الأنظمة العربية تخاف من مساجدها

الأنظمة العربية تخاف من مساجدها

عندما بدأت ثورات الربيع العربي صعد نجم الحركات الإسلامية، وبشكل خاص جماعة الإخوان المسلمين. لم يصمد الإسلام السياسي في السلطة أكثر من سنتين. الآن، يخشى البعض من أن تعود الموجة الثانية من الأنظمة الحاكمة في دول الربيع العربي إلى سياسات الأنظمة القديمة، حين كانت تمارس التضييق على حرية ممارسة الشعائر الدينية بإسم "الأمن القومي".

تونس، صلِّ وdegage

اعلان


"حرصاً على مزيد إحكام سير المساجد ومنعاً لاستغلال بيوت اللّه وتجهيزاتها لغايات تتنافى وحرمة هذه الأماكن المقدّسة والأهداف التّي شيّدت لأجلها، وقطعاً مع مظاهر الإهمال والتهاون التي تمّ تسجيلها في بعض الجوامع والمساجد كالمبيت بها واستغلال مكوّناتــها وتجهيزاتــها بصفة غير قانونيّة"، قررت وزارة الشؤون الدينية في تونس، في العاشر من الشهر الماضي، فتح المساجد قبل صلاة الصبح بساعة وغلقها بعد الصلاة بنصف ساعة على أن تعود وتُفتح من صلاة الظهر إلى ما بعد نصف ساعة من صلاة العشاء.

الخطوة التونسية أتت بعد أكثر من ثلاث سنوات من التجاذبات حول علاقة الدين بالسياسة وبعد سيل من السجالات بين الأحزاب العلمانية وبين حركة النهضة على خلفية اتهام الأولى للثانية بتسخير المساجد لخدمة غاياتها السياسية وبالتساهل مع السلفيين المتشددين وتسهيل سيطرتهم على بعض الجوامع. ربما يكون مشهد التفلّت الأكثر تطرفاً هو ما حدث في مايو الماضي حين ذبح نفر من السلفيين ضابط شرطة في مدينة جبل الجلود وسرقوا أمواله بعد أن أفتى لهم إمام مسجد متطرف بجواز ذلك!

في تونس حالياً حوالى 5100 مسجد. سبق لوزير الداخلية لطفي بن جدو أن قال إن "التكفيريين والمتشددين يسيطرون على قرابة 380 مسجداً بحسب التقارير الأمنية". وبحسب محمد علي العروي الناطق الرسمي بإسم وزارة الداخلية، سيطر المتشددون بعد الثورة على "أكثر من 1000 مسجد" وحلوا مكان أئمة كانت قد نصبتهم وزارة الشؤون الدينية في حقبة زين العابدين بن علي. هذه المساجد، والكلام للعروي، "تحوّلت الى منابر للتحريض على قتل قوات الأمن والجيش، وللدعوة إلى الجهاد في سوريا، ولنشر أفكار متطرفة غريبة عن المجتمع التونسي المعروف باعتداله وتسامحه".

بمعزل عن هذه التقديرات المتضاربة، قررت وزارة الشؤون الدينية مؤخراً استرجاع 149 مسجداً من "المتشددين دينياً"، منها 40 أو 50 مسجداً (هناك تضارب في الأرقام) مصنفين خطيرين. هذا في الوقت الذي يتحدث فيه كاتب عام نقابة الإطارات الدينية، بشير العرفاوي، عن وجود 216 مسجداً خارجاً عن سيطرة الدولة من بينها 149 مسجداً يعتبر خطيراً.

قرار الحكومة ليس بسيطاً، فهو يذكّر بما كان عليه الحال في ظل النظام السابق حين كانت المساجد تغلق مباشرة بعد الصلاة، وكانت تمنع إقامة أيّ أنشطة دينية داخلها، وكانت مواضيع الخطب تحدّد ويمنع الأئمة من الخروج عنها، خاصة وأن بعض الأئمة المطرودين من المساجد طردوا لأنهم كانوا يمجّدون نظام بن علي في خطب الجمعة. لكن القوى السياسية الرئيسية كانت قد اتفقت، في "خارطة الطريق" التي توصلت إليها في بداية السنة، على "تحييد المساجد" قبل إجراء الانتخابات البرلمانية.

حالياً، تم تكوين لجنة رباعية تضم وزارات الشؤون الدينية، الداخلية والعدل والمكلف العام بنزاعات الدولة أنيط بها وضع استراتيجية لتحييد المساجد. كل أسبوع، تقوم اللجنة بدراسة وضع ما بين 15 و19 مسجداً وتكلف أئمة معتدلين لإمامتها، بمؤازرة الشرطة وبالقوة، إن اقتضى الأمر، لتفرغ من عملها بعد حوالي شهرين. تستند هذه الخطوات إلى قانون المساجد الصادر سنة 1988، الذي ينص على أنه "لا يجوز مباشرة أي نشاط في المساجد من غير الهيئة المكلفة بتسييرها سواء كان الخطبة أو بالاجتماع أو بالكتابة إلا بعد ترخيص من الوزير الأول".

خطوة حكومة مهدي جمعة لم تمرّ من دون اعتراضات. إمام جامع الزيتونة، الشيخ حسين العبيدي، أعلن أن "الجامع الأعظم غير معني ببرنامج تحييد المساجد لأنه محايد ومستقل بطبعه، ووفقاً للقانون". يستند العبيدي إلى وثيقة وقعها وزراء الشؤون الدينية، التعليم العالي في 12 مايو 2012 أقروا فيها استقلالية الجامع وفروعه الـ25 عن الحكومة. يصرّ الشيخ على استقلالية جامعه ويلفت إلى أن تغييب دوره الدعوي والتعليمي لعقود "أدى إلى انتشار الفكر الوهابي المتطرف والدخيل على البلاد، وظهور جماعات تكفيرية وارهابية".

من جانب آخر، يقول القيادي في حركة النهضة الحبيب اللوز: "نحن كنا واضحين في الدستور. أقررنا تحييد المساجد عن العمل الحزبي. وأما الموقف السياسي فهذا شأن عام فلا يجوز للإسلام أن يخالف خياراً إسلامياً فالدين شامل لكل أبعاد الحياة، والإمام يجب أن يتحدث في الشأن العام". كذلك، عبّرت جمعيات دينية عدّة عن "رفضها القطعي لكلّ ما من شأنه أن يفرض وصاية على المسجد".

بعض منتقدي الخطوة الجديدة قرروا أن يتخلوا عن لغة الديبلوماسية في الاعتراض. رئيس الهيئة السياسية لحركة وفاء، عبد الرؤوف العيادي، اعتبر أن ما يحدث اليوم يذكر بعهد بورقيبة حين "استعمل البوليس الفرنسي والميليشيات لفرض حكمه". وعلى الصعيد الشعبي، قام عدد من المصلين في جامع البركة ببراكة الساحل في ولاية نابل بطرد الإمام الجديد التي عينته وزارة الشؤون الدينية. كنتيجة لما يحصل، يخشى البعض من هجر البعض للمساجد ولجوئهم إلى "حلقات علم" تعقد في المنازل خلسة، كما كان يتم قبل الثورة.

مصر، العسكر يريد احتكار الدين

العلاقة بين السياسة والدين في مصر تسير على هدى ما حصل في 3 يوليو. منذ حوالي شهر، قرر وزير الأوقاف المصري، الدكتور محمد مختار جمعة ضم جميع المساجد والزوايا بمصر إلى وزارته. جمعة أوضح أنه يمنع جمع أيّ أموال في المساجد خارج إطار القانون واللوائح المنظمة لعمل مجالس الإدارات بالمساجد.

قبلها، قرر الوزير ضمّ المساجد التابعة للجمعيات المحظورة، مثل جمعية الإخوان إلى وزارته. في الواقع، إن وزارة الأوقاف عاجزة عن سد احتياجات المساجد في بلاد النيل التي تحتوي على حوالي 130 ألف مسجد، فهي لا تمتلك عدداً كافياً من الأئمة والدعاة لتغطية كل الاحتياجات! كما أن تنفيذ خطتها يستلزم إمكانيات مالية كبيرة إذ ستضطر إلى ضم آلاف العمال والمؤذنين ومقيمي الشعائر والخطباء وتخصيص ميزانية لرواتبهم.

تأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الخطوات التي تصبّ في خدمة الهدف نفسه: إبعاد جماعة الإخوان المسلمين عن جمهورها وتمكين الأزهر المؤيد للحكم الجديد من فرض هيمنته على الساحة الدينية. فقد سبق أن قرر وزير الأوقاف إلغاء تصاريح الخطابة لـ55 ألف إمام من العاملين بنظام المكافأة، تمهيداً لغربلتهم وإعادة التعاقد مع "المؤيدين" فقط. كما سبق أن منعت الوزارة إقامة صلاة الجمعة فى الزوايا التى تقل عن 80 متراً وأن قررت توحيد خطبة الجمعة في المساجد.

وكيل وزارة الأوقاف المصرية اعتبر أن هذه الأعمال تهدف إلى "منع التحريض على العنف ونشر الأكاذيب في المساجد التي كانت المكان الأنسب للإخوان لنشر فكرهم وتضليل الناس". في أحد بياناتها، لفتت الوزارة إلى "أن الأولوية في الضم ستكون لأي مسجد لا يلتزم بالخطة الدعوية التي تحددها والمنهج الذي تلتزمه". تحاول الوزارة منع خطباء المساجد من التحدث في الأمور السياسية المهمة. على سبيل المثال، حددت مواضيع أول ثلاث خطب بعد قرار توحيد الخطب بـ: الحفاظ على البيئة، تطوير الأحياء الفقيرة ودور الشباب!

لا تدّعي الوزارة الحيادية وإن كانت تتذرع بخدمة المصلحة العامة. وزير الأوقاف يؤكد دعم وزارته لخارطة الطريق والاستحقاقات السياسية التي قررتها. في إحدى المرات،قال "إن الدين الإسلامي حض على المشاركة الإيجابية والمجتمعية، والأكثر من ذلك أن من يختار رئيساً أقل كفاءة من الآخر، وهو يعلم فيعتبر خائناً لله ورسوله، فالمقاطعة خيانة، وعدم اختيار الأفضل خيانة"، في كلام يريد منه حثّ الناس على انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي.

وفق القانون، تعمل المساجد تحت إشراف وزارة الأوقاف التي تمتلك الحق في ضم أيّ مسجد إلى إدارتها المركزية، وهو ما يعني حقها في تعيين الأئمة والخطباء والمحاضرين. فكل مبنى أو أرض تم تخصيصها لتكون مسجداً تخضع لإدارة أو إشراف وزارة الأوقاف. قبل 25 يناير، كانت الأجهزة الأمنية تغض الطرف عن المساجد التي يتم إدارتها بشكل أهلي أو عائلي، أو عبر جمعيات غير مثيرة للقلق سياسياً، وكانت تحث الوزارة على تطبيق القانون على المساجد التي يعارض خطباؤها السلطة. وفي كل قضايا الاعتراض التي وصلت إلى القضاء، حكم الأخير بأن حق إدارة المساجد يعود إلى الدولة.

تحاول السلطة الجديدة سحب أهم أدوات عمل الإخوان المسلمين في التأثير على الرأي العام وتحاول أن تصل إلى قواعدهم النائية في الأرياف المصرية. الآن تعمل السلطات المصرية على إبعاد الإخوان المسلمين عن المساجد، بعد أن كانوا سبقوها في استبعاد الأزهريين من بعضها.

الكل يخاف من المساجد

ظاهرة خوف السلطات السياسية من المساجد لا تقتصر على دول الربيع العربي. ففي المغرب، دخلت وزارة الداخلية، مؤخراً، على خط تعيين مؤذني المساجد علماً بأن هذا الدور هو من صلاحيات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. تخشى الداخلية من بعض المؤذنين ممن لديهم "انتماءات سياسية". مراقبة وزارة الأوقاف للمساجد كانت قد اشتدت بعد 16 مايو 2003، أي بعد تفجيرات الدار البيضاء. تكثر الوزارة من استخدام مصطلح "الأمن الروحي" وتفرض إغلاق المساجد بين الصلوات وتمنع أي تواجد دائم فيها.

بحسب القانون المغربي، "لا يمكن توظيف أي شخص بموجب عقد يبرم مع الدولة للقيام بمهمة إمام أو مرشد أو مرشدة في المساجد إلا إذا كان مستوفياً للشروط التالية: أن يكون بالغاً من العمر 45 سنة على الأكثر عند تاريخ إبرام العقد؛ أن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية ومتصفاً بأخلاق حميدة؛ أن يتم انتقاؤه بعد إعلان لتقديم الترشيحات وفق الشروط المحددة بقرار السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف والشؤون الإسلامية؛ أن يجتاز بنجاح دورة تكوين الأئمة أو المرشدين والمرشدات".

بعد ذلك، تقوم السلطة بمراقبة عمل المساجد "فإذا عاينت السلطة الحكومية أن إماماً أو مرشداً أو مرشدة لا يفي بالمهام الموكلة إليه(ها) وفقاً للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية (...) فيمكن اتخاذ الجزاءات المترتبة على ذلك لا سيما إنهاء العقد في أي وقت مع مراعاة تبليغ المتعاقد". في الممارسة، تقوم الوزارة بإبعاد الأئمة الذين يصرّحون للإعلام حول شؤون خارجية وذلك بهدف الحيلولة دون تداخل الحقلين الوطني والإسلامي العام.

في الأردن التي تحتوي على 5954 مسجداً، تخضع بعض المساجد لسيطرة الإخوان المسلمين وأخرى لسيطرة جماعة التبليغ والدعوة، وثالثة لسيطرة التيار السلفي، وهناك مساجد الكلمة فيها للصوفيين كما هناك مساجد شيعية. كما في دول الربيع العربي، تنطلق تظاهرات كثيرة من أمام المساجد بهدف استقطاب جموع المصلّين إليها. لا يعني هذا أن المساجد تتمتع بحرية العمل، ففي تظاهرة نظمها أئمة وخطباء مساجد، في منتصف العام 2012، طالب المشاركون بـ"رفع أيدي الأجهزة الأمنية عن وزارة الأوقاف ومديرياتها ومساجدها".

مؤخراً، أثير جدل كبير على خلفية كتاب وجهه وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، الدكتور هايل عبد الحفيظ داود، يطلب فيه من نظيره المصري ترشيح 200 اسم من خريجي جامعة الأزهر الشريف بغية التعاقد مع خمسين منهم لسد نقص الأئمة في مساجد المملكة. اللجنة التحضيرية لنقابة الأئمة والعاملين في وزارة الأوقاف الأردنية وضعت الطلب في سياق "السياسية الهادفة إلى استمرار سيطرة الدولة الكاملة على المنابر والوعظ والإرشاد".

ولكن الأهم كان اعتراض أمين عام "جبهة العمل الإسلامي" (الإخوان)، حمزة منصور، الذي اعتبر، في مذكرة أرسلها إلى رئيس الوزراء الأردني، عبدالله النسور، أن "المصلحة الوطنية تقتضي أن يعهد بمهمة الإمامة في المساجد لأبناء الوطن المعروفين برشدهم والتزامهم بالقيم الأردنية التي نعتز بها. وفي حال وجود نقص في عدد الأئمة يمكن تبني استراتيجية وطنية لتأهيل العدد الكافي من أبناء الوطن". منصور حذّر من انتقال حالة الانقسام التي تعيشها مصر إلى الأردن. يخشى إخوان الأردن من هذه الخطوة التي نسّقها داود، وهو أحد قادة حزب الوسط الإسلامي المعارض للإخوان المسلمين.

لا شك في أن مسألة وضع المعايير لعمل المساجد هي مسألة شائكة. الحرية المطلقة يمكن أن تفسح المجال لبروز أفكار متشددة تهدد الأمن الوطني. في المقابل، لا يمكن للسلطة السياسية أن تقول ببساطة: أنا الآمر الناهي. ولكن عوضاً عن إدارة حوار مجتمعي حول عمل المساجد وحول علاقة الدين بالسياسة، بشكل عام، تبقى هذه القضية الحساسة رهينة لقرارات متسرّعة أو لسياسات سلطوية متفرّدة.

التعليقات

المقال التالي