نوري المالكي، أو كيف صنعت الولايات المتحدة دكتاتوراً

نوري المالكي، أو كيف صنعت الولايات المتحدة دكتاتوراً

فيما يستعد العراق لجولة حاسمة من الانتخابات البرلمانية، يظهر لنا رئيس الوزراء الحالي بصورة ثلاثية الأبعاد، ما نعرفه كمتابعين من معلومات، ما نراه ولا نملك عليه دليلاً، وما لا نعرفه عن الشخصية الأكثر إثارة للجدل الآن في العراق. في تقرير مفصل يقع في اثنتي عشرة صفحة نشرته مؤخرا مجلة النيويوركر الأميركية، يرى القارئ أبعاداً أكثر نفاذاً لواقع الحياة السياسية في أول وآخر مشروع أميركي مباشر في العالم العربي لبناء دولة على النمط الغربي.

نوري المالكي، الذي دفع ثمن عمله ضد نظام صدام الدكتاتوري غالياً من قتل لمقربين منه ونفي خارج العراق، يسعى الآن لتأسيس نظامه الشمولي الخاص به. بعد هزيمة العرب المدوية عام 1967، اتجه المالكي مثله مثل كثيرين من الشباب العرب إلى الخيار الإسلامي. انضم عام 1968 إلى حزب الدعوة الذي أسسه آية الله محمد باقر الصدر. افتتن بثورة آية الله الخميني في 1978 وحلم بدولة في العراق على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران. وحين اشتدت قبضة البطش الصدامية هرب إلى سوريا لسنوات عديدة محاولاً من هناك أن يسهم بعدة عمليات لاغتيال صدام. حاول المالكي كثيراً ولم يفلح.

اعلان


بعد الغزو الأمريكي وتغير المشهد بالكامل في بغداد، عادت وجوه كثيرة للظهور ومن ضمنها المالكي. عرف بالجدية وصرامة الملامح والسلوك. "لا يبتسم، لا يقول شكراً، ولم أسمعه يوماً يعتذر عن خطأ ما"، يقول سياسي عراقي عمل معه لفترة طويلة. شحنت كل سنوات المنفى المالكي بإحساس المظلومية، والرغبة في التعويض والتخلص من احتكار الأقلية السنية للحكم. ربما يشترك في هذا مع غيره من السياسيين الذين عادوا بعد سنوات النفي من الخارج، لكن هذا الرجل الذي ألقت المقادير إليه بأعلى منصب تنفيذي في العراق، بدأ يترجم هذا الشعور إلى بناء شمولي يتمحور حول شخصه.

في خضم الحرب الطائفية عام 2006، ووسط الإحباط الأميركي من ضعف شخصية رئيس الوزراء العراقي السابق ابراهيم الجعفري، استدعى الرئيس بوش سفيره في بغداد آنذاك، خليل زاده، إلى اجتماع متلفز في أوائل ذلك العام."هل تستطيع أن تتخلص من الجعفري؟" سأل بوش، "نعم، ولكنها ستكون مهمة صعبة"، أجاب خليل زاده. كان المرشح الثاني هو علي الأديب من حزب الدعوة أيضاً، لكن جذوره العائلية الإيرانية أحبطت الفكرة. جاء مندوب المخابرات الأميركية إلى خليل زاده بالحل: "لدينا مرشح، المالكي". لم يكن المالكي حينها يتوقع تكليفه برئاسة الوزراء. كان شخصية غير معروفة إلى حد كبير. عدد ضابط السي آي إيه مميزات المالكي: "لا يوجد دليل على علاقته بمجاميع إرهابية، ولا بقضايا فساد، كما أنه يبدو قوياً عكس الجعفري". هرع خليل زاده ليبلغ واشنطن، وتم بنجاح ترشيح المالكي لرئاسة حكومة العراق.

وفقاً لماثيو شيرمان، المستشار المدني للجيش الأمريكي، فإنه نصح المالكي مراراً بالتدخل لوقف أعمال فرق الموت التي تغلغلت في أجهزة الأمن العراقية. هذه الفرق كانت مسؤولة عن الجثث التي كانت تنتشر في بغداد كل يوم. "كنا ندخل مكتبه لنبلغه بحدوث مجزرة في مكان ما، وكان ردّه: أنا متأكد أنهم كانوا إرهابيين". يعلل المالكي موقفه هذا بأنه لم يتسلم أبداً دليلاً قوياً على تورط أجهزة الأمن في هكذا أعمال.

بدأ المالكي يحاول إثبات قدراته القيادية، وربما كانت معركة "صولة الفرسان" إحدى أهم العوامل التي رسخت زعامته. ففي عام 2008 أمر المالكي بشن عملية عسكرية ضد جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر بعد استفحال نفوذه الذي وصل إلى حد السيطرة على موانئ ومنشآت النفط في البصرة.

