين هناك. بل إن التدهور وصل إلى حدّ أن قامت هذه المجاميع بإغلاق سدود المياه مؤخراً وتنشيف مجرى نهر الفرات في محافظات الفرات الأوسط في تطور خطير هزّ بشدة صورة الدولة العراقية.

يستثمر كلّ طرف انتخابي هذا التطور، فالمناصرون للمالكي يقولون إنه خطر داهم لا بد من أن يتصدى له قائد قوي، فيما يرى الجانب الآخر أنه دليل ضعف وتخبط القيادة.

يستثمر المالكي إحباط العراقيين من أداء حكومته بإلقاء تبعات الفشل على صيغة المحاصصة والمشاركة، ويدعوهم لاختياره في حكومة أغلبية لا تضم "المعطلين" من السنة والفرقاء الشيعة. وهو هنا يراهن على التحالف مع أحزاب سنية مثل قائمة "العربية" التي يترأسها صالح المطلك. كما يعول كثيراً على تصويت أفراد القوى الأمنية والجيش. فيما تراهن الأحزاب الشيعية المقابلة على الإحباط الذي يسود الشارع من تدهور الأمن والخدمات والتوتر السياسي، وتعتبر كل هذا دليلاً على وجوب التغيير.

يتفق مع هذا التوجه السنة والأكراد، كل لحساباته الخاصة. فالسنة يرون أن المالكي قد همّشهم حكومياً في سعيه لتجميع خيوط الحكم بين يديه. وتراهن هذه القوى السنية، وعلى رأسها كتلة "متحدون" التي يقودها رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي، على التفاهم مع القوى الشيعية الجديدة بعد الانتخابات لتهدئة الأوضاع في المناطق السنية المضطربة. وترى أن وجود المالكي أصبح عقبة أمام أي تفاهم مع العشائر السنية خصوصاً في منطقة الأنبار.

أما الأكراد فلهم أسبابهم الخاصة في إصدار فيتو على ولاية ثالثة للمالكي. فالتجاذبات العديدة والتوتر الذي شاب علاقة كردستان بالمركز على خلفية قضايا، مثل حق الإقليم في استكشاف وتصدير النفط، وكركوك وحصة الإقليم من الميزانية، خلقت جواً من انعدام الثقة يصعب تجاوزه.

أما إياد علاوي الذي فاز بالأغلبية النيابية في الانتخابات الماضية، وحرمته التوافقات الإقليمية من رئاسة الوزراء فإنه يبدو أقل حظاً في تحقيق نفس النتيجة هذه المرة. فقائمته السابقة "العراقية" عانت من انشقاقات عديدة وضعفت ثقة الناخب العراقي بعلاوي، إضافة إلى أدائه دوراً سلبياً في الحكومة والبرلمان. حيث لم يقدم هو أو وزراؤه حلولاً أو مبادرات عملية، واكتفوا بالانسحابات والمقاطعة. رغم ذلك، تبقى قائمته "الوطنية" من القوائم الرئيسية التي تتنافس على أصوات العراقيين.

يظهر في الصورة لاعب آخر قد لا يكون بقوة اللاعبين التقليديين، لكنه إضافة جديدة قد تغير شيئاً من المعادلة السياسية. فقد أوردت وسائل إعلام عربية أن "التحالف المدني الديمقراطي"، وهو تكتل علماني من التكنوقراط، يحظى بدعم شبابيّ هو الأكبر على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه القائمة الجديدة تضم وجوهاً سبق لها المشاركة بالعمل السياسي مثل النائب السابق، مثال الألوسي. إضافة إلى وجوه تخوض الانتخابات لأول مرة، مستثمرة ملل بعض العراقيين وخيبة أملهم في الوجوه المعروفة.

رغم الضعف الواضح في تمويل هذه القائمة، واعتمادها على جهود الشباب المؤيدين لها، إلا إنها بدأت تشكل عند شرائح مهمة من الشباب بديلاً مدنياً جذاباً عن الأحزاب الطائفية التي فشلت في حكم العراق منذ سقوط نظام صدام حسين.

في خضم وضع عربي معقد، تشكل هذه الانتخابات نقطة انعطاف في المشهد السياسي العراقي، وستظهر نتائجها إن كان العراقيون قادرين على الخروج من دائرة الخيارات المذهبية إلى آفاق الدولة المدنية، وعلى التحول من اختيارات يمليها الخوف الآني إلى اختيارات تؤسس لمستقبل يعتمد على الشراكة الوطنية الشاملة.

 الانتخابات العراقية القادمة .. هل ستغير الوجه السياسي للعراق؟

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي