"طبخة" سرّية لإنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان!

"طبخة" سرّية لإنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان!

إن إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان "سيكون بمثابة أهم خطوة يتخذها العرب على صعيد حقوق الإنسان"، قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، الدكتور نبيل العربي، وأضاف: "إن بدء عمل المحكمة سيكون بمثابة نقلة حضارية في المنطقة العربية". ولكن السؤال هو: هل تستطيع مجموعة دول لا تحترم حقوق الإنسان الاتفاق على تأسيس محكمة لحقوق الإنسان؟

البحرين... محاولة لتبييض سجلّها

اعلان


منذ بدايات الحديث عن مشروع إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان، ارتفع الصوت البحريني الرسمي مهللاً للإنجاز. بطبيعة الحال، هلل لارتداداته الإيجابية عليه. وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة أشار إلى أن مبادرة العاهل البحريني لإنشاء هذه المحكمة تأتي من قناعته التامة بأهمية احترام مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. كيف لا والفكرة كان قد أطلقها ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، في 23 نوفمبر 2011، وذلك خلال تسلمّه تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق والتي أشارت إلى انتهاكات البحرين لحقوق الإنسان خلال تصدّيها للمعارضة الداخلية. فكرة المحكمة تفيد المملكة الصغيرة في تبييض سجلها، رغم أنها، لغاية الآن، لم تطبّق توصيات اللجنة المذكورة.

البحرينيون الموالون للنظام سرعان ما استغلوا موضوع المحكمة. صحيفة الوطن البحرينية كتبت أن "استضافة المنامة للمقر الدائم لمحكمة حقوق الإنسان العربية رسالة مهمة تقطع الطريق على كل دكاكين المتاجرة بالإنسان وحقوقه في البحرين"! الكاتب البحريني محمد مبارك جمعة سخر من منتقدي السلطات البحرينية بقوله إن المحكمة "ستخطف بعض الضوء من «النشطاء» الذين يجوبون العالم ويقتاتون على ملفات حقوق الإنسان وهم يحتسون القهوة في فنادق سويسرا أو مقاهي باريس". وفق منطقه، "طالما أن نشطاء «الخواجة» (إسم يطلقه على المعارضين ويحيل إلى الناشط الحقوقي عبد الهادي الخواجة) غير راضين عن هذه الخطوة، إذن هي خطوة في الاتجاه الصحيح، وهي صفعة في وجه هؤلاء «النشطاء»"!

تأخر العرب... ولكن

الخطوة العربية تأتي متأخرة كثيراً عن المسار العالمي الذي شهد تأسيس محاكم إقليمية عدّة مختصة بحقوق الإنسان (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 1950، المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان عام 1969، المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان عام 2004). تُعتبر هذه المحاكم ضرورية لمراقبة التزام الدول الأطراف باتفاقيات حقوق الإنسان التي توقع عليها.

في المنظومة القانونية العربية، هناك "اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان"، وهي لجنة أسسها مجلس جامعة الدول العربية عام 1968، ولكن هذه اللجنة كانت شكلية ولم تقم بأي عمل مفيد خاصة وأنها لا تستطيع إصدار قرارات ملزمة للدول الأعضاء وتكتفي برفع توصياتها إلى مجلس الجامعة العربية. وهناك أيضاً "الميثاق العربي لحقوق الإنسان" وهو ميثاق أقرته قمة تونس، عام 2004، ودخل حيّز التنفيذ عام 2008. بموجب هذا الميثاق، نشأت "لجنة حقوق الإنسان العربية" ولكن دورها يقتصر على دراسة التقارير التي تقدمها الدول الأطراف في الميثاق بشأن التدابير التي اتخذتها في ما خصّ الحقوق والحريات، وعلى إصدار توصيات غير ملزمة. اللجنة المذكورة لا تستقبل الشكاوى الفردية ولا تنظر في التقارير التي تعدّها الهيئات المدنية المستقلة.

إضافة إلى ضعف المنظومة العربية لحماية حقوق الإنسان، فإن "الميثاق العربي لحقوق الإنسان" نفسه غير كافٍ والعرب بحاجة إلى الاتفاق على بروتوكولات إضافية تتناول قضايا المرأة، الإخفاء القسري، التعذيب، حرية الاعتقاد، الحريات الإعلامية...

وأخيراً... محكمة

عملياً، انطلق مشروع تأسيس المحكمة العربية لحقوق الإنسان في 15 يناير 2012، حين قدمت حكومة البحرين مقترحاً بهذا الخصوص إلى المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية. في 10 مارس، رحب المجلس بمبادرة البحرين وكلف الأمين العام للجامعة بإعداد تقرير حول إنشائها. تم تشكيل لجنة من الخبراء القانونيين وضعت دراسة حول المسألة.

وافقت قمة الدوحة، في 26 مارس 2013، على مبدأ إنشاء المحكمة وكلّفت لجنة قانونية بمهمّة إعداد نظام لها. خلال لقاء القمة، أعرب العاهل البحريني عن رغبة بلاده في استضافة محكمة حقوق الإنسان العربية. كان له ما أراد في اجتماع مجلس الجامعة في 2 سبتمبر. أما بالنسبة لنظام المحكمة، فقد وافقت القمة العربية المعقودة في الكويت، في 26 مارس الماضي، مبدئياً عليه إلا أنها كلفت اللجنة القانونية بتعديل بعض النقاط فيه. وكان قد خرج حديث، عن نقاش حامٍ دار خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب، قبل يومين من القمة، وقيل إن السعودية وعمان عارضتا صياغة النظام، لكن مساعي الكويت نجحت بتمريره.

نقاش في العتمة!

منذ سنتين والعرب يسمعون بمشروع إنشاء المحكمة وبوضع نظامها الأساسي لكن الغريب أن المعلومات عن هذة المسائل الهامة لا تزال سرية مع أنه، في العادة، يكون كل نقاش حول القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان علنياً وذلك بغية التوعية بها. يبدو أن القادة العرب يريدون طبخ مشروعهم في السرّ ولن يخرجوه إلى العلن إلا بعد إفراغه من كل جدوى!

كل ما نعرفه يأتي من بعض الكلام العام مثل ذاك الذي قاله مصبح سعيد بالعجيد الكتبي، عضو لجنة الشؤون التشريعية والقانونية وحقوق الإنسان بالبرلمان العربي. الكتبي قال "إن المحكمة العربية ستتمتع بصلاحيات واسعة وإن قراراتها ستكون ملزمة للدول الأعضاء وإن حق التقاضي أمامها سيتاح لكل من الدول والأفراد والمنظمات الأهلية".

مؤخراً استطاعت اللجنة الدولية للحقوقيين والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان الوصول إلى مشروع نظام المحكمة الذي تم إعداده ونشرتا تعليقاً مطولاً عليه. يبدو أن في المشروع ثغرات كثيرة. فمثلاً، مدّة ولاية القضاة هي 5 سنوات قابلة للتجديد مع أن الاتجاه العالمي يذهب إلى انتخاب القضاة لمدة أطول دون إعطاء الإمكانية للتجديد لهم وذلك بهدف إبعادهم عن التأثيرات السياسية.

من ناحية أخرى، يعتبر المشروع أن اختصاص المحكمة مكمل للقضاء الوطني ولا يجوز للمحكمة أن تنظر في الدعوى إلا بعد استنفاذ طرق الطعن الداخلية. لا يلحظ المشروع إمكانية تجاوز هذه القاعدة العامة حين يكون القضاء الوطني مسيّساً وغير مستقل أو حين تكون إجراءات تحقيق الإنصاف مطولة بدون وجه حق. كذلك، يعطي المشروع الحق في اللجوء إلى المحكمة للدولة المعنيّة الطرف، "الأفراد الذين ينتمون للدولة المشكو في حقها والطرف في هذا النظام" و"المنظمات غير الحكومية المعتمدة في الدولة المشكو في حقها". إذن لا اختصاص للمحكمة في الدول العربية التي لا توقع على نظام المحكمة، ولا إمكانية لرفع المقيمين في الدولة من غير المواطنين دعاوى ولا يحق إلا للمنظمات غير الحكومية التي ترضى عنها السلطات التوجه إليها. والأسوأ أن المشروع لا يلحظ أيّة آلية لمراقبة الإشراف على تنفيذ أحكام المحكمة.

أن يُعهد إلى مجموعة دول تعتبر انتقاد الحاكم جريمة يمكن أن يعطينا فكرة عمّا ستكون عليه المحكمة العربية لحقوق الإنسان. لن ترى المحكمة النور إلا بعد تأكد الحكّام العرب من ملء نظامها بثغرات قانونية ستجعل من المحكمة لزوم ما لا يلزم أو على الأكثر، ستجعلها ذراعاً سياسياً لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية المتصارعة.

التعليقات

المقال التالي