تفاجأ الأمريكان بالأمر، وكان رأيهم أن العملية تحتاج لتخطيط واستعداد يتطلب شهوراً. حسابات المالكي كانت مختلفة، وظهر خطؤها سريعاً. فبعد أيام من القتال دخل برت مكجورج، أحد مساعدي الأمن القومي للرئيس إلى المكتب البيضاوي وعرض خريطة للبصرة على بوش. "قلت للرئيس: قوات المالكي هي هذه النقطة الحمراء الصغيرة في وسط البصرة. بدا على الرئيس الانزعاج وقال لي: يجب أن ينتصر المالكي". بعد شهر من القتال وبدعم أمريكي سخي، انتصر الجيش العراقي وعاد المالكي لبغداد زعيماً وطنياً تمكن من تحجيم جيش المهدي وتحدي راعيته إيران في آن واحد. منذ ذلك اليوم تغير سلوك المالكي تجاه شركائه في الحكم، حسب رأي د.عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية السابق والعضو البارز في المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم." كانت هناك فرصة لأن يصبح رئيس وزراء ناجحاً لو أنه تنازل عن بعض من سلطاته لشركائه"، يقول عبد المهدي. لكن المالكي الذي ذاق طعم النصر والزعامة بدأ يحاول تعويض مظلوميته الشخصية.

بعد انتخابات عام 2010، والتي حل فيها المالكي ثانياً بعد كتلة "العراقية" بزعامة العلماني إياد علاوي كان لا بد من حل لمعضلة تشكيل الحكومة. حصل الأمريكان على محضر الاجتماع الذي عقده قائد فيلق القدس في قم مع المالكي وقيادات شيعية وكردية بحجة الاحتفال بعيد الفطر في سبتمبر من ذلك العام. سيبقى المالكي رئيساً للحكومة مقابل بعض التنازلات الوزارية لجماعة مقتدى الصدر، وسيتم التجديد لجلال الطالباني القريب من إيران لرئاسة الجمهورية. تم استبعاد علاوي بمباركة أميركية. كان كلّ هم إدارة أوباما أن تخرج من العراق، ولم تكن تمانع في القبول بدور إيراني مهيمن في المقابل. دفع هذا بعض الدبلوماسيين الأميركيين في سفارة بغداد إلى التعبير عن إحباطهم في برقية أرسلوها لواشنطن قائلين فيها: "إننا نصنع دكتاتوراً".

لم يكن شركاء المالكي في الحكم أبرياء. تورط الكثيرون منهم، سنّة وشيعة، في أعمال القتل الطائفي. لكن المالكي بدأ يستعمل ما لديه من معلومات لتصفية الخصوم حسب الحاجة. فُتح ملف الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية السني السابق، وصدر بحقّه حكم غيابي بالإعدام بتهم اغتيال معارضين. تمت ملاحقة سنان الشبيبي محافظ البنك المركزي لأنه أراد الحفاظ على استقلالية احتياطي الدولة عن الميزانية العامة. وحين اكتشفت هيئة النزاهة، وهي هيئة مستقلة مكلفة بمكافحة الفساد، مخالفات في عقود حكومية بمليارات الدولارات، قام المالكي بإغلاق التحقيق وملاحقة رئيس الهيئة القاضي راضي حمزة الراضي.

يقول رافع العيساوي، وزير المالية السابق المتهم بقضايا فساد، إن شخصاً من مكتب المالكي جاءه بعقود بالمليارات وطلب منه أن يمضي قدماً في تحويل هذه المبالغ لحساب الشركات التي أرسيت عليها العقود. "كل شيء كان مزوراً، وعرفته من النظرة الأولى"، يقول العيساوي. ذهب للمالكي بالأوراق وصور الشخص المعني من كاميرات المراقبة في الوزارة. وعده المالكي خيراً، وبعد فترة داهمت قوات الأمن مبنى وزارة المالية. أحرقت ملفات عدة وأتلفت الكاميرات وما خزنته.

يقول عزت الشابندر، وهو مؤيد سابق للمالكي، إن الإسلاميين اكتشفوا بعد عودتهم للعراق أن تأسيس دولة إسلامية غير قابل للتطبيق. وهكذا لم يتبق لهم غير الخيار الطائفي. وأصبحت تكلفة البقاء السياسي هي الكراهية والخوف. فالسياسيون السنة يخوفون الناس من الشيعة، وهكذا يفعل القادة الشيعة. وبهذا فإن بقاء طرف ما يبرر بقاء الطرف الثاني.

قال المالكي للنيويوركر إنه معجب بأسلوب الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم. فقد كان قاسم يدعم عدة أطراف متصارعة في آن واحد، ومن ثم يغير تكتيكاته وفقاً لما يريد. لكن الخلاف آنذاك كان إيديولوجياً (شيوعياً- قومياً) لم يمزق نسيج المجتمع العراقي. أما الآن، فإن أسلوب التجييش الطائفي بدأ ينخر في صميم التركيبة الاجتماعية. ونزلت مناورات السياسيين وألاعيبهم إلى مستوى الإنسان العادي، وأصبح الاستقطاب سيد الموقف. ما عاد المالكي أو غيره زعماء للوطن، بل تقوقعوا ليصبحوا زعماء لشظايا طوائفهم، وليس كلها.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي